كثفت مصر تحركاتها الدبلوماسية لاحتواء التصعيد الإقليمي وحماية حركة الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، بالتزامن مع إعلان القاهرة أن هجومًا بطائرات مسيّرة أشعل حريقًا على متن سفينتين في ميناء دمياط الاستراتيجي، وسط تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وتهديدات جماعة الحوثيين للملاحة البحرية. وكتب حمزة هنداوي وعمرو مصطفى في تقرير نشرته صحيفة «ذا ناشيونال» أن السلطات المصرية تجري تحقيقات رفيعة المستوى في الهجوم، بينما أشار صالح سالم في تقرير آخر نشره موقع «العربي الجديد» إلى أن القاهرة تكثف اتصالاتها مع السعودية وقطر ودول إقليمية أخرى لمنع اتساع نطاق الصراع.
وأفاد المصدران، «ذا ناشيونال» و«العربي الجديد»، بأن مصر تواجه ضغوطًا أمنية واقتصادية متزايدة بسبب امتداد تداعيات الحرب إلى الممرات البحرية الحيوية، في وقت تسعى فيه القاهرة إلى استخدام قنواتها الدبلوماسية مع طهران وواشنطن والعواصم العربية المؤثرة للحفاظ على حرية الملاحة وتجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة قد تزيد من اضطراب المنطقة وتفاقم الأعباء الاقتصادية على الدولة المصرية.
هجوم مسيّرات يستهدف سفينتين في ميناء دمياط
أعلنت الحكومة المصرية، يوم الخميس، أن هجومًا بطائرات مسيّرة تسبب في اندلاع حريق على متن ناقلة لتخزين الغاز مملوكة لشركة أمريكية وسفينة أخرى داخل ميناء دمياط المطل على البحر المتوسط، مشيرة إلى أن أي جهة لم تعلن مسؤوليتها عن الهجوم حتى الآن.
وقالت الحكومة إنها ستتخذ «الإجراءات اللازمة لحماية مصالح مصر وصون أمنها القومي»، بينما أفادت مصادر أمنية بأن فحص حطام الهجوم أظهر استخدام طائرتين مسيّرتين على الأقل لتنفيذ العملية.
وأثار الهجوم تحقيقًا موسعًا يشارك فيه خبراء عسكريون مصريون، بهدف تحديد كيفية تمكن المسيّرات من اختراق طبقات عدة من منظومة الدفاع الجوي والوصول إلى ميناء دمياط، الذي يمثل مركزًا رئيسيًا للطاقة ويحظى بأهمية كبيرة في الخطط الاقتصادية المصرية، كما يخضع لإجراءات أمنية مشددة.
ورجحت مصادر أن تتسم ردة الفعل المصرية بضبط النفس إذا جرى تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم، لتجنب إشعال مواجهة جديدة في ظل اتساع نطاق الحرب الأمريكية الإيرانية وامتداد تداعياتها إلى دول أخرى في المنطقة.
وأشارت المصادر إلى وجود تكهنات بشأن احتمال تورط إيران أو جماعات متحالفة معها في العراق واليمن، فيما بدأت اتصالات مع مسؤولين إيرانيين لمحاولة تحديد الجهة التي تقف وراء الهجوم.
وجاء الهجوم في وقت تضطلع فيه مصر، إلى جانب باكستان وقطر وتركيا، بدور الوساطة الرامية إلى إنهاء الحرب بين إيران والولايات المتحدة، التي اندلعت في فبراير، وسط مساعٍ لإحياء وقف إطلاق النار الذي انهار خلال الشهر الجاري.
القاهرة تتحرك دبلوماسيًا لحماية البحر الأحمر والملاحة الدولية
تزامن التصعيد في ميناء دمياط مع تكثيف مصر اتصالاتها مع دول عربية وإقليمية، خصوصًا السعودية وقطر، لبحث تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتهديدات الحوثيين لحرية الملاحة في البحر الأحمر.
وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في 25 يوليو، اتصالًا هاتفيًا مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، بحث خلاله أحدث التطورات الإقليمية، ودعا الوزيران إلى وقف العمليات العسكرية فورًا وإعطاء الأولوية للحلول السياسية والدبلوماسية.
كما ناقش الجانبان حرية الملاحة في الممرات البحرية، ورفضا محاولات تعطيل حركة التجارة الدولية عبرها، في ظل تجدد الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي وتصاعد هجمات الحوثيين على السعودية، لا سيما استهداف المنشآت النفطية.
