أثار حفل افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية في العاصمة الإدارية الجديدة، المعروف باسم «الأوكتاجون»، موجة واسعة من الانتقادات السياسية والصحفية، لم تتوقف عند تكلفة المبنى أو ضخامته، بل امتدت إلى دلالات ظهوره في هذا التوقيت، وما رافق الاحتفال من تصريحات لقائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي عن أحداث ثورة يناير وحصار مقرات الحكم، في حديث قرأه معارضون باعتباره كشفًا مباشرًا للأسباب التي دفعت السلطة إلى نقل الوزارات ومراكز إدارة الدولة إلى العاصمة الجديدة.

 

وتحول الحفل، الذي ظهر خلاله السيسي بالزي العسكري وسط استعراضات ومظاهر احتفالية ضخمة، إلى مادة لنقاش أوسع بشأن طبيعة الدولة التي يجري تشكيلها، وعلاقة السلطة بالمجتمع، والأولويات التي تحكم الإنفاق العام في بلد يعاني من الديون والغلاء والفقر والبطالة وبيع الأصول.

 

ورأى صحفيون وكتاب أن افتتاح المقر لم يكن مجرد تدشين لمجمع عسكري جديد، بل إعلانًا رمزيًا عن مرحلة سياسية مختلفة تقوم على تركيز مؤسسات الحكم في منطقة جديدة بعيدة عن قلب القاهرة، وأكثر قدرة على التحصين والعزل. وذهب بعضهم إلى وصف المشهد بأنه «التدشين الرسمي للجمهورية العسكرية الثانية»، بينما ركز آخرون على اعتراف السيسي بأن ما جرى في يناير 2011 كان حاضرًا في حسابات بناء العاصمة الجديدة.

 

وفي المقابل، طُرحت أسئلة حول جدوى توجيه موارد ضخمة إلى مقار ومشروعات هائلة، بينما تواجه الدولة أزمة ديون حادة وتراجعًا اقتصاديًا وضغوطًا متزايدة على حياة المواطنين. كما ظهرت انتقادات أمنية واستراتيجية بشأن فكرة جمع مفاصل إدارة الدولة في موقع واحد، وما إذا كان ذلك يزيد الحماية بالفعل أم يخلق نقطة مركزية شديدة الحساسية.

 

«جمهورية عسكرية ثانية».. قراءة في رمزية الزي والمقر والعاصمة الجديدة

 

اعتبر الكاتب الصحفي قطب العربي أن الاحتفال الأسطوري بافتتاح مقر القيادة الاستراتيجية يمثل لحظة تتجاوز افتتاح مبنى أو منشأة عسكرية، ووصفه بأنه «تدشين رسمي للجمهورية العسكرية الثانية».

 

وقال العربي إن الجمهورية العسكرية الأولى بدأت في يوليو 1952 واستمرت حتى يناير 2011، بينما بدأت الثانية فعليًا، وفق رؤيته، منذ يوليو 2023، لكن تدشينها الرسمي كان ينتظر اكتمال عاصمتها الجديدة ومقر قيادتها ورمزياتها.

 

ورأى أن النظام الجديد يقدم «نيولوك» للجمهورية الأولى، لكن السيسي يسعى إلى ربط هذا البناء السياسي باسمه وتسجيله باعتباره صاحب المرحلة الجديدة، معتبرًا أن المشهد يحمل رغبة في منافسة الصور التاريخية للزعماء والأنظمة التي بنت حول نفسها رموزًا ضخمة ومقارًا واستعراضات عسكرية.

 

https://x.com/kotbelaraby/status/2073719406186652113

 

وفي تغريدة أخرى، ركز قطب العربي على استخدام السيسي تعبير «الأشرار»، وقال إن المصطلح كان يُفهم خلال السنوات الماضية على أنه يشير إلى جماعة الإخوان وحلفائها، لكنه رأى أن حديث افتتاح «الأوكتاجون» وسّع دلالته ليشمل المشاركين في ثورة يناير الذين حاصروا أو اقتربوا من مقرات السلطة والحكم.

 

واعتبر أن نقل مؤسسات الدولة إلى العاصمة الجديدة وإنشاء مقر القيادة الاستراتيجية يعكسان رغبة في بناء منطقة أكثر تحصينًا وبُعدًا عن الحشود الجماهيرية، بحيث تتركز مفاصل السلطة داخل نطاق يصعب الوصول إليه مقارنة بقلب القاهرة.

 

وقال إن ارتداء السيسي الزي العسكري في هذا المشهد يعيد التأكيد، من وجهة نظره، على صورة الحاكم العسكري الصارم في مواجهة المدنيين، لكنه شدد في المقابل على أن التحصينات لا تمنح أي سلطة ضمانًا دائمًا، وأن الشعوب تظل قادرة على تطوير أدواتها وتجاوز ما يبدو مستحيلًا.

