وجّه قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي الحكومة ووزير الدولة للإعلام، مساء 4 يوليو 2026 من مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، بفتح الإعلام أمام الرأي والرأي الآخر، في اعتراف غير مباشر بأن المجال ظل مغلقا طوال سنوات حكمه.
ويأتي هذا التوجيه بعد أكثر من 12 عاما من إعلام أحادي احتكر المنابر، وطارد الأصوات المخالفة، وأغلق المساحات المستقلة، بينما كان المصريون يدفعون ثمن الغلاء والأزمات وسط شاشات لا تسمح إلا بالتصفيق والإنكار.
أمر بالفتح يكشف من كان يملك باب الإغلاق
بداية، لا يحتاج الإعلام الحر إلى إذن رئاسي كي يستضيف رأيا مخالفا، فمجرد صدور التوجيه من رأس السلطة يكشف أن السماح والحرمان كانا بيد الدولة، وأن التعددية لم تكن حقا مؤسسيا بل قرارا سياسيا.
والأوضح، أن عبارة فتح المجال أمام الرأي والرأي الآخر لا تبدو وعدا بالإصلاح بقدر ما تبدو شهادة على الماضي، لأن ما يُفتح اليوم كان مغلقا بالأمس، ومن أغلقه ليس بحاجة إلى لجنة لاكتشاف ذلك.
وفي المقابل، لم يشرح السيسي من الذي منع الرأي الآخر، ولا من حجب مواقع ومنع ضيوفا وأبعد إعلاميين، بل قفز مباشرة إلى الدعوة للحوار، وكأن سنوات الصوت الواحد حدثت بلا مسؤول ولا قرار ولا أجهزة.
وبحسب الكاتب الصحفي محمد سعد عبد الحفيظ، فإن الدولة استخدمت الحجب والشراء والإخضاع للسيطرة على الإعلام، ووصل الأمر إلى حجب نحو 500 موقع وتأميم معظم المنصات، وهو تشخيص سابق يفضح جذور المشهد الحالي.
وعلاوة على ذلك، اعترف تقرير لجنة تطوير الإعلام المرفوع إلى الحكومة نفسها بوجود سياسات للسيطرة والاحتكار وهيمنة الصوت الواحد، وربطها بأزمة الثقة العامة، بما يجعل توجيه السيسي إقرارا متأخرا بما تعرفه السلطة جيدا.
لهذا، تبدو الدعوة الجديدة محاولة لترميم صورة نظام أفسد المجال الإعلامي ثم اكتشف أن الجمهور هجر شاشاته، وأن خطاب الإنجازات لم يعد يقنع الناس، وأن غياب النقد لم يحم السلطة بل أضعف مصداقيتها.
ومن ثم، فإن المشكلة ليست نقص الاجتماعات السنوية، بل غياب ضمانات تمنع الأجهزة والمال السياسي والملكية المركزة من التحكم في غرف الأخبار، لأن الرأي الآخر لا يعيش بموعد رئاسي ولا ينتظر احتفالية سنوية كي يتنفس.
ضياء رشوان وزير ينتظر الإذن الرئاسي
وعمليا، في فبراير 2026 عُيّن ضياء رشوان وزيرا للدولة للإعلام، وقدم مهمته الأولى باعتبارها تفعيل المواد الدستورية الخاصة بحرية الرأي والصحافة، لكن بعد أقل من خمسة أشهر جاء السيسي ليأمره علنا بفتح المجال الإعلامي.
والأكثر إحراجا، أن الوزير الذي دخل الحكومة بشعارات الحرية والتطوير أصبح يتلقى أمام الكاميرات تكليفا بأبسط بديهيات المهنة، وكأن وجود الرأي والرأي الآخر مشروع لم يبدأ بعد ويحتاج موافقة جديدة من قمة السلطة.
وفي السياق نفسه، حدد السيسي يوم 3 ديسمبر موعدا لاجتماع سنوي برعايته لمراجعة أوضاع الإعلام، بما يعيد إنتاج الفكرة ذاتها، إذ تصبح الصحافة ملفا تديره الرئاسة لا سلطة مستقلة تراقب الرئاسة والحكومة.
ويستعيد هذا المشهد ملاحظة خالد عاشور، العضو السابق بمجلس إدارة مدينة الإنتاج الإعلامي، الذي قال إن دور وزير الإعلام تقلص حتى صار أقرب إلى متحدث حكومي بلا دور تنفيذي أو رقابي حقيقي على المنظومة.
