كشفت تقارير اقتصادية أن لجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية تستعد لعقد اجتماعها في القاهرة خلال الأسبوع الثاني من أغسطس برئاسة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي لبحث أسعار الوقود في مصر بعد ارتفاع النفط عالميًا وزيادة الدولار أمام الجنيه بما يرفع تكلفة استيراد المنتجات البترولية والغاز ويهدد بزيادة جديدة للأسعار.

 

ويأتي الاجتماع المرتقب بعدما نقلت حكومة السيسي تكلفة أزماتها المالية المتراكمة إلى المواطنين عبر زيادات متتالية في أسعار البنزين والسولار والغاز بينما أبقت موازنة العام المالي 2026 و2027 على مخصصات محدودة لدعم الوقود لا تتناسب مع الأسعار العالمية أو ضعف الجنيه بما يوسع احتمالات تحميل الأسر فارق التكلفة.

 

 

أسعار النفط تضع لجنة التسعير أمام فجوة جديدة

 

وفي التفاصيل تراجع لجنة التسعير التلقائي ثلاثة عناصر رئيسية تشمل متوسط أسعار خام النفط عالميًا وسعر صرف الدولار أمام الجنيه وتكاليف النقل والتداول داخل السوق المصرية قبل تحديد أسعار البنزين والسولار والغاز بينما يدفع صعود هذه العناصر مجتمعة نحو زيادة السعر المحلي حتى لو امتنعت الحكومة عن إعلان ذلك مسبقًا.

 

وبحسب بيانات الأسواق المسجلة في 20 يوليو بلغ سعر خام برنت نحو 88 دولارًا للبرميل بعد ارتفاعه بأكثر من 13% خلال شهر بينما وضعت وزارة المالية موازنة العام المالي الجاري على أساس متوسط يبلغ 75 دولارًا للبرميل وهو فارق مباشر تتحمله الهيئة العامة للبترول عند تدبير احتياجات السوق.

 

ومع استمرار اضطراب الملاحة وإمدادات الطاقة في منطقة الخليج يظل سعر النفط الفعلي أعلى من تقدير الموازنة الذي اعتمدته الحكومة قبل اتساع المواجهات الإقليمية كما ترفع تكاليف الشحن والتأمين قيمة كل شحنة تستوردها مصر وهو ما يجعل فاتورة الوقود أكثر تعرضًا لأي تصعيد جديد قبل اجتماع أغسطس.

 

وفي المقابل قال مينا رفيق مدير التداول بشركة برايم للاستثمار إن متوسط سعر خام برنت قد يدور حول 90 دولارًا خلال 2026 بسبب عدم اليقين الإقليمي واضطرابات الملاحة في مضيق هرمز موضحًا أن الفجوة بين السعر الفعلي وتقدير الموازنة ترفع احتمالات تحريك أسعار الوقود في مصر.

 

ومن ثم لا تواجه لجنة التسعير التلقائي ارتفاعًا عابرًا في أحد بنود التكلفة بل تواجه سعر نفط يتجاوز تقديرات وزارة المالية وعملة محلية فقدت جانبًا من قيمتها واحتياجات استيرادية مستمرة وهي عوامل تكشف ضعف التخطيط الحكومي الذي بنى الموازنة على أرقام أقل من واقع الأسواق ثم ترك المواطن أمام النتيجة.

 

 

الدولار وتقليص الدعم يمهدان لزيادة أسعار البنزين والسولار

 

وبالتزامن سجل السعر الرسمي للدولار في 20 يوليو نحو 51 جنيها و7 قروش للشراء و51 جنيها و17 قرشًا للبيع وفق بيانات البنك المركزي المصري بينما بنت الحكومة موازنة 2026 و2027 على سعر يقارب 47 جنيهًا للدولار بما يزيد تكلفة شراء النفط والغاز وتسوية مستحقات الشركاء الأجانب.

 

وعلى صعيد الموازنة خفضت وزارة المالية مخصصات دعم المواد البترولية من نحو 75 مليار جنيه خلال العام المالي السابق إلى قرابة 16 مليار جنيه في العام المالي الحالي بانخفاض يقترب من 79% رغم ارتفاع سعر النفط وضعف الجنيه وهو قرار يترك مساحة محدودة أمام الحكومة لامتصاص أي زيادة خارجية.