 

https://x.com/kotbelaraby/status/2073719189919920477

 

وربط حساب «رمضان» بين مظاهر الضخامة في العاصمة الجديدة ومقر القيادة وبين تدهور أوضاع الفقر والمرض والبطالة، منتقدًا ما وصفه بالإنفاق على القصور الرئاسية والأبراج والكباري ومدن ومشروعات لا تحقق عائدًا دولاريًا كافيًا.

 

واعتبر أن نقل مقر القيادة إلى العاصمة الجديدة بعيدًا عن القاهرة مرتبط بالخوف من الثورات وصعوبة وصول المحتجين إلى دوائر الحكم.

 

https://x.com/Prince1Ramdan/status/2073714062416900335

 

وقدمت الصحفية آيات عرابي قراءة أشد حدة للمشهد، إذ ركزت على ظهور السيسي بالزي العسكري والنياشين والاستعراض المصاحب للافتتاح، وقارنت الصورة بمشاهد ارتبطت في الذاكرة السياسية بقادة أحبوا المظاهر العسكرية والاستعراض أمام الجنود.

 

ورأت أن الاحتفال يعكس محاولة لإنتاج صورة القائد العسكري صاحب الإنجاز الضخم، في وقت يدفع فيه المصريون، بحسب طرحها، ثمن بناء عاصمة جديدة ومقار وقصور وطائرة رئاسية ومشروعات ضخمة.

 

كما اعتبرت أن المقارنة المتكررة بين «الأوكتاجون» و«البنتاجون» تكشف هوسًا بفكرة الأكبر والأضخم والأفخم، بينما يواجه المواطن أزمات معيشية متتالية.

 

وهاجمت عرابي المشهد الاحتفالي والاستعراض العسكري، معتبرة أنه يحمل رغبة في إثبات الهيبة والقوة أكثر مما يعبر عن إنجاز ينعكس على حياة المصريين، وربطت ذلك بما وصفته بعقد النقص والسعي المتواصل إلى صناعة صورة القائد التاريخي.

 

https://x.com/ayaa00/status/2073596677429076393

 

اعترافات عن يناير.. منتقدون: لماذا تحصين السلطة بدلًا من إرضاء الشعب؟

 

احتلت تصريحات السيسي عن ثورة يناير ومقار الحكم المساحة الأكبر من الجدل، بعدما تحدث عن قرار إنشاء العاصمة الجديدة باعتباره واحدًا من أخطر القرارات في حياة الدول، وربط ذلك بما شهدته البلاد خلال أحداث يناير من محاصرة مقرات مجلس الوزراء والبرلمان واقتراب الاحتجاجات من دوائر ومؤسسات أخرى.

 

الصحفية شيرين عرفة اعتبرت أن ما قاله السيسي ليس زلة لسان أو فضفضة عابرة، بل اعتراف واضح بالدافع السياسي والأمني وراء إنشاء العاصمة الجديدة ونقل مؤسسات الدولة إليها.

 

وقالت إن حديثه يكشف، من وجهة نظرها، عن خشية واضحة من تكرار احتجاجات يناير، وإن السلطة اختارت استباق أي غضب شعبي جديد بعزل مؤسساتها ورجالها داخل مدينة أكثر تحصينًا.

 

وأضافت أن وصف ما جرى في يناير بأنه «أزمة»، والحديث عن المحتجين الذين حاصروا المؤسسات بوصف «الأشرار»، يكشفان موقفًا سلبيًا من الثورة ومن المشاركين فيها، رغم أن المجلس العسكري نفسه قدم التحية العسكرية للثوار عام 2011.

 

ورأت عرفة أن الصورة التي يقدمها خطاب السيسي تجعل الشعب وكأنه خصم تخشاه السلطة وتستعد لاحتمال غضبه، متسائلة عن سبب عدم اختيار طريق مختلف يقوم على معالجة أسباب الغضب وتحسين حياة المواطنين، بدلًا من بناء مدينة محصنة ونقل المؤسسات إليها.

 

كما ربطت بين هذا الاختيار وبين تكلفة العاصمة الجديدة والديون الخارجية والضغوط الاقتصادية، وانتقدت ما وصفته بالإنفاق الضخم على المقرات والقصور والمشروعات العملاقة.

 

وتوقفت عند مبنى «الأوكتاجون» باعتباره نموذجًا للهوس بفكرة بناء الأكبر والأضخم والأغلى، معتبرة أن المبنى وتفاصيله يعكسان فلسفة السلطة في إقامة رموز ضخمة أكثر مما يعكسان اهتمامًا بأزمات المواطن اليومية.

 

https://x.com/shirinarafah/status/2073568314773684554

 

أما شبكة «رصد» فقد لخصت الدلالة السياسية للتصريحات بالقول إن السيسي أقر، خلال افتتاح «الأوكتاجون»، بأن نقل الوزارات وهيئات الحكم إلى العاصمة الجديدة جاء خشية غضب الشعب.

 

وركزت على الربط المباشر بين انتقال مؤسسات السلطة بعيدًا عن القاهرة وبين أحداث يناير التي تمكن خلالها المحتجون من الوصول إلى محيط مراكز الحكم ومحاصرة بعضها.