وسبق الاتصال زيارة عبد العاطي إلى الدوحة، حيث التقى رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن، وبحث الجانبان سبل احتواء التصعيد الإقليمي، إلى جانب مواصلة الجهود لإعادة واشنطن وطهران إلى طاولة المفاوضات.
كما أجرى الوزير المصري اتصالات مع نظيريه الإيراني والعُماني، دعا خلالها إلى إعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية، محذرًا من احتمال اتساع نطاق العنف في المنطقة. وشدد كذلك على ضرورة حماية حرية الملاحة في البحر الأحمر ومضيق هرمز، باعتبارهما ممرين حيويين للاستقرار الإقليمي وحركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
وقال السفير رخا أحمد، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، لـ«العربي الجديد»، إن القاهرة تشعر بالقلق من احتمال تصاعد التوترات الإقليمية بما ينعكس سلبًا على أمنها القومي، مؤكدًا أن مصر تعمل على دفع الحلول الدبلوماسية لتجنب اندلاع حرب إقليمية شاملة.
مخاوف من ضربة اقتصادية جديدة وخسائر قناة السويس
تتجاوز المخاوف المصرية البعد الأمني لتشمل تداعيات اقتصادية مباشرة، إذ تخشى القاهرة أن يؤدي تجدد هجمات الحوثيين في البحر الأحمر ومضيق باب المندب إلى تراجع حركة الملاحة وحرمان قناة السويس من جزء كبير من إيراداتها، في وقت يعاني فيه الاقتصاد المصري ضغوطًا متزايدة.
وكانت هجمات الحوثيين على السفن التجارية خلال الحرب الإسرائيلية على غزة في عامي 2024 و2025 قد أدت إلى انخفاض حاد في حركة الملاحة عبر البحر الأحمر وباب المندب، ما تسبب في خسائر كبيرة لإيرادات قناة السويس، التي تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للدولة المصرية.
وتزامن التصعيد الحالي مع إعلان الحوثيين فرض حصار بحري على الموانئ السعودية وتهديد السفن التي تصل إليها، في أعقاب الضربات السعودية التي استهدفت مطار صنعاء الدولي في 13 يوليو لمنع طائرة إيرانية من الهبوط فيه.
وأدت هذه التطورات إلى انخفاض ملحوظ في أعداد السفن التي تعبر باب المندب. ووفق بيانات منصة «كلبر» المتخصصة في تحليل تدفقات السلع العالمية، عبرت 11 سفينة لنقل السلع المضيق في 26 يوليو، وهو أدنى مستوى خلال أشهر.
وفي ميناء دمياط، قالت وزارة البترول المصرية إن الحريق الذي اندلع على متن ناقلة التخزين العائمة «إنيرجوس وينتر» أصبح تحت السيطرة، دون تسجيل إصابات، بينما تفقد وزير البترول كريم بدوي موقع الحادث.
وأفادت شركة «كلبر» بأن السفينتين تعرضتا لأضرار وأن العمليات في ميناء دمياط شهدت اضطرابًا، قبل نقل السفينتين إلى عرض البحر في إطار تقييم الوضع. وفي المقابل، أعلنت هيئة الميناء أن العمليات عادت إلى طبيعتها.
وتواجه مصر، في ظل هذه التطورات، معضلة دقيقة بين حماية أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية ودعم حلفائها العرب، وبين تجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران أو الحوثيين قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد.
وقالت مرفت زكريا، الباحثة في المركز العربي للبحوث والدراسات، لـ«العربي الجديد»، إن القاهرة تعتقد أن الدبلوماسية قادرة على تهدئة التوترات في البحر الأحمر، مشيرة إلى أن مصر تستطيع توظيف قنوات اتصالها مع طهران والقوى الإقليمية المؤثرة لمنح الحلول الدبلوماسية فرصة لاستعادة الهدوء.
ويبدو أن الهجوم على ميناء دمياط يضيف بُعدًا جديدًا إلى التحركات المصرية، إذ لم تعد المخاطر تقتصر على تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، بل باتت تداعيات الصراع الإقليمي تقترب من منشآت الطاقة والموانئ المصرية الحيوية. وبينما تواصل القاهرة تحركاتها الدبلوماسية لاحتواء الأزمة، تظل قدرتها على الحفاظ على التوازن بين أمنها القومي ومصالحها الاقتصادية وعلاقاتها الإقليمية مرتبطة بمدى قدرة الأطراف المتصارعة على منع تحول الحرب إلى مواجهة إقليمية أوسع.
https://www.thenationalnews.com/news/2026/07/30/egypt-says-damietta-port-ship-fire-caused-by-drone/
https://www.newarab.com/news/egypt-intensifies-diplomacy-shield-red-sea-shipping

