تحولت حياة إسراء خالد سعيد من مشروع طالبة هندسة تنتظر التخرج إلى رحلة احتجاز طويلة بدأت فجر 20 يناير 2015، عندما ألقي القبض عليها من منزل أسرتها في محافظة بني سويف، قبل ظهورها لاحقًا أمام جهات التحقيق وملاحقتها في عدة قضايا انتهت بأحكام بلغ مجموعها 18 عامًا. وبعد أكثر من 11 عامًا، لا تختزل قصتها في رقم داخل سجلات السجون، بل تكشف عن سنوات ضائعة بين المحاكم العسكرية والزنازين، وفقدان الأب، والحرمان من التعليم والحياة الأسرية، وسط مطالب حقوقية بإعادة فحص قضيتها وضمان حقها في محاكمة عادلة.
من الجامعة إلى السجن
كانت إسراء تدرس بكلية الهندسة في جامعة بني سويف عندما اعتقلتها قوات الأمن من منزل عائلتها. وتقول مصادر حقوقية وأسرتها إنها تعرضت للاختفاء القسري لعدة أيام قبل أن تظهر على ذمة تحقيقات مرتبطة بقضايا ذات طابع سياسي، بينما لم تتوافر رواية رسمية منشورة تشرح مكان احتجازها خلال تلك الفترة أو أسباب عدم عرضها فورًا على جهة تحقيق.
ووجهت إليها اتهامات شملت حيازة أسلحة ومتفجرات، وحرق منشآت ومحولات كهربائية، والمشاركة في أعمال عنف. وفي ديسمبر 2016 صدر بحقها حكم عسكري بالسجن 9 سنوات، ثم صدرت أحكام أخرى في قضايا منفصلة، حتى بلغ مجموع مدد السجن المحكوم بها عليها 18 عامًا، وليس حكمًا واحدًا بهذه المدة كما تذكر بعض الروايات المختصرة.
وقد نفت إسراء، وفق رسائل منسوبة إليها من داخل محبسها، الاتهامات الموجهة إليها، وسخرت من تصويرها باعتبارها قادرة على تنفيذ هذا العدد من الوقائع والعمليات. وطالبت في رسالة نشرت عام 2019 الجهات المسؤولة بالنظر مجددًا في قضيتها، بعدما قضت قرابة 5 سنوات في السجن آنذاك.
وتثير محاكمتها أمام القضاء العسكري قضية أوسع تتعلق بضمانات العدالة للمدنيين. وتؤكد منظمة العفو الدولية أن إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية في مصر تقوض الحق في محاكمة عادلة أمام محكمة مستقلة ومحايدة، وتنتقد استمرار استخدام هذا المسار في قضايا تتعلق بمدنيين.
ولا تسمح المعلومات المنشورة بإجراء تقييم مستقل كامل للأدلة التي استندت إليها الأحكام، إذ لا تتوافر علنًا ملفات القضايا ومحاضر التحقيقات والتقارير الفنية كاملة. ولذلك تبقى المطالبة الأساسية للمدافعين عن إسراء هي مراجعة الأحكام أمام قضاء مدني تتوافر فيه ضمانات الدفاع والشفافية والطعن الفعال.
أب يموت خلف القضبان
لم يكن السجن هو الخسارة الوحيدة في حياة إسراء. فبعد نحو شهرين من اعتقالها، توفي والدها خالد سعيد أثناء احتجازه في سجن بني سويف، وسط اتهامات حقوقية وأسرية بتدهور صحته وحرمانه من الرعاية الطبية الكافية، وهي رواية لم يصدر بشأنها تحقيق علني مستقل يحسم المسؤولية.
وحُرمت إسراء من حضور جنازة والدها أو توديعه، بحسب ما نقلته تقارير صحفية وحقوقية. ونسبت إليها رسالة كتبت فيها بعد وفاته: «قلبي مبقتش حاسة بيه من كتر وجعي على أبويا»، وهي العبارة التي أصبحت لاحقًا عنوانًا لمأساة عائلة وجد أكثر من فرد فيها نفسه داخل السجن.
