أدانت جامعة الدول العربية هجمات إيرانية استهدفت 4 دول عربية هي البحرين والأردن وقطر والكويت، وطالت بنى تحتية ومرافق حيوية، محذرة من توسيع الحرب وتهديد الأمن الإقليمي والملاحة في المنطقة بأسرها.
سياسيا، يكشف البيان مأزق منظومة عربية تدين الصواريخ الإيرانية بحق، لكنها تتجنب مساءلة واشنطن عن تحويل أراضي المنطقة إلى منصات حرب، فيما يدفع المدنيون ثمن صراع لم يختاروه ولا يملكون إيقافه.
هجمات تضرب أربع دول
وفي بيان رسمي صدر السبت، وصف الأمين العام للجامعة نبيل فهمي الاعتداءات بالمتهورة وغير المبررة، معتبرا أنها تعكس نهجا تصعيديا إيرانيا يقوم على حسابات خاطئة وقراءة مغلوطة للواقع الإقليمي الراهن.
وبحسب البيان، استهدفت الهجمات البحرين والأردن وقطر والكويت، بالتزامن مع اعتداءات متكررة على إقليم كردستان العراق، بما نقل المواجهة من صراع ثنائي إلى مساحات عربية متعددة ومرافق شديدة الحساسية والأهمية.
وفي الكويت، طالت الضربات منشآت للطاقة والمياه وأثرت في مرافق حيوية، ما أبرز خطورة استهداف البنية المدنية التي تعتمد عليها حياة السكان، خصوصا في دولة يرتبط أمنها المائي بمحطات التحلية.
أما البحرين، فواجهت هجمات جوية استهدفت مواقع مرتبطة بالوجود العسكري والاستخباراتي الأمريكي، بينما أعلنت السلطات اعتراض مقذوفات، في مؤشر على انتقال قواعد القوات الأجنبية داخل الخليج إلى أهداف مباشرة.
وفي قطر، أعلنت الجهات المختصة اعتراض هجوم صاروخي، لكن سقوط الحطام أدى إلى إصابة طفل، بما يوضح أن نجاح الدفاعات لا يلغي الخطر على المدنيين ولا يمنع الأضرار الناتجة عن الاعتراض.
وبالنسبة إلى الأردن، استهدفت الضربات مواقع تضم قوات أمريكية، لتجد المملكة نفسها داخل دائرة الرد الإيراني بسبب انتشار عسكري أجنبي لا يملك المواطنون أي دور في تحديد مخاطره أو كلفته.
وبالتالي، لم تعد ساحات القتال محصورة داخل إيران أو مواقع القوات الأمريكية، بل امتدت إلى مطارات ومنشآت مياه وطاقة ومناطق مأهولة، ما يضاعف احتمالات سقوط ضحايا وتعطيل الخدمات الأساسية.
حرب تلتهم المنطقة
قانونيا، اعتبر فهمي الهجمات انتهاكا صارخا لسيادة الدول العربية والقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، مؤكدا أن استخدام الأراضي العربية لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية يمثل مساسا مباشرا بأمن شعوبها.
غير أن توصيف الانتهاك يظل ناقصا إذا تجاهل الضربات الأمريكية المتواصلة على إيران، لأن حماية السيادة لا تتجزأ، ورفض استهداف الدول العربية لا يبرر الصمت عن أسباب التصعيد ومسؤوليات أطرافه.
وفي المقابل، لا تمنح الهجمات الأمريكية طهران حق ضرب منشآت مدنية أو تعريض سكان دول أخرى للخطر، إذ يظل الرد العسكري مقيدا بقواعد التمييز والتناسب وحماية غير المشاركين في القتال.
ومن ناحية أخرى، هددت المواجهة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمثل ممرا رئيسيا للطاقة والتجارة، ما رفع المخاوف من اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار واتساع الأثر الاقتصادي خارج المنطقة.
علاوة على ذلك، يؤدي استهداف مرافق النفط والمياه والكهرباء إلى نقل الحرب مباشرة إلى حياة المواطنين، لأن تعطيل محطة تحلية أو منشأة طاقة قد يضر ملايين الأشخاص دون أن يغير موازين القتال.
