نفت الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي وجود زيادة جديدة في تعريفة المياه بمصر، مؤكدة استمرار المحاسبة بالأسعار المعتمدة، بينما تكشف فواتير جرى تحليلها ارتفاعات وصلت إلى 65.4% خلال 5 أشهر، بما يثير تساؤلات حول مكونات الفاتورة الفعلية.

 

ويأتي النفي بينما تواجه الأسر موجات متلاحقة من ارتفاع تكاليف الكهرباء والوقود والغذاء والسكن، ما يجعل أي تحرك جديد في فاتورة خدمة أساسية مثل المياه عبئا مباشرا على دخول تآكلت بالفعل أمام التضخم وزيادة تكاليف المعيشة.

 

 

فواتير تناقض النفي

 

وبداية من هذا الجدل، تتمسك الشركة بأن التعريفة لا تتغير إلا بقرار رسمي من الجهات المختصة، فيما ينص الإطار المنظم للمرفق على اقتراح التعريفة واعتمادها من مجلس الوزراء وإعلانها من خلال جهاز تنظيم مياه الشرب والصرف الصحي.

 

وفي المقابل، أظهر تحليل منشور لفواتير مياه فعلية اختلافا بين الأسعار المعلنة وما ظهر على بعض الفواتير، بينها قفزة بنسبة 65.4% في إحدى الحالات خلال 2025، وهو ما يستدعي تفسيرا رسميا مفصلا لبنود المحاسبة.

 

وعلى سبيل المثال، ارتفعت فاتورة منزل بمنطقة النزهة في القاهرة، بعدما تراوحت خلال عامي 2023 و2024 بين 200 و300 جنيه شهريا، إلى نحو 1078 جنيها في أغسطس 2025 ثم نحو 1075 جنيها خلال سبتمبر.

 

وبصورة مماثلة، أظهرت فاتورة أخرى لوحدة استهلكت 60 مترا مكعبا احتساب سعر للمتر وصل إلى 4.25 جنيه، بينما أثارت المقارنة مع التعريفة المعلنة تساؤلات عن الشريحة المستخدمة والرسوم الأخرى المضافة إلى إجمالي قيمة الاستهلاك.

 

وفي قراءة أوسع، سجل بند المياه وخدمات السكن ارتفاعا تراكميا بنحو 63% بين يناير 2022 وسبتمبر 2025 وفق البيانات التي استند إليها التحقيق المنشور، رغم استمرار الجدل الرسمي حول ثبات تعريفة مياه الشرب خلال تلك الفترة.

 

ومن ناحية أخرى، يؤكد مصطفى الشيمي رئيس الشركة القابضة أن إنتاج المياه يحمل الدولة تكاليف كبيرة تشمل المعالجة والتطهير والكهرباء والصيانة والأجور ومد الشبكات، وهي عوامل تكشف الضغوط المالية التي تواجه المرفق لكنها لا تفسر وحدها تفاوت الفواتير.

 

وبالتالي، يصبح المطلوب من الشركة نشر نموذج تفصيلي واضح يبين سعر كل شريحة ورسوم الصرف وأي مقابل تنظيمي أو استدامة أو خدمة، بحيث يستطيع المواطن إعادة حساب فاتورته بنفسه بدلا من الاكتفاء ببيانات عامة تنفي زيادة التعريفة.

 

كما أن تحديث بيانات الاشتراكات يمكن أن يغير طريقة المحاسبة، إذ طالبت الشركة في أبريل 2026 أصحاب الاشتراكات غير المنزلية باستكمال بيانات النشاط لضمان تطبيق التعريفة الصحيحة، وهو ما يؤكد أن تصنيف الاشتراك نفسه عنصر مؤثر في قيمة الفاتورة.

 

غير أن تعدد أسباب ارتفاع الفاتورة لا يعفي الجهات المسؤولة من تفسير أي قفزة كبيرة، خصوصا عندما يواجه المواطن زيادة بمئات الجنيهات رغم عدم تغير استهلاكه بصورة مماثلة، لأن المسؤولية هنا تتعلق بالشفافية بقدر تعلقها بحساب الأمتار.

 

 

رسوم ترفع الحساب النهائي

 

وعلاوة على ذلك، لا تقتصر فاتورة المواطن على سعر مياه الشرب، إذ يضاف إليها مقابل خدمة الصرف الصحي ورسوم أخرى، وهو ما يجعل الحديث عن ثبات سعر المتر وحده غير كاف لتحديد ما إذا كان إجمالي ما يدفعه المستهلك قد تغير.

 

وفي تفسير سابق لبنية الفاتورة، قال حسن عبد الغني المتحدث باسم الشركة القابضة آنذاك إن قيمة الصرف الصحي تعادل نحو 75% من قيمة استهلاك المياه، موضحا أن معالجة مياه الصرف وإعادة تدويرها تفرض تكاليف إضافية على المرفق.

 

وبحسب الحاسبة الرسمية التي استند إليها شرح منشور في يونيو 2026، فإن استهلاك 35 مترا مكعبا أنتج قيمة مياه قدرها 175 جنيها، بينما بلغت قيمة الصرف المرتبطة بالاستهلاك نفسه 140 جنيها قبل إضافة بنود أخرى.

