في فجر 23 يوليو 1952، لم تبدُ القاهرة عاصمة لثورة. لم تتدافع الحشود لاقتحام بوابات القصر، ولم تظهر المتاريس، ولم يبرز خطيب جماهيري كبير. استولى عدة مئات من الضباط على مقار عسكرية، وسيطروا على مواقع رئيسية، وأعلنوا عبر الإذاعة أنهم «يطهرون الجيش من الفساد». وبعد ثلاثة أيام، وقّع الملك فاروق وثيقة تنازله عن العرش وأبحر إلى إيطاليا على متن اليخت الملكي «المحروسة»، وسط تحية ملكية من 21 طلقة. ويبدو أن الأنظمة القديمة تخرج أحيانًا من المشهد بطريقة أكثر استعراضية مما تستحقه فترة حكمها، بحسب الكاتب إيفان ماركوفيتش.

 

وقال الكاتب في مقال نشرته منصة أدفانس أتش أر، إن ما بدأ كانقلاب عسكري نُفذ بإحكام، سرعان ما اكتسب اسم الثورة وقوة الزلزال التاريخي. لم يكتفِ الضباط الأحرار بإزاحة ملك غير محبوب، بل غيّروا علاقة البلاد بالأرض والعمل، وأعادوا توجيه السياسة الخارجية المصرية بصورة جذرية. ولعل الأهم أنهم قدموا للعالم العربي نموذجًا جديدًا لـ«المنقذ السياسي»: ضابطًا شابًا يؤكد أنه لا ينتزع الدولة، بل يعيدها إلى الأمة. حمل هذا الادعاء في داخله عظمة ثورة 1952 وعيبها الأساسي في آن واحد.

 

من الانقلاب العسكري إلى قيام الجمهورية المصرية

 

كانت مصر قد حصلت رسميًا على استقلالها قبل ذلك بثلاثة عقود، لكن النفوذ البريطاني ظل حاضرًا بقوة. سيطرت القوات البريطانية على منطقة قناة السويس، وفي عام 1942 حاصرت الدبابات قصر عابدين وأجبرت فاروق على تعيين حكومة تحظى بقبول لندن. ثم كشفت هزيمة حرب 1948 بين العرب وإسرائيل عن عجز القيادة العسكرية وفساد البلاط الملكي. احتفظت الملكية بمراسمها ومظاهرها، لكنها كانت تفقد بسرعة سلطتها السياسية، وهي أثمن عملة تمتلكها أي حكومة.

 

لم يشكل الضباط الأحرار جماعة موحدة أيديولوجيًا، إذ ضمت صفوفهم قوميين ويساريين ورجالًا مقربين من جماعة الإخوان المسلمين، لكنهم توحدوا حول كراهية الهيمنة البريطانية والنخبة القديمة. انتمى معظمهم إلى طبقة وسطى صاعدة، وغالبًا ما جاءوا من أسر ملاك الأراضي الصغار أو الموظفين الحكوميين. وبعد أن أتاحت معاهدة عام 1936 الالتحاق بالكلية الحربية على نطاق أوسع لأبناء الأسر غير الأرستقراطية، وفرت لهم المؤسسة العسكرية ما عجزت السياسة المدنية عن تقديمه: طريقًا للترقي وتنظيمًا منضبطًا.

 

كان جمال عبد الناصر، الذي كان آنذاك برتبة مقدم والمنظم الحقيقي للحركة، في الرابعة والثلاثين من عمره. أما محمد نجيب، الجنرال المعروف وبطل حرب 1948، فكان في الحادية والخمسين. منح نجيب المؤامرة الشابة رتبته وسمعته وشعره الأشيب، بينما بلغ متوسط أعمار بقية الضباط البارزين نحو 33 عامًا. وبعبارة أخرى، كانت تلك ثورة جيل خلص إلى أن آباءه السياسيين استهلكوا الدولة قبل أن يتركوا لأبنائهم فرصة وراثتها.

 

واجه الانقلاب مقاومة محدودة للغاية. وقدّم نجيب للجمهور باعتباره قائد الحركة، بينما بقي ناصر خلف الكواليس. وفي 26 يوليو، تنازل فاروق عن العرش لصالح ابنه الذي لم يتجاوز عمره ستة أشهر، فؤاد الثاني، ما أتاح للثوار مؤقتًا الادعاء بأنهم أطاحوا بملك سيئ، لا بالنظام الملكي نفسه. لكن تلك الحيلة القانونية لم تدم أكثر من عام. ففي 18 يونيو 1953، أُعلنت مصر جمهورية، وأصبح نجيب أول رئيس لها.

