في أقل من أسبوع، تنقل رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس بين عاصمتين تمثلان اثنتين من أكثر الساحات العربية تعقيدًا في مرحلة ما بعد الصراعات؛ إذ بدأ جولته في العاصمة السورية دمشق بلقاء الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، قبل أن يحط رحاله في مدينة بنغازي الليبية حيث استقبله العام للقوات المسيطرة على شرق ليبيا و قائد الانقلابات خليفة حفتر.
وأثارت الزيارتان، المتقاربتان في التوقيت، موجة واسعة من التحليلات بشأن الرسائل السياسية والاقتصادية التي تحملها، خصوصًا أنهما جاءتا في وقت تتسابق فيه شركات إقليمية ودولية على استكشاف فرص الاستثمار في مشاريع إعادة الإعمار، سواء في سوريا التي دخلت مرحلة انتقالية بعد سقوط نظام بشار الأسد، أو في ليبيا التي لا تزال تعيش انقسامًا سياسيًا ومؤسسيًا منذ سنوات.
ويرى مراقبون أن الجولة تعكس توجهًا براغماتيًا لرأس المال نحو الأسواق التي يُتوقع أن تشهد إنفاقًا واسعًا على إعادة البناء، فيما يعتبر آخرون أنها تحمل كذلك أبعادًا سياسية بالنظر إلى طبيعة الشخصيات التي التقاها ساويرس، وسجل مواقفه السياسية المعلنة خلال السنوات الماضية.
بنغازي.. اجتماع مع حفتر لبحث الاستثمار
في مدينة بنغازي، استقبل خليفة حفتر رجل الأعمال المصري في مقر القيادة العامة، بحضور رئيس الجهاز الوطني للتنمية جبريل البدري.
وبحسب ما أُعلن عقب اللقاء، فقد تركزت المباحثات على فرص مساهمة مجموعة أوراسكوم في تنفيذ مشروعات التنمية وإعادة الإعمار، إضافة إلى بحث آليات التعاون مع الجهاز الوطني للتنمية الذي يتولى الإشراف على عدد من مشروعات الطرق والإسكان والمرافق والخدمات في شرق ليبيا.
وتسعى السلطات القائمة في شرق البلاد إلى جذب الشركات العربية والأجنبية للمشاركة في تنفيذ مشروعات البنية التحتية، في وقت يشهد فيه الإقليم توسعًا ملحوظًا في أعمال الإنشاءات وإعادة التأهيل.
ورغم ذلك، لا تزال ليبيا تعيش انقسامًا سياسيًا بين سلطات في الشرق وأخرى في الغرب، وهو ما يجعل أي استثمارات طويلة الأجل مرتبطة بمستوى الاستقرار السياسي والتوافق بين الأطراف الليبية.
ويرى محللون أن التعامل مع سلطة واحدة داخل المشهد الليبي قد يفرض تحديات مستقبلية على الشركات الأجنبية في حال تغيرت موازين القوى أو تم التوصل إلى ترتيبات سياسية جديدة.
بعد أيام من دمشق
وجاءت زيارة بنغازي بعد أيام قليلة فقط من زيارة ساويرس إلى دمشق، حيث التقى الرئيس السوري أحمد الشرع في قصر الشعب، في زيارة حظيت باهتمام إعلامي واسع داخل سوريا وخارجها.
وشهدت الزيارة جولة لساويرس في عدد من المعالم التاريخية بالعاصمة السورية، أبرزها المسجد الأموي، كما دعا المستثمرين العرب إلى دخول السوق السورية، قائلاً في تصريحات نقلتها "الإخبارية السورية": "إذا أنا جيت يبقى انتوا لازم تيجوا كلكم."
واعتبر مراقبون أن الرسالة تمثل دعوة مباشرة لرؤوس الأموال العربية للدخول مبكرًا إلى السوق السورية مع بدء مرحلة إعادة الإعمار.
لماذا سوريا وليبيا؟
يرى خبراء اقتصاد أن اختيار دمشق وبنغازي في توقيت متقارب ليس مصادفة.
