يرصد الباحث يزيد صايغ تحولا عميقا في شكل النشاط الاقتصادي للقوات المسلحة المصرية، انتقل خلال السنوات الأخيرة من إدارة مشروعات الإنشاء والإنتاج إلى نموذج يصفه بـ«رأسمالية المالك»، يقوم أساسا على السيطرة على الأراضي والأصول العامة وإدارتها وتأجيرها وتحويلها إلى مصادر للدخل والريع، في وقت أصبحت فيه المؤسسة العسكرية جزءا أساسيا من استراتيجية الدولة للاستثمار وتوليد الإيرادات.
ويحذر صايغ في دراسته المنشورة بمركز مالكوم كير كارنيغي للشرق الأوسط من أن هذا النموذج، رغم قدرته على توليد تدفقات مالية سريعة، يحمل حدودا بنيوية يصعب تجاوزها، لأن التوسع في العقارات واستصلاح الأراضي وتحويل أصول الدولة إلى موارد قابلة للاستغلال لا يعوض ضعف الاستثمار المنتج والتطوير التكنولوجي، بينما يدفع البلاد إلى مزيد من الاعتماد على الاقتراض وتدفقات رأس المال من الخارج.
من المقاول إلى المالك
يرى صايغ أن الدور الاقتصادي للقوات المسلحة توسع بصورة متواصلة منذ 2013، وتسارع بعد تولي عبد الفتاح السيسي الرئاسة في 2014، بعدما جرى تكليف مؤسسات عسكرية بمجموعة متزايدة من المشروعات والأنشطة بدعوى قدرتها الإدارية والانضباط وسرعة التنفيذ، إلى جانب السعي لجذب الاستثمار الأجنبي وتوليد موارد لخزانة الدولة عبر استغلال الأصول العامة.
لكن المرحلة التي أعقبت 2020 شهدت، بحسب الدراسة، تغيرا نوعيا، بعدما تراجع التركيز النسبي على نموذج الإنشاءات العامة الضخمة الذي سيطر بين 2014 و2019، وبرز بدلا منه نموذج يقوم على إدارة أصول الدولة واستخراج الريع منها، وهو ما دفع صايغ إلى استخدام مفهوم «رأسمالية المالك» لوصف هذه المرحلة الجديدة.
وفي قلب هذا النموذج تقع الأرض، إذ يشير صايغ إلى امتلاك القوات المسلحة نفوذا واسعا على كيفية استخدام مساحات كبيرة من أراضي الدولة، سواء من خلال دور وزارة الدفاع في الموافقة على تخصيص الأراضي للأغراض المدنية أو عبر تصنيف مناطق باعتبارها ذات أهمية عسكرية استراتيجية، بما يمنح المؤسسة العسكرية قدرة كبيرة على التحكم في الوصول إليها واستغلالها اقتصاديا.
ومنذ 2016، بحسب الدراسة، جرى تصنيف معظم الطرق السريعة التي تربط المدن والمناطق الإنتاجية باعتبارها مناطق استراتيجية ذات أهمية عسكرية في الأراضي الصحراوية، كما امتد التصنيف إلى أجزاء من ساحلي البحر المتوسط والبحر الأحمر وعشرات الجزر، وهو ما يمنح وزارة الدفاع امتيازات اقتصادية واسعة على تلك المناطق.
ويتيح هذا الوضع تأجير الأراضي للمستثمرين وفرض رسوم مقابل إقامة الأنشطة أو الإعلانات، بينما يبقى التحكم النهائي في الأرض بيد المؤسسة العسكرية، وهو ما يختلف عن نموذج بيع الأصل نهائيا ويضمن استمرار تدفق الريع لفترات طويلة، ويحول الأرض العامة نفسها إلى أحد أهم مصادر الإيرادات والنفوذ الاقتصادي.
ويضيف صايغ أن النفوذ لا يستند إلى الأرض وحدها، بل يتعزز من خلال الصلاحيات الإدارية ونظام التعاقد بالأمر المباشر وانتشار المتقاعدين العسكريين داخل الجهاز البيروقراطي، بالإضافة إلى انتقال اختصاصات وأصول عدد من الهيئات المدنية إلى مؤسسات عسكرية خلال السنوات الأخيرة، ما يوسع مجال السيطرة على الاستثمار والموارد.
كما يشير إلى أن نحو 100 شركة عسكرية مسجلة رسميا تواصل العمل في التصنيع والتجارة والتعدين والخدمات، لكنه يعتبرها جزءا متبقيا من الصورة القديمة للاقتصاد العسكري، ويرى أن أهميتها الأساسية أصبحت مرتبطة بشبكات الرعاية وتدوير النخب داخل القوات المسلحة أكثر من كونها محركات رئيسية للاقتصاد المصري.
