كشفت النائبة سناء السعيد، عضو مجلس النواب، أن أكثر من 1,100 وحدة صحية ومركز طب أسرة و24 مستشفى مركزيًا بقرى المحافظات لم تحقق كامل طاقتها التشغيلية، بسبب نقص الأطباء والتمريض، بما يحرم ملايين الريفيين من الخدمة.
ويأتي هذا التعطل كاشفًا تناقضًا سياسيًا صارخًا بين الدعاية الرسمية لمشروعات الإنشاء وبين حق المواطنين الفعلي في العلاج، إذ تحولت مليارات الجنيهات إلى جدران صامتة، بينما يقطع المرضى مسافات طويلة بحثًا عن طبيب أو ممرضة.
مبان بلا أطقم
بدايةً، استهدفت المرحلة الأولى من مبادرة حياة كريمة إنشاء وتطوير شبكة واسعة من وحدات الرعاية الأساسية ومراكز طب الأسرة، لتكون بوابة المواطنين إلى العلاج، ونواة تشغيل منظومة التأمين الصحي الشامل داخل القرى والمناطق الأكثر احتياجًا.
لكن، تسلمت وزارة الصحة عددًا كبيرًا من المباني المطورة وفق أكواد إنشائية وتجهيزات حديثة، من دون استكمال العنصر البشري الضروري، فأصبحت منشآت جاهزة شكليًا، عاجزة عمليًا عن تقديم الكشف والمتابعة والتطعيم وخدمات الأمومة والطفولة بانتظام.
وفي المقابل، يواصل المواطن الريفي دفع كلفة هذا الخلل من صحته ووقته ودخله، إذ يضطر إلى الانتقال للمستشفيات المركزية والعامة، ويتحمل نفقات المواصلات والانتظار، وربما تأخر التشخيص والعلاج في حالات تحتاج تدخلًا مبكرًا وسريعًا.
وبحسب النائبة، لا يرتبط العجز بالأطباء وحدهم، بل يمتد إلى هيئات التمريض والفنيين والإداريين، ما يجعل تشغيل الوحدة بصورة جزئية عديم الجدوى، لأن الرعاية الأولية تعتمد على فريق متكامل، لا على مبنى أو جهاز منفرد.
وفي السياق نفسه، يرى الدكتور علاء غنام، خبير إصلاح القطاع الصحي، أن الحق في الصحة يرتبط بالإتاحة والإنصاف والكفاءة والمساءلة، وهي معايير تفقد معناها عندما تُنشأ المرافق من دون موارد بشرية تضمن عملها واستمرارها.
ومن ناحية أخرى، يكشف غياب الكوادر عن خلل في ترتيب الأولويات، إذ سبقت خطط البناء سياسات التوظيف والتوزيع والحوافز، بينما كان يفترض إعداد خريطة احتياجات لكل قرية، وربط التسليم الفعلي بتوافر الطواقم وموازنات التشغيل والصيانة.
كذلك، لا يمكن اعتبار الوحدة الصحية مفتتحة لمجرد انتهاء المقاول من الأعمال الإنشائية، فالتشغيل الحقيقي يبدأ بوجود طبيب وتمريض وأدوية ومعمل ونظام إحالة، مع ساعات عمل معلنة وقدرة منتظمة على استقبال المرضى ومتابعة الأمراض المزمنة.
وعليه، فإن نشر أرقام المنشآت المنجزة من دون إعلان نسب التشغيل الفعلية وعدد المترددين والخدمات المقدمة يمثل تجميلًا إحصائيًا للأزمة، ويمنع المجتمع من تقييم العائد الصحي الحقيقي للمليارات التي أنفقت باسم تحسين حياة الفقراء.
نزيف الكفاءات الطبية
في الوقت ذاته، تعاني المستشفيات الحكومية عجزًا متراكمًا في الأطباء، ما يضاعف الضغط على العاملين الموجودين ويقصر زمن الكشف، ويؤخر التدخلات، ويدفع بعض الأقسام إلى تقليص النوبتجيات أو الاعتماد على تكليفات مؤقتة لا تحقق الاستقرار.
وبصورة أوسع، ترتبط الأزمة بهجرة أعداد كبيرة من الأطباء إلى الخارج أو انتقالهم للقطاع الخاص، بحثًا عن رواتب أفضل وتدريب أكثر انتظامًا وبيئة عمل آمنة، بينما تفشل السياسات الحكومية في بناء مسار مهني يحفزهم على البقاء.
وفي هذا الإطار، حذر الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، من أن هجرة الأطباء تمثل خطرًا متزايدًا، مؤكدًا أن الحد منها يتطلب تحسين الأجور وبيئة العمل وفرص التدريب والحماية من الاعتداءات، لا الاكتفاء بقيود إدارية.