 

الإصلاح الزراعي وصعود جمال عبد الناصر

 

أحدث الانقلاب بالفعل تغييرًا اجتماعيًا حقيقيًا. وحدد قانون الإصلاح الزراعي الصادر في سبتمبر 1952 حيازة الفرد من الأراضي الزراعية بحد أقصى يبلغ 200 فدان، أي نحو 84 هكتارًا. وتكشف أبحاث أحدث عن حجم التفاوت الهائل الذي سبق الإصلاح؛ إذ كان 1% من ملاك الأراضي يسيطرون عشية الإصلاح على أكثر من 42% من إجمالي الأراضي الزراعية المملوكة ملكية خاصة. وبحلول عام 1980، انخفضت تلك النسبة إلى 27%، بينما ازدادت قوة ملاك الأراضي من الفلاحين متوسطي الحجم. أما أفقر الفلاحين ومن لا يملكون أراضي، فكانت استفادتهم أقل بكثير. لذلك، شكّل الإصلاح إعادة توزيع حقيقية للثروة، لكنه لم يصنع جنة زراعية.

 

ظهرت حدود التحرير بسرعة أكبر. فبعد أسابيع قليلة من الانقلاب، أضرب نحو عشرة آلاف عامل من عمال النسيج في كفر الدوار. وتدخل الجيش، وأدانت محكمة عسكرية خاصة العمال، ونفذت حكم الإعدام بحق اثنين منهم. وفي يناير 1953، حُلّت جميع الأحزاب السياسية وحُظرت، وحل محلها «هيئة التحرير» التابعة للنظام، التي أصبحت أداة لحشد المجتمع من أعلى. وبمعنى آخر، رحبت الثورة بالشعب باعتباره مستفيدًا من الإصلاح وجمهورًا يستمع إلى خطابها، لكنها لم تكن ترغب فيه باعتباره قوة سياسية مستقلة.

 

جاءت المواجهة الحاسمة في عام 1954. أصبح نجيب، الذي كان آنذاك أول رئيس يحظى بشعبية، نقطة تجمع للمطالبين بالعودة إلى الحكم الدستوري وانسحاب الجيش إلى ثكناته. واندلعت احتجاجات بعد استقالته، فأعيد إلى منصبه، لكن ناصر تولى رئاسة الوزراء وسيطر على الآليات الحقيقية للسلطة. وفي نوفمبر، أُبعد نجيب نهائيًا ووُضع قيد الإقامة الجبرية، حيث بقي لسنوات. ولم تستطع الجمهورية المصرية الأولى تحمل حتى رئيسها الأول، بينما تحولت الوصاية العسكرية المعلنة على الأمة باعتبارها مؤقتة إلى نظام سياسي دائم.

 

لكن ناصر أدرك أمرًا لم يفهمه كثير من دعاة التحديث السلطوي، وهو أن السلطة تحتاج إلى أن تقدم الكرامة إلى جانب الانضباط. وأفضى اتفاق عام 1954 إلى انسحاب القوات البريطانية من منطقة قناة السويس. وفي مؤتمر باندونج عام 1955، برز ناصر باعتباره أحد أصوات العالم الجديد المناهض للاستعمار. وبعد عام، وعقب سحب الغرب تمويله لبناء السد العالي، أعلن تأميم قناة السويس.

 

من تأميم قناة السويس إلى ميلاد حلم الجمهورية العربية

 

خلال خطابه في الإسكندرية، تلقت الفرق المصرية الإشارة للسيطرة على شركة قناة السويس. وردت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بغزو مصر. ورغم تعرض مصر لهزيمة عسكرية قاسية، أجبر الضغط الدولي القوات المهاجمة على الانسحاب. وحوّل انتصار السويس السياسي الهزيمة في ساحة المعركة إلى انتصار سياسي، وجعل من ناصر رمزًا للتحدي العربي.

 

بدأت الخطب والأغاني والوعد بأن الجمهورية هي الشكل السياسي الطبيعي لأمة عربية تحررت من الاستعمار تنتشر من القاهرة إلى المنطقة. ونقلت إذاعة «صوت العرب» صوت ناصر عبر الحدود، بينما تبنت حركات الضباط في دول أخرى النموذج المصري. وأطيح بالنظام الملكي العراقي عام 1958، وبملكية شمال اليمن عام 1962، ثم أطيح بملك ليبيا إدريس عام 1969 في ثورة قادها العقيد معمر القذافي.

 

من بريوني إلى سيناء: البصمة اليوغوسلافية في مصر الناصرية

 

في بريوني، لم يتلقَّ ناصر نصيحة من الرئيس اليوغوسلافي جوزيب بروز تيتو بتأميم قناة السويس. بل كتب رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو لاحقًا صراحة أن قناة السويس لم تُذكر حتى خلال محادثاتهم. لكن الأفكار التاريخية لا تحتاج إلى أن تُقال بصوت عالٍ حتى تؤثر في المناخ الذي يجعل قرارات معينة ممكنة. وبعد سبعة أيام من لقائه تيتو ونهرو، أعلن ناصر تأميم القناة، لينقل مصر من نقاش دبلوماسي حول السيادة إلى مواجهة مباشرة مع الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية.