 

https://x.com/RassdNewsN/status/2073507215281967312

 

وذهبت انتقادات أخرى إلى أن ما حدث في افتتاح مقر القيادة لم يقدم للعالم صورة دولة واثقة من شعبها، بل صورة سلطة تبني المسافات والحواجز والتحصينات بينها وبين المجتمع.

 

وفي هذه القراءة، لم تعد العاصمة الجديدة مجرد مشروع عمراني أو إداري، بل أصبحت جزءًا من إعادة هندسة علاقة السلطة بالمجال العام، عبر نقل الوزارات والبرلمان ومراكز القرار ومقر القيادة إلى نطاق جديد بعيد عن الشوارع والميادين التي شهدت لحظات سياسية مؤثرة خلال العقود الماضية.

 

ويرى أصحاب هذا الطرح أن السؤال الذي يظل مطروحًا هو: هل يمكن للمقار المحصنة أن تعالج أسباب الغضب؟ وهل تحل المباني الضخمة أزمة الثقة بين الدولة والمواطنين؟ أم أن معالجة مشكلات الفقر والبطالة وارتفاع الأسعار والديون كانت ستكون أكثر فاعلية في تحقيق الاستقرار؟.

 

دولة مديونة ومقار عملاقة.. أسئلة عن الأولويات والمخاطر الاستراتيجية

 

لم تتوقف الانتقادات عند البعد السياسي، بل امتدت إلى الأولويات الاقتصادية للدولة، خاصة في ظل أزمة الديون وبيع الأصول والضغوط المتزايدة على معيشة المواطنين.

 

الصحفي علي بكري قال إن من يشاهد حفل افتتاح «الأوكتاجون» قد يظن أنه أمام دولة عظمى، لا دولة مديونة بنحو 165 مليار دولار وتبيع أصولها وأراضيها لتوفير الموارد اللازمة للاستمرار.

 

وانتقد الاعتقاد بأن قوة الدولة تقاس بضخامة وفخامة مقار قيادة الجيش، معتبرًا أن القوة الحقيقية ترتبط بقوة الشعب وحريته وقدرته الاقتصادية ووجود نظام ديمقراطي.

 

ووضع بكري المشهد في مواجهة مباشرة بين الاستعراض الخارجي والواقع الاقتصادي، متسائلًا عن قيمة المقرات الهائلة إذا كان المواطن يعاني وتضطر الدولة إلى بيع أصولها.

 

https://x.com/_AliBakry/status/2073488943639937038

 

وفي اتجاه مختلف، طرح عباس قباري سؤالًا أمنيًا واستراتيجيًا بشأن فكرة جمع أدوات إدارة الدولة في مكان واحد.

 

وقال إن ما يُعرض باعتباره إنجازًا كبيرًا يطرح في الوقت نفسه استفهامًا بشأن المصلحة من تركيز أدوات الإدارة الاستراتيجية للدولة في موقع واحد، خاصة مع وقوعه في الجهة الأقرب إلى عدو استراتيجي وعلى مسافة قدرها، بحسب ما ذكر، نحو 300 كيلومتر.

 

واعتبر أن هذا التركيز يمكن أن يحول «عقل الدولة» إلى هدف واحد، وتساءل عما إذا كان جمع مراكز القيادة بهذه الصورة يزيد الحماية أم يخلق خطرًا ناتجًا عن المركزية الشديدة.

 

https://x.com/AbbasQabary/status/2073499780492173552

 

وبين الانتقادات السياسية والاقتصادية والأمنية، بدا افتتاح «الأوكتاجون» لحظة كاشفة لخلاف أعمق بشأن تصور السلطة للدولة ومصادر قوتها. فبينما يقدم المقر بوصفه رمزًا للقدرة والاستعداد والتطور، يراه معارضون شاهدًا على توجيه الموارد نحو التحصين والاستعراض، وعلى بناء مراكز حكم بعيدة عن المجتمع.

 

وفي قلب الجدل بقيت كلمات السيسي عن يناير هي الأكثر إثارة للأسئلة، لأنها منحت منتقديه مساحة للقول إن العاصمة الجديدة لم تكن مجرد مشروع لبناء مدينة حديثة، وإن نقل مؤسسات الحكم لم يكن قرارًا إداريًا فقط، بل ارتبط أيضًا بذاكرة سياسية لا تزال حاضرة لدى السلطة.

 

ومع اكتمال العاصمة الجديدة وافتتاح مقر القيادة الاستراتيجية، يرى هؤلاء أن الدولة تدخل مرحلة تتجمع فيها رموز الحكم ومؤسساته داخل نطاق جديد مختلف تمامًا عن القاهرة القديمة. لكنهم يؤكدون أن قوة أي نظام لا يمكن قياسها فقط بارتفاع الأسوار أو مساحة المباني أو ضخامة الاستعراضات، وأن السؤال الحقيقي سيظل متعلقًا بقدرة الدولة على مواجهة الفقر والديون والبطالة والغلاء، وبطبيعة علاقتها بالشعب الذي تحدثت السلطة عن غضبه ومحاصرته لمقار الحكم قبل أكثر من عقد.