تصاعدت الانتقادات البرلمانية لوزارة التموين بعد تزايد شكاوى مواطنين فوجئوا بإيقاف بطاقاتهم التموينية استنادًا إلى بيانات وصفوها بـ"الخاطئة"، نسبت إليهم امتلاك سيارات حديثة أو إلحاق أبنائهم بمدارس دولية، رغم نفيهم امتلاك أي من ذلك. ودفع اتساع دائرة الشكاوى نائبين في مجلس النواب إلى تقديم طلبي إحاطة للحكومة، مطالبين بوقف الاستبعادات وإعادة صرف الدعم للمتضررين، وسط تحذيرات من أن أخطاء قواعد البيانات أصبحت تهدد أحد أهم برامج الحماية الاجتماعية في البلاد.
شكاوى تتوسع
أعاد ملف استبعاد المواطنين من منظومة الدعم التمويني إلى الواجهة الجدل حول دقة قواعد البيانات الحكومية، بعدما كشف عدد من النواب عن تلقيهم شكاوى متزايدة من مواطنين يؤكدون حرمانهم من بطاقات التموين بسبب معلومات لا تمت للواقع بصلة.
وتقدم النائب إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، بطلب إحاطة موجه إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير التموين ووزير الإنتاج الحربي، طالب فيه بفتح تحقيق عاجل في أسباب إيقاف بطاقات التموين لعدد من المواطنين استنادًا إلى بيانات وصفها بأنها غير صحيحة.
وأوضح منصور أن بعض المواطنين أبلغوه بأنهم فوجئوا باعتبارهم مالكين لسيارات حديثة أو أن أبناءهم مقيدون في مدارس دولية أو خاصة، رغم أن بعضهم لا يمتلك سيارة من الأساس، بل إن هناك من لا يملك حتى دراجة، ولا يوجد لديه أبناء في تلك المدارس.
وفي السياق نفسه، تقدم النائب عمر وطني بطلب إحاطة مماثل، طالب خلاله بوقف جميع إجراءات الاستبعاد مؤقتًا، خاصة في منطقتي الزاوية الحمراء والشرابية، إلى حين مراجعة البيانات والتأكد من صحتها، مع إعادة صرف المقررات التموينية للمواطنين الذين تضرروا من هذه الأخطاء.
كما دعا إلى تشكيل لجنة لتقصي الحقائق تتولى مراجعة الآليات التي تعتمد عليها وزارة التموين في تنقية قواعد البيانات، والتأكد من سلامة المعايير المستخدمة قبل اتخاذ أي قرارات تمس حصول المواطنين على الدعم.
ويرى النواب أن استمرار هذه الأخطاء يقوض الثقة في منظومة الدعم، ويضع المواطنين في مواجهة إجراءات معقدة لإثبات حقوقهم، رغم أن سبب المشكلة يعود إلى بيانات حكومية غير دقيقة.
انتقادات للحكومة
وجه النائب إيهاب منصور انتقادات حادة لوزارة التموين بسبب استمرار الحديث عن "تنقية قواعد البيانات" منذ سنوات دون إعلان جدول زمني واضح لإنهاء هذه العملية أو ضمان عدم تكرار الأخطاء.
وأشار إلى أن الوزارة تتحدث منذ نحو أربع سنوات عن تحديث البيانات، إلا أن المواطنين ما زالوا يواجهون مشكلات متكررة تتعلق بإيقاف البطاقات أو حذف أفراد الأسر دون أسباب واضحة أو بناءً على معلومات غير صحيحة.
وخلال حديثه، عبر منصور عن حجم الضغوط التي تواجهها الأسر المصرية بقوله: **"الناس هتلاقيها من تصالح، ولا عدادات كودية، ولا بطاقات تموين، ولا أسعار؟"**، في إشارة إلى تعدد الأعباء الاقتصادية التي يتحملها المواطن بالتزامن مع ارتفاع تكاليف المعيشة.
واعتبر أن بطاقة التموين تمثل بالنسبة لكثير من الأسر خط الدفاع الأخير في مواجهة موجات الغلاء، ومن ثم فإن حرمان المواطنين منها بسبب أخطاء إدارية يزيد من معاناتهم الاقتصادية.
من جانبه، شدد النائب عمر وطني على أن الدعم التمويني ليس منحة تمنحها الدولة متى شاءت، وإنما يعد إحدى أدوات الحماية الاجتماعية التي نص عليها الدستور، وبالتالي لا يجوز وقف صرفه استنادًا إلى بيانات غير موثقة أو معلومات لم يتم التحقق منها بشكل كامل.
وأضاف أن المواطن لا ينبغي أن يتحمل تكلفة أخطاء قواعد البيانات الحكومية، سواء من خلال فقدان الدعم أو اضطراره إلى التنقل بين الجهات المختلفة لإثبات أحقيته، وهو ما يمثل عبئًا إضافيًا على الأسر محدودة الدخل.
كما طالب بضرورة وجود آلية واضحة وسريعة لتلقي تظلمات المواطنين والبت فيها خلال فترة زمنية محددة، بما يضمن عدم انقطاع الدعم عن المستحقين لفترات طويلة.
معاناة أصحاب المعاشات
حذر النواب من أن أكثر الفئات تضررًا من هذه الأخطاء هم أصحاب المعاشات، الذين يعتمد قطاع كبير منهم على الدعم التمويني لتخفيف أعباء المعيشة في ظل ارتفاع الأسعار.
وأشار النائب إيهاب منصور إلى أن عدد أصحاب المعاشات في مصر يتجاوز **11.5 مليون مواطن**، موضحًا أن نسبة كبيرة منهم تحصل على معاشات محدودة لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، وهو ما يجعل فقدان الدعم التمويني يمثل عبئًا إضافيًا على أوضاعهم المعيشية.
وأوضح أن كبار السن هم الأقل قدرة على تحمل إجراءات التظلم الطويلة، سواء بسبب حالتهم الصحية أو محدودية دخولهم، فضلًا عن اضطرارهم إلى استخراج مستندات وإثباتات لإثبات عدم امتلاكهم سيارات أو أصولًا نسبت إليهم بالخطأ.
ويرى متابعون أن نجاح أي عملية لتنقية قواعد البيانات يجب أن يرتبط أولًا بضمان دقة المعلومات قبل اتخاذ قرارات الاستبعاد، حتى لا يتحول تحديث البيانات إلى وسيلة لإقصاء مستحقين فعليين من منظومة الدعم.
كما يؤكد خبراء في مجال الحماية الاجتماعية أن تحديث قواعد البيانات أمر ضروري لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، لكنه يحتاج إلى مراجعة دقيقة وربط إلكتروني محكم بين الجهات المختلفة، مع منح المواطنين حق الاعتراض والتظلم قبل تنفيذ أي قرار يؤثر على حصولهم على السلع المدعمة.
وفي ظل تزايد الشكاوى، تتجه الأنظار إلى الحكومة لمعرفة كيفية تعاملها مع المطالب البرلمانية، وما إذا كانت ستتخذ إجراءات عاجلة لمراجعة حالات الاستبعاد وإصلاح الأخطاء التي كشفت عنها طلبات الإحاطة، بما يضمن عدم حرمان الأسر المستحقة من أحد أهم أشكال الدعم الاجتماعي في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