إضافةً إلى ذلك، تبدو محافظات الصعيد والمناطق الريفية الأكثر تضررًا، لأن التوزيع غير العادل للكوادر يترك وحدات بعيدة بلا تخصصات أساسية، فيما تتركز الخبرات في المدن الكبرى والمستشفيات الجامعية والمراكز التي توفر دخلًا وفرصًا مهنية أفضل.
وبالتالي، لا يكفي تعيين أطباء جدد من دون حوافز للسكن والانتقال والتدريب والترقي، لأن التكليف المؤقت قد يسد خانة إدارية، لكنه لا يصنع استقرارًا وظيفيًا ولا يضمن استمرار الطبيب داخل الوحدة بعد انتهاء مدته الإلزامية.
ومن ثم، تحتاج الوزارة إلى حزمة احتفاظ واضحة تشمل بدل مناطق نائية، وسكنًا مناسبًا، وتأمينًا مهنيًا، وتعليمًا مستمرًا، وفرصًا عادلة للدراسات العليا، إلى جانب تخفيف الأعباء البيروقراطية التي تستنزف وقت الطبيب بعيدًا عن المريض.
غير أن استمرار تجاهل هذه المطالب يجعل كل توسع إنشائي معرضًا للتعطل، لأن الدولة تستطيع بناء آلاف الغرف خلال سنوات، لكنها لا تستطيع تعويض طبيب مدرب يهاجر بعد سنوات طويلة من التعليم والخبرة بسبب بيئة طاردة.
ومع ذلك، لم تعلن وزارة الصحة حتى الآن خريطة تفصيلية للرأي العام توضح عدد الوحدات المتوقفة أو العاملة جزئيًا، ونسب العجز بكل محافظة، والجدول الزمني لسد الاحتياجات، وهو غياب يضعف الرقابة ويغذي الشكوك.
التمريض مفتاح التشغيل
أما على مستوى التمريض، فتتضاعف خطورة الأزمة لأن الممرضين يمثلون العمود اليومي للخدمة، ويتولون المتابعة والتطعيمات ورعاية الحوامل والأطفال وتسجيل الحالات، ولذلك لا تستطيع أي وحدة صحية العمل بكفاءة حتى مع وجود طبيب واحد.
ووفقًا للدكتورة كوثر محمود، نقيب عام التمريض، يبلغ العجز نحو 75 ألف ممرض وممرضة في مختلف المحافظات، مع توقع زيادته عند التوسع في التأمين الصحي الشامل، ما يفرض سياسة عاجلة للتعليم والتكليف والاحتفاظ بالكفاءات.
علاوة على ذلك، لا تنحصر المشكلة في أعداد الخريجين، بل تشمل ضعف عوامل الجذب داخل القطاع الحكومي، وتفاوت الأجور، وضغط النوبتجيات، وصعوبة الانتقال، وغياب السكن في بعض القرى، وهي أسباب تدفع العاملين لترك المواقع الأشد احتياجًا.
ومن جهة ثانية، يؤدي نقص التمريض إلى تقليص ساعات العمل وتعطيل خدمات تنظيم الأسرة والتطعيم ومتابعة الأمراض المزمنة، كما يرفع مخاطر الأخطاء والإجهاد المهني، لأن العدد المحدود يتحمل أعباء تفوق طاقته داخل منشآت مزدحمة.
بناءً على ذلك، طالبت سناء السعيد الحكومة بكشف أسباب عدم التشغيل الكامل، وحجم العجز الفعلي، وخطة توفير الأطقم، والإجراءات العاجلة لتخفيف الضغط عن المستشفيات، وضمان خدمة تتفق مع الدستور ووعود تطوير القطاع الصحي.
لذلك، ينبغي ربط أي استلام جديد للوحدات بخطة تشغيل ممولة ومعلنة، تتضمن أسماء الوظائف المطلوبة ومواعيد شغلها ومخزون الأدوية ومسارات الإحالة، مع نشر تقارير دورية تقيس عدد المستفيدين وجودة الخدمة ومعدلات الغياب والشكاوى.
وفوق ذلك، يتطلب إنقاذ المشروع مساءلة إدارية عن السنوات التي ظلت خلالها منشآت مكتملة بلا تشغيل كاف، لأن غياب المحاسبة يسمح بتكرار النمط نفسه، ويحول المبادرات الكبرى إلى واجهات دعائية منفصلة عن احتياجات الناس اليومية.
في المحصلة، لا تحتاج قرى مصر إلى مبان جديدة فقط، بل إلى طبيب حاضر وممرضة مؤهلة ودواء متاح وخدمة تحترم المريض، وإلا بقيت حياة كريمة شعارًا مكلفًا، بينما تستمر حياة الريفيين معلقة بطوابير المستشفيات ومسافات السفر.

