عمر العمر
كاتب وصحفي سوداني
لعلّ العلاقات السودانية المصرية تتميّز عن مثيلاتها من دول الجوار، في العالمَين الأفريقي والعربي، بخصوصية تتمثّل في اتكائها على تشابك عوامل التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والثقافة والدين والمجتمع. لكنّ هذه الخصوصية تفتقد خاصّيةَ الثبات على المستويين الشعبي والرسمي، فظلّت تتأرجح بين الارتقاء والانكسار بفعل عناصر من الشمال والجنوب. كثيرًا ما تتّخذ صور أكاليل للفرح والفخار، مثل ما تصبح ألغامًا تفجّر الحزن والشقاق. مصدر هذا التأرجح هو الإبقاء على هذه العلاقات إرثًا داخل سياقها التاريخي، لا تمسّه معاول الوعي بالتمحيص والتنقية والصقل. هكذا ظلّت العلاقات ركامًا يحتفظ بشوائب بلغت حدّ التكلّس في بعض جوانبها. مكمن هذا القصور ليس في الدولة (في القاهرة والخرطوم) فقط، بل في دوائر التنوير في البلدَين. فلأسباب متباينة، لعلّ أبرزها الوجل والكسل، آثرت صفوة الجانبَين التزام السكوت عن الجرأة وإعمال العقل، بغية تنقية الإرث من الرواسب وتحرير الفكر من الذهنية الخديوية. فهناك مفاهيم ظلّت مغلوطةً، ورؤى غير ناضجة من الجانبَين تجاه العديد من علاقات التشابك والاشتباك.
***
ما لم تنهض الصفوة في البلدَين بذلك الواجب، يظلّ "المسكوت عنه" قابلًا للانفراج والانفجار، والتقارب والتباعد، والمدّ والجزر. الذاكرة الجماعية مشوَّشة على نحو يستدعي تدخّل الوعي بدلًا من التجاهل التلقائي والمتعمَّد. فالجغرافيا ذات خطوط تماس عرضة للاحتراق. والتاريخ محمّل بألغام قابلة للاشتعال. وفي الاقتصاد حساباتٌ مشحونةٌ بغُبن يفوق معدّلات الرضا والقناعة. وفي الثقافة المبذول من التنقيب والمدح، على ندرته، أقل من المتابَع والمتبادَل من القدح. وعلى صعيد الاجتماع، تتعدّد التشقّقات على نحو يجرح لوحة الوئام. أمّا على الصعيد السياسي، فهناك أخاديد بلا حصر ولا قاع. هذه المظاهر السالبة ليست كمجرى النيل تنحدر من الجنوب إلى الشمال، ولا هي مثل تيّارات الحداثة تهبّ دومًا من الشمال إلى الجنوب. هذه التيّارات لم تهبّ، في كلّ الأحوال، حسب الانطباع الزائف، على صحراء بلقع أو أدغال متوحّشة، فهناك في الشطر الجنوبي إرث حضاري تليد يضرب أوتاده في أعماق التاريخ، وله شواهده صامدة ضدّ التعرية والتحقير والتزييف.
***
لذلك، لا بدّ من إقبال الصفوة بعقل نافذ ورؤية جماعية ممحِّصة، بغية تنقية هذه العلاقات من الرواسب وتصحيح ركام المعلومات المغلوطة. فالحرص على تعزيز العلاقات لا يكون بإطلاق التوصيفات الفاتنة عبر الإعلام، من طراز "شعبَي وادي النيل الشقيقَين"، و"العلاقات التاريخية الأزلية"، و"وشائج الدم وأواصر الرحم"، و"إخوة النضال والمصير المشترك". يقول التاريخ إنّ ثمّة حقائق مطموسة منذ الأسرة الخامسة والعشرين، وفق البانوراما الفرعونية، حتّى أيّام عبد الفتاح البرهان الحالية. وهناك جغرافيا ملغومة ببؤر توتّر من عند خطّ الاستواء إلى خط عرض 22. وجدل ساخن عن مياه النيل، وعن استعلاء اجتماعي مُعلَن ومُضمَر من الطرفَين، يتقاطع فيه سباب بالفقر وتفاخر بالثراء. كذلك تضجّ العلاقات الثقافية بممارسات الإهمال العارض والمتعمَّد، عوضًا عن التقدير والإطراء والإنماء. وفي الاقتصاد، لدى الطرفَين قناعات باتّساع فرص الاستثمار المشترَك، لكنّ العمل في هذا الحقل يفتقد الشفافية المفضية إلى تبادل القناعات وتوسيع دوائر المصالح.
من المفاهيم الملتبَسة استتباع السودان التاريخي سياسيًا لمصر. يحدّثنا التاريخ أنّ الشعبين تقاسما معًا كلّ أعباء الممارسات الكولونيالية الغليظة. لا فارق في ذلك بين الاستعمار العثماني أو الإنكليزي. لا بدّ من مناقشة ما إذا كان المصريون شركاءَ أم أدواتٍ في أيدي الأتراك والإنكليز في توغّلهما جنوبًا. هل كانوا شركاءَ أم أدواتٍ ضمن حملات الإبادة الجماعية على يد الدفتردار انتقامًا من السودانيين بسبب مقاومتهم الباسلة للغزو التركي؟ وهل كان المصريون شركاءَ أم أدواتٍ في حملة الاسترداد المنظّمة من قبل إنكلترا ثأرًا لمصرع الجنرال غردون على أيدي أنصار المهدي؟ هل يتحمّل المصريون المساءلة عمّا إذا كان الرقّ المعترف به في تجارة الرقيق يمثّل وصمةً تطبع كلّ السودانيين؟ فبغضّ النظر عن تداخل قبلي عبر الحدود المشتركة، وتشابك عائلات عبر المصاهرة، هناك أبعاد فكرية اقتصادية في هذه المسألة. من ذلك: إن لم يكن الفلاحون المسخّرون لخدمة الباشوات في النظام الإقطاعي التركي أقنانًا، فما هو الاسترقاق إذن؟ كذلك، فإنّ عديدًا من القبائل السودانية تهندس هرمها الاجتماعي ونظرتها إلى الآخر على قاعدة ملكية الأرض.