العقارات تصنع اقتصاد الريع
يضع صايغ التطوير العقاري في مقدمة المجالات التي يظهر فيها نموذج «المالك» بوضوح، مستندا إلى حقيقة أن الدولة تسيطر على نحو 94 بالمئة من الأراضي في مصر، بينما يقدر نصيب القطاع العقاري بما يتراوح بين 20 و30 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يجعل تحويل الأرض إلى أصل مرتفع القيمة أداة ضخمة لتوليد الأموال.
ويشرح أن القوات المسلحة أدارت إنشاء عشرات المدن الجديدة ومشروعات الإسكان والطرق والبنية التحتية، وأن الجهات العسكرية أدارت نحو 25 بالمئة من الإنشاءات الممولة من المال العام خلال الفترة بين 2013 و2018، ثم ارتفعت النسبة، بحسب التقديرات التي يعرضها، إلى ما بين 28 و38 بالمئة خلال 2019 و2020.
ويستند صايغ إلى مصادر حكومية وتجارية رفيعة ليشير إلى أن رسوم الإدارة التي تحصل عليها الجهات العسكرية قد تتراوح بين 5 و35 بالمئة من موازنات المشروعات، في حين تنفذ شركات المقاولات المدنية قدرا كبيرا من البناء الفعلي، ما يمنح الجهة العسكرية دخلا من إدارة المشروع والسيطرة عليه دون تحمل الأعباء نفسها التي يتحملها المقاول.
وتكشف الدراسة مفارقة أساسية في هذا النموذج، إذ إن التوسع الهائل في بناء المدن الجديدة لم يقابله طلب سكاني مماثل، فحتى منتصف 2024 كان في مصر 49 مدينة جديدة تضم مجتمعة نحو 1.7 مليون نسمة فقط، رغم حجم الاستثمارات الضخم في الإسكان والطرق والمياه والمرافق التي أنشئت لخدمتها.
ويورد صايغ مدينة العلمين الجديدة مثالا على فجوة الاستثمار والاستخدام، مشيرا إلى تقديرات تفيد بأن نسبة الإشغال فيها تبلغ نحو 20 بالمئة حتى خلال موسم الذروة، الأمر الذي يعني أيضا أن البنية التحتية المرتبطة بها، ومنها محطات تحلية المياه، تعمل بمعدلات أقل كثيرا من طاقتها التي استلزمت استثمارات ضخمة لإنشائها.
ويذهب صايغ إلى أن العقارات أصبحت في هذا النموذج مخزنا للقيمة أكثر من كونها محركا مستداما للنمو، لأن الأموال تتدفق إلى شراء الأرض والوحدات السكنية بدلا من النشاط المنتج، بينما تظل وظائف البناء غالبا مؤقتة ومنخفضة المهارة ولا تؤدي بالضرورة إلى تطوير قاعدة صناعية أو تقنية قادرة على إنتاج نمو طويل الأجل.
ولا تقف التكلفة عند الجانب المالي، إذ يشير صايغ إلى آثار اجتماعية واسعة رافقت إعادة تطوير المناطق الحضرية، مستشهدا بتقدير للباحثة العمرانية أمنية خليل يفيد بأن عدد الذين تعرضوا للنقل أو الإزاحة في القاهرة الكبرى ربما تراوح بين 1.7 و2.8 مليون شخص حتى 2024، بما يعادل نحو 14 بالمئة من سكان العاصمة الكبرى.
ويربط الدراسة ذلك بمفارقة أخرى، فبينما توجد أعداد كبيرة من المساكن الجديدة غير المشغولة والموجهة إلى شرائح أكثر دخلا، تعيش نسبة كبيرة من الأسر في بيئات عمرانية محرومة من معايير السكن الملائم أو القدرة على تحمل التكلفة أو الأمان في الحيازة أو الخدمات الأساسية.
الديون وحدود النموذج
يتوسع نموذج «المالك» أيضا في الزراعة، ويخص صايغ جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة باهتمام كبير، باعتباره أحد أبرز المؤسسات العسكرية الصاعدة اقتصاديا، إذ يقول إن الجهاز يدير ما يقارب نصف إجمالي الأراضي المزروعة في مصر ويسعى إلى رفع المساحة المزروعة من نحو 9 ملايين إلى 12 مليون فدان بنهاية 2026.
ويقوم جزء مهم من هذا النموذج على استصلاح الأراضي الصحراوية ثم إدارة الوصول إليها وتأجيرها، بدلا من اعتماد المؤسسة العسكرية على الزراعة المباشرة وحدها، وهو ما يجعل السيطرة على الأرض والمياه والبنية التحتية الزراعية وسيلة لاستخراج الريع وتحديد من يستطيع دخول السوق ومن يبقى خارجه.