وتوضح روايات منشورة أن إسراء علمت بخبر الوفاة خلال إحدى جلسات نظر قضيتها، وأن طريقة إبلاغها أدت إلى انهيارها. ولا يمكن التحقق المستقل من جميع تفاصيل الواقعة، لكنها تظل متسقة مع شهادات العائلة والحملات الحقوقية التي وثقت حرمانها من المشاركة في وداع والدها.
ويحول الحرمان من حضور جنازة أحد الوالدين العقوبة من سلب للحرية إلى قطع قاس للروابط الإنسانية. فالسجين، بصرف النظر عن الاتهام أو الحكم، يحتفظ بحقه في الكرامة والتواصل الأسري، بينما يخضع السماح له بحضور الجنازات لقرارات السلطات وظروف التأمين.
كما تضع وفاة والدها داخل السجن القضية ضمن ملف أوسع يتعلق بالرعاية الصحية للمحتجزين. وقد وثقت منظمات حقوقية خلال سنوات مختلفة وفيات داخل أماكن الاحتجاز المصرية، قالت إن بعضها ارتبط بعدم كفاية العلاج أو تأخره، فيما تنفي السلطات عادة وجود سياسة متعمدة للإهمال وتؤكد تقديم الرعاية الطبية للسجناء.
رسائل الزنزانة المفتوحة
تكشف الرسائل المنسوبة إلى إسراء عن أثر نفسي بالغ للاحتجاز الطويل. ومن أكثر عباراتها تداولًا: «باب الزنزانة ده هيموتني.. بفضل قاعدة قدامه طول الليل بعيط لحد ما أنام»، وهي رسالة ظهرت في حملات تضامن منذ عام 2016 وأعادت منصات حقوقية نشرها لاحقًا.
وتحدثت تقارير عن تعرضها للحبس الانفرادي لمدة 10 أيام، واعتداء سجينات جنائيات عليها، ودخولها في إضراب عن الطعام احتجاجًا على سوء المعاملة. وهذه الوقائع وردت في مصادر حقوقية وصحفية، لكن لا تتوافر نتائج تحقيقات رسمية معلنة بشأنها.
وبمرور السنوات، لم تعد خسارتها مقصورة على الحرية، بل امتدت إلى تعليمها الجامعي وفرص العمل والزواج وتكوين حياة طبيعية. فقد دخلت السجن في بداية العشرينيات من عمرها، بينما تشير التقارير الحديثة إلى أنها بلغت 33 عامًا، قضت ثلثها تقريبًا داخل أماكن الاحتجاز.
وتندرج معاناتها ضمن سياق أوسع وثقت فيه منظمات مصرية ودولية شكاوى من ظروف احتجاز قاسية وقيود على الزيارات والرعاية الطبية والتواصل الأسري، خصوصًا بحق المحبوسين في قضايا سياسية. كما انتقدت منظمات حقوقية استمرار المحاكمات غير العادلة والاحتجاز التعسفي في مصر.
وتستدعي قضية إسراء إجراء مراجعة قضائية مستقلة للأحكام الصادرة بحقها، والكشف عن ظروف اعتقالها الأولى، والتحقيق في ادعاءات الاختفاء وسوء المعاملة، وتمكينها من حقوقها الصحية والأسرية والتعليمية. كما تتطلب نشر المعلومات القانونية الكاملة عن قضاياها بدل بقاء مصيرها محصورًا بين روايات الأجهزة وروايات العائلة.
وبعد 11 عامًا من ذلك الفجر، يبقى السؤال الحقوقي أبعد من الموقف السياسي من إسراء أو أسرتها: هل حصلت طالبة مدنية على محاكمة عادلة أمام قاضيها الطبيعي، وهل تناسبت الإجراءات والأحكام مع أدلة معلنة وقابلة للفحص، أم أن سنوات شبابها تحولت إلى عقوبة مفتوحة يصعب إصلاح آثارها حتى بعد انتهاء السجن.