 

ولهذا، فإن ارتفاع شريحة الاستهلاك لا يرفع قيمة المياه وحدها، وإنما يرفع معها قيمة الصرف المحسوبة كنسبة مرتبطة بالسعر والكمية، ما يجعل الانتقال بين الشرائح أكثر تأثيرا على الفاتورة النهائية مما يتوقعه المستهلك عند قراءة العداد.

 

وبناء على ذلك، فإن نفي زيادة تعريفة مياه الشرب بالمعنى الضيق لا يكفي وحده لنفي زيادة الفاتورة، لأن ارتفاع بند آخر أو إعادة تصنيف الحساب أو تغيير طريقة التطبيق قد ينتج زيادة فعلية في المبلغ النهائي.

 

وفي السياق ذاته، يفترض النظام المستخدم أن نحو 80% من كمية مياه الشرب المستهلكة تتحول إلى صرف صحي، ثم تحسب قيمة تلك الخدمة وفقا للشريحة، ما يفسر لماذا يمكن أن يرتفع الإجمالي بسرعة بمجرد انتقال المشترك إلى مستوى استهلاك أعلى.

 

ومن جهة أخرى، يشدد عباس شراقي أستاذ الجيولوجيا بجامعة القاهرة وخبير ملف المياه على أن الاستهلاك المنزلي يمثل نسبة محدودة مقارنة باستخدامات الزراعة والصناعة، مشيرا إلى أن الزراعة تستحوذ في مصر على الجزء الأكبر من الموارد المائية.

 

وبهذا المعنى، يصبح تحميل الأسر مزيدا من الأعباء تحت عنوان ترشيد الاستهلاك محل نقاش، خصوصا إذا لم يصاحبه كشف واضح لكيفية احتساب الفواتير وحجم التكلفة الحقيقية للخدمة وأسباب انتقال المواطن من شريحة إلى أخرى.

 

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل حاجة شركات المياه إلى تمويل التشغيل والصيانة وتطوير المحطات، لكن تحويل الأزمة التمويلية إلى زيادات غير مفهومة في الفواتير يهدد الثقة بين المواطن ومقدم الخدمة ويفتح الباب أمام شكاوى يصعب حسمها.

 

 

شفافية التسعير تحت الاختبار

 

ومن زاوية تشريعية، سبق أن أكد محمد عطية الفيومي رئيس لجنة الإسكان بمجلس النواب أن قانون تنظيم مرفق مياه الشرب والصرف الصحي لا يهدف إلى فرض أعباء مالية جديدة على المواطنين، في مواجهة مخاوف صاحبت مناقشة التشريع.

 

لكن القانون نفسه يمنح جهاز تنظيم المرفق دورا في اقتراح قيمة التعريفة ودراسة طلبات تعديلها، ثم يعرض الوزير المختص المقترحات على مجلس الوزراء لاعتمادها، على أن يتم إعلان الأسعار من خلال الجهاز في إطار من الشفافية.

 

ومن ثم، فإن أي اختلاف واسع بين التعريفة المنشورة وما يدفعه المستهلك فعليا يحتاج إلى تحقيق إداري وفني، وليس مجرد وصف التساؤلات بالشائعات، لأن الفاتورة الصادرة عن شركة عامة وثيقة مالية يمكن فحص طريقة احتساب كل بند فيها.

 

إضافة إلى ذلك، تكشف موازنة قطاع المياه حجم الضغوط المتصاعدة على المرفق، إذ بلغت موازنة الهيئة القومية لمياه الشرب والصرف الصحي للعام المالي 2026 و2027 نحو 47.818 مليار جنيه مقابل 32.194 مليار جنيه خلال العام السابق.

 

وفي ضوء ذلك، تبدو الحاجة إلى موارد إضافية أمرا قائما، لكن تمويل المرفق ينبغي أن يجري عبر قرارات معلنة وقواعد قابلة للمراجعة، لا من خلال ترك المواطن يحاول تفسير الزيادة بعد وصول فاتورة تضاعفت قيمتها دون شرح كاف.

 

وفوق ذلك، فإن تكرار بيانات النفي الرسمية من دون نشر جداول حساب واضحة لكل البنود قد يزيد الشكوك بدلا من إنهائها، لأن المواطن لا يريد فقط معرفة أن سعر المياه لم يتغير وإنما لماذا تغير المبلغ المطلوب منه.

 

وفي المقابل، يتطلب الإنصاف أيضا عدم اعتبار كل ارتفاع في فاتورة منفردة دليلا تلقائيا على رفع عام للتعريفة، إذ قد تتدخل فروق القراءة أو تراكم الاستهلاك أو تغير الشريحة أو تصنيف النشاط أو رسوم الصرف في النتيجة النهائية.

 

وأخيرا، فإن عينة الفواتير التي أظهرت زيادة 65.4% تظل مؤشرا يحتاج إلى تدقيق رسمي مستقل قبل تعميم نتيجتها على جميع المشتركين، لكن تجاهلها أو الاكتفاء بالنفي لا يحسم السؤال الأساسي حول أسباب التفاوت الواضح بين الحالات المرصودة.

 

وفي المحصلة، لا تكمن القضية في إثبات زيادة عامة قبل صدور قرار رسمي بقدر ما تكمن في حق المواطنين بمعرفة السعر الحقيقي لكل بند، إذ تصبح الشفافية وحدها قادرة على حسم ما إذا كانت الزيادات أخطاء فردية أم تحولا أوسع في المحاسبة.