محمد طلبة

رضوان كاتب صحافي

 

كرة القدم هي اللعبة الأكثر شعبيةً. ربّما لأنّها الأكثر واقعيةً، والأكثر شبهًا بحياتنا، والأكثر تعبيرًا عنها سلبًا وإيجابًا. وهذه البطولة تحديدًا فيها كثير مما يمكن التوقّف عنده، لكنّني أتوقف عند أحد أسئلة جيلنا وتجربته.

 

وضعتنا كأس العالم في مأزق حقيقي. ليونيل ميسّي أفضل لاعب في زماننا، ويبالغ بعضهم ليجعل منه الأفضل في التاريخ كلّه، وهي مبالغة مستحقّة وغير دقيقة، فهو يستحقّ كلّ مبالغة، الخطأ قبل الصواب، لاعب فوق بشري، في جمالياته، وفي إمكاناته، وفي قدرته على تحويل خيالاته الكروية إلى واقع، فمَن لا يحبّه؟ ومن لا يشجّعه؟ ومن لا يتمّناه منتصرًا؟

 

كتب مستوطن إسرائيلي، في تغريدة نقلتها مواقع عبرية، أنّ كلّ مَن لا يقف مع الأرجنتين أمام مصر "كاره لإسرائيل وكاره لكرة القدم". لم أجد تلخيصًا أفضل من هذا لـ"المفارقة الميساوية".

 

كان فوز ميسّي المشترك بين محبّي الحياة وكارهيها، بين محبّي كرة القدم وناهبيها، بين مشجّع الدرجة الثالثة وترامب وإنفانتينو وشركائهما، وكان من الممكن أن يمرّ، لولا أنّ منتخب ميسّي لا يستحقّ، وأنّ فوزه لا يعني سوى ظلم آخرين، ليس لديهم ميسّي، لكنّهم يستحقّون الاحترام أكثر من المنظومة التي تحمله. وافق ميسّي أن يمرّ فوق هؤلاء بكرة القدم وبغيرها، ولم يجرِ تنفيذ ذلك في كلّ المرّات باحترافية تجعله يمرّ، وتمنح خطابات الترقيع وراءه بعض الوجاهة. فشلت خطابات اختصار المكسب غير المستحقّ في أنّ ميسّي أعظم من لمس كرة القدم في التاريخ، واختصار شكاوى المهزومين في أنّهم تآمريون وشعبويون و"أفارقة"، وليست لديهم ثقافة الاعتراف بالهزيمة. كان الظلم الواقع على هؤلاء فجًّا أكثر من اللازم، وقد ساهم في فجاجته لاعبو الأرجنتين أنفسهم، الذين مارسوا عنفًا وقحًا، غير مسبوقٍ في وقاحته، من موقع من يعرف جيّدًا أنّ لديه ميسّي، ومن ثمّ لا أحد يستطيع المساس به. وباستثناء ميسّي نفسه، الذي كان محترفًا في تعامله مع هذه التجاوزات، فأجاد استقبالها، وأجاد تمريرها، وأجاد تصويبها نحو أهدافها، كان زملاؤه أفشل من أن يجيدوا مجرّد المشاهدة من دون إثارة غضب العالم كلّه.

 

بدا واضحًا أنّ ثمّة فريقًا "شريرًا" يحصل على ما يريد باللعب وبغيره، وأنّ لا شيء يمكن إيقافه والحال كذلك. ومع ذلك، انهزم في المباراة الأخيرة أمام الإسبان. فماذا حدث؟ ما حدث أنّ الإسبان تعاملوا مع الظلم بوصفه أحد إكراهات المباراة التي لا يمكن تفاديها، ولا يكفي لهزيمتها أنّها حقيقة، وواقع نراه بأعيننا، وتراه الكاميرا و"الفار"، ويعلّق عليه آلاف المشاهدين في صفحات "فيفا" وغيرها، وتُكتب عنه مقالات، وتُرسم كاريكاتيرات، وكوميكسات، بل تبرّره خطابات الانحياز للأقوى باعتباره من طبائع كرة القدم، ومن لا يقرّ به لا يعرفها ولا يفهمها. لا لا. لا يكفي هذا كلّه لهزيمة الشرّ القوي، كما أنّه لا يمكن هزيمته بشرّ مماثل، لا أخلاقيًا ولا مادّيًا، فأنت لست ميسّي، وليس معك ميسّي، فمن أين تأتي بداعمين على مجابهة الشرّ بالشرّ؟

 

لم يعنِ هذا بالنسبة إلى الإسبان سوى مزيد من العمل على محاصرة الشرّ، وإبراز ضعفه وتفاهته، وإحراجه بالشكل الذي يعجز معه أن يمرّ بالكلّية، وإجبار داعميه على الاعتراف ببعضه، وإغلاق كلّ ثغرات مبرّريه الذين يتقمّصون دور النُّخب المتعالية في مواجهة الرعاع الذين لا يعترفون بأحقّية أعظم لاعبٍ في التاريخ في هزيمتهم. قام الإسبان بذلك كلّه عبر أربعة أشواط، ولم ينجح كلّ ما تعرّضوا له من ظلم واضح وفادح وفجّ في إفقادهم تركيزهم. وفازوا.

 

ثمّة أمل دائمًا وثمّة إمكانية، وإن بدا الأمل ضعيفًا، والإمكانية غير ممكنة، أمام من يملك العالم، وإعلامه، ومؤسّساته، ورعاته، ورهاناته… وميسي.

 

أخطر ما يفعله الطغيان ليس هزيمة ضحاياه، بل إقناعهم بأنّ هزيمتهم قدر، وأنّ انتصاره هو الممكن الوحيد، الواقعي والعقلاني. وأجمل ما فعله الإسبان أنّهم ذكّرونا بأنّ الحقّ ممكن، ولو كان خارج القدر.