***
الصفوتان المصرية والسودانية مطالبتان بانتشال العلاقات بين البلدَين من فخاخ الهيمنة الرسمية. فاستتباع الدولتَين العلاقات الشعبية راكم على رواسبها التاريخية طبقات سلبية، وحفر أخاديد عميقة. كما لم تكن الدولة (في القاهرة والخرطوم) تملك أبدًا مشروعًا يرتكز على ثوابت من شأنه تجاوز مطبّات السياسة، دع عنك إثراء المصالح بما يعزّز "العلاقات التاريخية". المعروف أنّ سياسات الدولة تحكمها ظروف موضوعية ذات طابع إقليمي أحيانًا، ودولي أحيانًا أخرى، وأمزجة شخصية أحيانًا. دفع الشعب السوداني فاتورةً باهظةً في سياق الفعل وردّات الفعل. وفي هذا السياق، يأتي تدبير مصر وتسويق الأنظمة الانقلابية السودانية على حساب الشعب. ومع ذلك، لم يكن حصاد القاهرة ربحًا صافيًا، وكذلك حصيلة الخرطوم. مثل عدد من الدول، عانى السودان سطوة "الجار الأكبر". لكن لعلّ من حظّ الشعبَين أنّه لم يكن لأيّ رئيس مصري مشروع مماثل كما كان لللأسد في لبنان أو لصدام في العراق. كان محمّد علي الكبير ألبانيًا، وكانت مصر مشروعه الأول. والعرش الملكي في القاهرة ظلّ لعبةً في أيدي إنكلترا. قلّما تحبّ الصفوة المصرية أن تتذكّر أنّ السودان سبق مصر في الانعتاق من الاستعمار البريطاني وإنجاز الاستقلال الوطني، ما ينفي حقّ الملكية أو فرضية الاستتباع.
دعوة الصفوتَين إلى النهوض بمهام التصحيح ترتكز إلى حقيقة أنّ مجالات التعليم والثقافة والتنوير كانت أوسع الآفاق للتأثير والتأثّر بين الشعبَين. فلا بدّ من اعتراف السودانيين بدور مصر في توسيع دائرة التعليم، بدءًا من الرواق السناري في الأزهر، مرورًا بالمدارس المصرية في عدد من المدن، وصولًا إلى فرع جامعة القاهرة في الخرطوم، بالإضافة إلى هجرة شبابٍ للدراسة منذ عهد جامعة فؤاد. مع هؤلاء، هبّت رياح الحداثة متباينة التيّارات، والثقافة متعدّدة المسارب والأيديولوجيات. لكن هذا الحراك كلّه لم يشيّد قاعدةً عريضةً أو يراكم رصيدًا مشتركًا يثري خصوصية العلاقات البينية وحتميتها. ثمّة مبادرات فردية متفرّقة ليس من شأنها إحداث فارق. من ذلك علاقة العقّاد بمعاوية نور، والطيّب صالح ورجاء النقّاش، وعبد الماجد أبو حسبو، وأمّ كلثوم والهادي آدم، وفاروق أبو عيسى ونقابة المحامين، واجتهادات حيدر إبراهيم عبر مركزه للدراسات، والصادق المهدي وثلّة من المهتمّين بتعزيز الصلات الفكرية في القاهرة، بينهم ميلاد حنّا، وحوارات جون قرنق مع لفيف من المصريين، بينهم فؤاد سراج الدين وحلمي شعراوي في العام 1997.
***
الصفوتان مطالبتان بصوغ أطر فكرية، لا ببناء هياكل سياسية، لتأمين حتمية خصوصية العلاقات ضدّ كلّ تقلّبات المناخ السياسي المحتملة. أفضل الممرّات لبلوغ تلك الغاية إزالة جميع تراكمات الجفوات العابرة بين الشعبَين، مع تعميق مسارات التعاون، بحيث يصبح الجوار مهدًا آمنًا لتعزيز التساكن السلمي، وبيئة واعدة لتحقيق المصالح الاقتصادية والاجتماعية عبر الحدود، وتحويل الشعارات النبيلة واقعًا على الأرض. من الأجدى ابتدار هذه المهام خارج مظلّات الدولة الرسمية. ومن الأفضل للجميع، بما في ذلك الدولتان، الارتكاز على منظّمات المجتمع الأهلي، مثل نقابات فاعلة، ومراكز البحث المتخصّصة، والهيئات السياسية. ولا أقلّ من ذلك مبادرات فردية من قبل شخصيات لها حضور كاريزمي في مجالات متباينة، قادرة على تبنّي تطوير العلاقات من منطلق التحدّي الذاتي. لكنّ التحدّي العامّ في شأن العلاقات الثنائية ليس في الاعتراف بالعجز عن الهروب من أطر الجغرافيا والتاريخ، إنّما في القدرة على ترجمة المصالح البينية إلى لغة تكتب مستقبلًا مشتركًا خصبًا وواعدًا.