 

ووفقًا لمصطفى شفيع رئيس قسم البحوث بشركة عربية للتداول تعكس المخصصات المحدودة رغبة الحكومة في تنفيذ تعهداتها أمام صندوق النقد الدولي بخفض تكلفة دعم الطاقة كما يرجح استمرار سعر النفط قرب 90 دولارًا تحريك أسعار المحروقات بعد انخفاض قيمة الجنيه واتساع الفجوة مع تقديرات الموازنة.

 

وفي هذا السياق تعهدت حكومة السيسي لصندوق النقد الدولي بالالتزام بمعادلة ربط أسعار الطاقة المحلية بالأسعار العالمية مع بداية العام المالي في يوليو بينما يضغط برنامج القرض البالغ 8 مليارات دولار باتجاه خفض دعم الوقود والكهرباء والغذاء وهو مسار طبقته الحكومة من دون حماية اجتماعية تكافئ الزيادات.

 

أما الزيادة الأخيرة التي أقرتها الحكومة في 10 مارس فقد رفعت سعر لتر بنزين 80 إلى 20 جنيهًا و75 قرشًا وبنزين 92 إلى 22 جنيهًا و25 قرشًا وبنزين 95 إلى 24 جنيهًا كما رفعت السولار إلى 20 جنيهًا و50 قرشًا رغم تعهد سابق بتثبيت الأسعار لمدة عام.

 

وبناء على ذلك سيكون أي قرار جديد في أغسطس امتدادًا لمسار متتابع لا إجراء منفصلًا لأن الحكومة رفعت أسعار الوقود في أكتوبر 2025 ثم كسرت تعهد التثبيت بزيادة استثنائية في مارس 2026 قبل أن تعيد اللجنة إلى الاجتماع بعد خمسة أشهر فقط تحت ضغط النفط والدولار وخفض مخصصات الدعم.

 

 

فاتورة الزيادة تنتقل من المحطات إلى الغذاء والنقل

 

وعمليًا لا يتوقف أثر زيادة أسعار البنزين والسولار عند تكلفة ملء خزان السيارة لأن السولار يدخل مباشرة في تشغيل سيارات النقل الجماعي والشاحنات والآلات الزراعية والمخابز والمصانع ولذلك ينتقل القرار خلال أيام إلى أجور المواصلات وأسعار الخضروات والحبوب ومواد البناء والخدمات التي تعتمد على النقل.

 

وفي الأسواق دفعت زيادة مارس السابقة المحافظات إلى تعديل تعريفات المواصلات كما رفعت تكاليف نقل السلع من المزارع والموانئ إلى أسواق التجزئة بينما واجهت الأسر الزيادة من دخول لم تلحق بمعدلات الغلاء وهو ما يجعل اجتماع لجنة التسعير في أغسطس قرارًا يمس الإنفاق اليومي لملايين المصريين.

 

وفوق ذلك حذر الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح من أن استمرار الصراع الإقليمي قد يغذي التضخم عبر زيادة تكاليف الطاقة والشحن والتأمين وقد يدفع الدولار إلى تجاوز 55 جنيهًا وهو تقدير يوضح أن الحكومة تواجه حلقة متصلة بين ضعف العملة وارتفاع الاستيراد وزيادة الوقود ثم صعود الأسعار المحلية.

 

وفي الوقت نفسه قدرت تقارير اقتصادية أن ارتفاع أسعار الطاقة يمكن أن يضاعف فاتورة دعم المواد البترولية التي كانت مقدرة بنحو 75 مليار جنيه خلال العام المالي السابق بينما قد ترفع اضطرابات الإمدادات فاتورة استيراد الطاقة بما يتراوح بين مليار و2 مليار و400 مليون دولار خلال فترة مالية واحدة.

 

كذلك تتحمل الأسر الأقل دخلًا النصيب الأكبر من أعباء زيادة السولار وأسطوانات الغاز لأنها تعتمد على النقل الجماعي وتخصص نسبة أكبر من دخلها للغذاء والطهي بينما تستطيع الفئات الأعلى دخلًا استيعاب الزيادة بدرجة أفضل وهو ما يجعل سياسة التسعير الحالية أكثر ضغطًا على الفقراء وأصحاب الأجور الثابتة.

 

وفي المحصلة يضع اجتماع أغسطس المصريين أمام جولة محتملة من الغلاء صنعت الحكومة مقدماتها بنفسها عندما قلصت دعم الوقود وافترضت سعرًا منخفضًا للنفط والدولار ثم واصلت تنفيذ شروط صندوق النقد بلا شبكة حماية كافية ولذلك ستتحمل الأسر مجددًا ثمن قرارات مالية لم تشارك في صنعها ولم تستفد من حصيلتها.