 

التقى تيتو وناصر للمرة الأولى في أوائل عام 1955، عندما زار الرئيس اليوغوسلافي مصر في طريق عودته من الهند وبورما. وشكلت يوغوسلافيا بالنسبة إلى ناصر نموذجًا مهمًا ومفيدًا؛ فقد كانت دولة اشتراكية قطعت علاقاتها مع ستالين، وقبلت المساعدات الغربية، ومع ذلك أصرت على أنها لا تنتمي إلى أي من المعسكرين. ولم يقدم تيتو نموذجًا يمكن لمصر نسخه ببساطة، لكنه أثبت وجود مساحة سياسية بين الخضوع لواشنطن والاعتماد على موسكو، وهي مساحة ضيقة وخطيرة، لكنها كانت تستحق شغلها.

 

وانضم نهرو إلى تيتو وناصر في بريوني يومي 18 و19 يوليو 1956. وتحدث إعلانهم المشترك عن السيادة والتعايش السلمي ومقاومة الهيمنة الاستعمارية، وأصبح لاحقًا أحد الأسس المهمة لما ظهر في مؤتمر بلجراد عام 1961 باسم حركة عدم الانحياز. ولم تكن العلاقة بين الزعيمين علاقة معلم وتلميذ؛ فقد منح تيتو ناصر خبرة في المناورة بين القوى العظمى، بينما منح ناصر تيتو منفذًا إلى العالمين العربي والأفريقي، ومن دونهما كان يمكن لحركة عدم الانحياز أن تبقى مجرد نظرية.

 

بعد أزمة السويس، اتخذت الشراكة اليوغوسلافية المصرية شكلًا ملموسًا أيضًا. ووصلت قوات يوغوسلافية إلى سيناء ضمن قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة، وهي أول قوة حفظ سلام مسلحة تنشئها المنظمة الدولية. وابتداءً من شتاء 1956، تولى الجنود اليوغوسلاف مراقبة مواقع صحراوية، ورصدوا الحدود، وتمركزوا بين القوات المصرية والإسرائيلية.

 

وجاءت النهاية بصورة رمزية تقريبًا. ففي مايو 1967، ومع اقتراب حرب عربية إسرائيلية جديدة، طالبت مصر بانسحاب قوات الأمم المتحدة. وكان من بين الوحدات التي تلقت أوامر بمغادرة مواقعها الجنود اليوغوسلاف المتمركزون بالقرب من شرم الشيخ وفي مواقع أخرى في أنحاء سيناء. وظل تيتو وناصر متقاربين سياسيًا، لكن الصداقة بين رجال الدولة لم تستطع تجاوز المبدأ الأساسي لعدم الانحياز الذي دافعا عنه بأنفسهما: لكل دولة في النهاية الحق في أن تقرر ما يحدث على أراضيها.

 

لذلك، لا يمكن اختزال إرث 23 يوليو  في الديكتاتورية وحدها، ولا في قصة رومانسية عن التحرير. فقد حطمت الثورة سلطة النخبة القديمة من ملاك الأراضي، وأزالت بقايا الهيمنة البريطانية، ووسعت فرص الحصول على التعليم والوظائف الحكومية. وفي الوقت نفسه، أخضعت السياسة للسلطة التنفيذية وأجهزة الأمن والجيش باعتباره الحكم النهائي في النظام السياسي. ولم تتحول كل مؤسسات الدولة إلى ثكنات، لكن الثكنات أصبحت المصدر النهائي للشرعية السياسية.

 

تكمن جاذبية مشروع ناصر المستمرة في قدرته على جعل السلطة تبدو وكأنها تحرر. فقد وعد الضباط بإعادة الدولة إلى الأمة، لكن ما فعلوه كان أكثر التباسًا؛ إذ حولوا الأمة إلى اسم تستدعيه الدولة لتبرير سيطرتها على المجتمع. وفي عام 1952، فتحت مصر حقبة كبرى من الجمهوريات العربية ومناهضة الاستعمار وعدم الانحياز. لكنها فتحت أيضًا فترة طويلة استطاع خلالها العسكريون، كلما أصبحت السياسة فوضوية أكثر مما يروق لهم، أن يزعموا أنهم وحدهم يعرفون ما يريده الشعب حقًا. ومن هذا المنظور، ورغم الربيع العربي اللاحق وكل الاضطرابات التي أعقبته، لا تزال مصر في المكان نفسه الذي كانت فيه لعقود: دولة تتشابك فيها مؤسسات الدولة والجيش بعمق.


https://www.advance.hr/en/articles/history/calendar/egypt-1952-and-the-arab-republican-dream