ومن ثم، يحمل استمرار تبادل الضربات احتمال انضمام ساحات جديدة، خصوصا مع وجود قواعد أمريكية منتشرة في الخليج والأردن والعراق، وتهديد إيران باستخدام أذرعها الإقليمية لتوسيع نطاق المواجهة.
وفوق ذلك، يعيد التصعيد فتح ملف الأذرع المسلحة التابعة لطهران في العراق واليمن وسوريا ولبنان، بعدما استخدمت إيران نفوذها الإقليمي لفرض ضغوط تتجاوز حدودها وتربك أمن الدول العربية.
لذلك، يصبح المدنيون الحلقة الأضعف بين صواريخ إيران وغارات الولايات المتحدة وقواعدها العسكرية، بينما تكتفي الحكومات ببيانات الإدانة وإجراءات الطوارئ دون إشراك شعوبها في قرارات تمس مصيرها.
في الوقت نفسه، تهدد الحرب برفع أسعار الطاقة والتأمين والشحن وتعطيل الطيران، وهي كلفة ستنتقل سريعا إلى الأسر العربية المثقلة أصلا بالتضخم والبطالة وتراجع الخدمات والحماية الاجتماعية.
تضامن بلا خطة ردع
عربيا، شدد فهمي على أن الاعتداء على أي دولة عربية يمثل اعتداء على الأمن القومي العربي ومصالح الأمة بأسرها، داعيا إلى موقف موحد يحمي السيادة ويرفض تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة.
كما جدد تضامن الجامعة الكامل مع الدول المستهدفة، وأكد دعمها لجميع الإجراءات التي تتخذها لحماية أمنها واستقرارها، وهي صياغة تمنح الحكومات غطاء سياسيا واسعا دون تحديد حدود تلك الإجراءات.
وبشأن طهران، طالبها البيان بالوقف الفوري للهجمات وخفض التصعيد والكف عن نشر الفوضى وتهديد الملاحة عبر أذرعها، مع العودة إلى التفاوض والالتزام بالقوانين والتعهدات الدولية لحماية أمن المنطقة واستقرارها.
إلى جانب ذلك، يطرح الموقف العربي سؤالا حول أدوات التنفيذ، فالجامعة لا تملك قوة ردع مشتركة أو آلية ملزمة لحماية الدول المستهدفة، وتبقى قراراتها رهينة توافق حكومات متباينة المصالح.
وعليه، يبدو التضامن السياسي ضروريا لكنه غير كاف، لأن مواجهة التهديدات تتطلب تنسيقا دفاعيا ودبلوماسيا حقيقيا، وخطة لحماية المنشآت الحيوية، ومسارا مستقلا يمنع ارتهان الأمن العربي للقواعد الأجنبية.
وبناء على ذلك، تحتاج الدول العربية إلى مراجعة الترتيبات التي جعلت أراضيها جزءا من البنية العسكرية الأمريكية، من دون منح إيران أي ذريعة للاعتداء أو إعفائها من المسؤولية القانونية والسياسية.
ولزيادة فرص الاحتواء، يجب الضغط لوقف متبادل للنيران يضم واشنطن وطهران، وإطلاق مفاوضات تتناول الهجمات والقواعد والملاحة والأمن الإقليمي، بدلا من حصر الأزمة في مطالبة طرف واحد بالتراجع.
في غضون ذلك، يظل دعم الإجراءات الدفاعية حقا مشروعا للدول المستهدفة، بشرط ألا يتحول إلى تفويض مفتوح لردود توسع الحرب أو تزيد تعرض المدنيين والمنشآت الحيوية لموجات انتقام جديدة.
وفي المحصلة، يكشف بيان الجامعة خطورة السلوك الإيراني، لكنه يفضح أيضا هشاشة نظام عربي عجز عن منع تحويل أراضيه إلى مسارح صراع، ثم اكتفى بإدانة النيران بعد وصولها إلى مدنه.