لكن صايغ يحذر من التكلفة البيئية والاجتماعية لهذا التوسع، لأن الزراعة الصحراوية والمشروعات العقارية الضخمة تستهلك كميات كبيرة من المياه والطاقة، في بلد يعاني أصلا ضغوطا متزايدة على موارده الطبيعية، بينما يصعب إجراء تقييم مستقل للتكلفة البيئية لأن البيانات المتعلقة بالمشروعات العسكرية تظل بعيدة عن الرقابة العامة.
كما يرى أن المشروعات الزراعية واسعة النطاق قد تضغط على صغار المزارعين، بسبب ارتفاع متطلبات الاستثمار وقدرة الجهات العسكرية على التحكم في موارد مثل المياه والعملات الأجنبية، بينما يمثل العاملون بالزراعة نحو 20 بالمئة من السكان وتغلب بينهم الحيازات الصغيرة التي لا تمتلك القدرة المالية نفسها التي تتمتع بها المشروعات الكبرى.
وتصل دراسة صايغ إلى جوهر المشكلة عند تقييم النتائج الاقتصادية للنموذج، إذ يرى أن السلطة الرئاسية والعسكرية تعيد تشكيل شروط السوق لصالح استثمارات تقودها الدولة، بينما يظل القطاع الخاص محكوما ببيئة غير متكافئة، رغم أنه ينتج ما يقدر بنحو 75 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
ويشير إلى أن الإنفاق العام يمثل ثلاثة أرباع إجمالي الاستثمار، وأن مشروعات البنية التحتية تستحوذ وحدها على ما يتراوح بين 45 و60 بالمئة من الاستثمار العام، الأمر الذي يمنح الدولة والمؤسسة العسكرية قدرة شديدة التأثير على تحديد اتجاه الأموال والفرص الاقتصادية وعلى خريطة الاستثمار بأكملها.
وفي الوقت نفسه تظل نسبة المكون المحلي في الصناعة ضعيفة، إذ يورد صايغ تقديرا لوزير الاستثمار في أبريل 2026 يضعها بين 20 و40 بالمئة، وهو ما يعتبره مؤشرا على أن سنوات التوسع في المشروعات الضخمة لم تؤد إلى تعميق التصنيع بالقدر الذي يمكنه تخفيف اعتماد الاقتصاد المصري على الخارج.
ويرى الباحث أن أحد أخطر أوجه الخلل يتمثل في غياب القدرة على إجراء حساب حقيقي للتكلفة والعائد، لأن التفاصيل المالية للمشروعات التي تديرها المؤسسة العسكرية غير متاحة، بما يشمل رسوم الإدارة وحصة المقاولين والتكاليف المؤجلة والمتأخرات، فضلا عن كلفة الصيانة المستقبلية والديون المستخدمة لتمويل المشروعات.
كما تتحمل البنوك المملوكة للدولة جزءا مهما من مخاطر التمويل، بينما يورد صايغ أن هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وهي ليست مؤسسة عسكرية لكنها شريك محوري في المشروعات العقارية الكبرى، كانت مدينة للبنك الأهلي وبنك مصر بنحو 150 مليار جنيه في أواخر 2025، أي ما يعادل قرابة 3 مليارات دولار.
ويخلص صايغ إلى أن المشكلة لا تكمن في عجز نموذج «رأسمالية المالك» عن تحقيق الإيرادات، بل في أن عوائده تتجه إلى التناقص بينما تبقى تكاليف المشروعات الضخمة والديون قائمة، فيتحول الاقتصاد إلى دائرة تحتاج باستمرار إلى تدفقات رأسمالية جديدة من الخارج للحفاظ على استمرارية النموذج والوفاء بالالتزامات السابقة.
ويصوغ الباحث المفارقة بصورة شديدة الوضوح حين يرى أن الحكومة تقترض وتسدد بينما ينفق الرئيس والمؤسسة العسكرية، محذرا من أن النظام يمكن أن يستمر ما دامت الأموال الخارجية تتدفق، لكنه يظل عرضة للصدمات لأن الاقتصاد لا يولد فوائض ومدخرات محلية كافية لتأمين استدامته بصورة مستقلة.
وفي النهاية لا يقدم صايغ دراسته باعتبارها مجرد رصد لحجم اقتصاد الجيش، بل بوصفها تشريحا لنموذج اقتصادي كامل أصبحت فيه القوة المؤسسية وسيلة للسيطرة على الأصول واستخراج الريع، بينما يبقى السؤال الأخطر هو ما يحدث حين تتراجع قيمة الأرض والعقارات كمصدر للعائد، وتتضخم كلفة الدين، ولا يعود رأس المال الخارجي قادرا على تمويل دورة جديدة من المشروعات.
Delighted to share my latest Carnegie paper:https://t.co/U6UMzIG7oS
— Yezid Sayigh يزيد صايغ (@SayighYezid) July 9, 2026