وعليه، فإن وكسة الوزير ليست شخصية فقط، بل تعكس منصبا محدودا داخل شبكة أكبر منه، فحين يأتي القرار الحقيقي من أعلى، لا يبقى للوزير سوى التنسيق والتنفيذ وتجميل التوجيهات التي ترسمها السلطة مسبقا.
كذلك، لا يمكن لوزير يتحدث عن الحرية أن ينجح بينما تقرير رسمي يقر بغياب الاستقلال المؤسسي وتقييد الحريات والعقوبات السالبة للحرية، لأن الإصلاح يحتاج سلطة على أسباب الأزمة لا مجرد حضور في المؤتمرات.
وبالتالي، فإن الاجتماع السنوي المقترح يهدد بأن يتحول إلى موسم جديد للخطب والتوصيات والصور، بينما تظل الأسئلة المحرمة والضيوف الممنوعون والمواقع المحجوبة خارج القاعة، ويعود الإعلام بعد الحفل إلى التعليمات القديمة نفسها.
من تأميم عبد الناصر إلى احتكار السيسي
أما جوهر الأزمة، فيعيد مصر إلى نموذج أقدم من الوزير والهيئات الحالية، حين كانت الدولة تعتبر الإعلام ذراعا للحكم، وتتعامل مع الصحافة باعتبارها جهاز تعبئة لا ساحة للمساءلة وتعدد المصالح والآراء.
وتوضح أستاذة الإعلام رشا عبد الله أن وسائل الإعلام المطبوعة جرى تأميمها في عهد جمال عبد الناصر، فتحولت الصحف الكبرى لاحقا إلى أبواق للحكومة، وهو النموذج الذي يستدعيه المشهد المصري الحالي بقوة.
واليوم، لا تحتاج السلطة إلى قرارات التأميم القديمة بالشكل نفسه، فقد أصبحت السيطرة أكثر حداثة عبر الملكية المركزة والحجب والضغط الإداري وتوحيد الرسائل، لكن النتيجة واحدة، شاشات كثيرة وصوت سياسي واحد.
كما أن الفارق بين الزمنين يزداد مرارة، لأن المصريين يعيشون عصر الإنترنت والمنصات المفتوحة، ومع ذلك ما زال الإعلام المحلي يعامل الجمهور كمتلق سلبي، بينما يبحث الملايين عن الأخبار والرأي خارج المنظومة الرسمية.
وفوق ذلك، سجل تقرير لجنة تطوير الإعلام غلبة النمط الاحتفالي والتعبوي وغياب التفكير النقدي، وهي أوصاف تقترب بشدة من مدرسة الإعلام الموجه التي صنعت حول الحاكم صورة فوق النقد وحولت الخبر إلى دعاية.
وعند هذه النقطة، يصبح حديث السيسي عن بناء الوعي مقلقا لا مطمئنا، لأن السلطة استخدمت المصطلح طويلا لتبرير الوصاية على الجمهور، بينما الوعي الحقيقي يولد من المعلومات المفتوحة والجدل لا من الرسالة الموحدة.
ومن جهة أخرى، تكشف أزمة الثقة أن الجمهور لم يعد ينتظر من الشاشات المحلية تفسير أزماته، فالناس تعرف الأسعار والديون والقيود من حياتها اليومية، ولا تستطيع نشرات مصقولة أن تلغي ما يراه المواطن في السوق.
وبناء على ذلك، فإن استعادة إعلام عبد الناصر ليست مجرد تشبيه تاريخي، بل وصف لمنطق حكم يرى النقد خطرا، ويطلب من الصحفي أن يحمي الرواية الرسمية، ثم يفاجأ بعد سنوات بأن الناس لم تعد تصدقه.
لذلك، لا قيمة حقيقية لوعد الرأي والرأي الآخر ما لم يبدأ بإلغاء الحجب، وضمان استقلال غرف الأخبار، ووقف العقوبات ضد الصحفيين، وفتح الشاشات للمعارضة دون قوائم ممنوعين أو مكالمات توجه النقاش من الخلف.
في النهاية، كشف السيسي أكثر مما أراد حين أمر بفتح الإعلام، لأن الأمر نفسه يفضح من كان يملك مفتاح الإغلاق، ويضع وزير الإعلام في صورة موظف ينتظر التكليف، ويعيد مصر إلى زمن المنبر الحكومي الواحد.
وأخيرا، لا تحتاج مصر إلى اجتماع سنوي تحت رعاية الرئيس كي تعرف علة إعلامها، فالعلة هي السلطة التي تريد الصحافة مرآة لوجهها وحده، ثم تسأل بعد 12 عاما لماذا فقد الناس الثقة في الصورة.