فالبلدان يحتاجان إلى استثمارات ضخمة في البنية التحتية والإسكان والطاقة والاتصالات، وهي قطاعات تمتلك فيها مجموعة أوراسكوم خبرات ممتدة منذ عقود.
كما أن الدخول المبكر إلى أسواق ما بعد النزاعات يمنح الشركات الكبرى فرصًا للحصول على عقود استراتيجية قبل اشتداد المنافسة الدولية.
أوراسكوم وخبرة الأسواق المعقدة
لا تُعد هذه المرة الأولى التي تخوض فيها مجموعة أوراسكوم تجارب في أسواق تواجه تحديات سياسية وأمنية.
فقد عملت المجموعة سابقًا في عدد من الدول العربية والإفريقية، كما امتدت استثماراتها إلى قطاعات الاتصالات والبنية التحتية في دول شهدت نزاعات أو أوضاعًا أمنية معقدة.
ويرى متخصصون أن هذه الخبرة تجعل الشركة أكثر استعدادًا للعمل في بيئات استثمارية غير مستقرة مقارنة بكثير من الشركات المنافسة.
ساويرس وسوريا.. استثمار قديم يعود من جديد
ورغم أن زيارة دمشق حملت طابعًا استثماريًا، فإن عدداً من الباحثين رأوا أنها تمثل أيضًا محاولة لاستعادة حضور اقتصادي فقدته المجموعة في سوريا خلال السنوات الماضية.
وفي هذا السياق، كتب الصحفي والباحث محمد مرعي عبر حسابه @mar3e أن ساويرس سبق أن استثمر في قطاع الاتصالات السوري خلال عهد النظام السابق، قبل أن تتعرض استثماراته للمصادرة، وهو ما تسبب في خسائر مالية كبيرة.
ويرى مرعي أن رجل الأعمال المصري يسعى اليوم إلى إعادة التموضع داخل السوق السورية، خصوصًا في قطاعي الاتصالات والعقارات، بالتوازي مع انطلاق مشاريع إعادة الإعمار، مضيفًا أن سوريا بحاجة إلى الاستثمارات للمساهمة في إعادة بناء ما دمرته الحرب.
قراءة براغماتية لتحركات رأس المال
وذهب الناشط شادي لويس بطرس إلى قراءة الزيارة من زاوية تاريخ استثمارات عائلة ساويرس في المنطقة، معتبرًا أن تحركات رأس المال عادة ما تتكيف مع المتغيرات السياسية وتسعى إلى العمل مع السلطات القائمة بما يخدم مصالحها الاقتصادية.
ويعتبر عدد من المحللين أن هذه القراءة تعكس طبيعة الاستثمارات العابرة للحدود، التي غالبًا ما تبحث عن الفرص الاقتصادية بغض النظر عن طبيعة التحولات السياسية.
الشرع وتحول المشهد السوري
ويأتي لقاء ساويرس بالرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع في ظل التحولات التي شهدتها سوريا بعد سقوط نظام الهارب بشار الأسد.
وكان الشرع يُعرف سابقًا باسمه الحركي "أبو محمد الجولاني" خلال قيادته لهيئة تحرير الشام، قبل أن يقود المرحلة الانتقالية بعد إسقاط النظام السابق.
وفي عام 2025، أدرجت مجلة "تايم" الأمريكية اسمه ضمن قائمة أكثر مائة شخصية تأثيرًا في العالم، معتبرة أنه لعب دورًا محوريًا في التحولات السياسية التي شهدتها سوريا.
ويرى الأستاذ رأفت الرفاعي أن هذا الحضور الدولي يمكن أن يشكل فرصة لإعادة بناء الثقة الدولية في سوريا، إذا اقترن ببناء مؤسسات الدولة وتعزيز سيادة القانون وتحقيق العدالة الانتقالية.
كما كتب المغرد @Yassin44SYR أن المرحلة الجديدة تعكس تحولًا سياسيًا داخل سوريا، معتبرًا أن عدداً من الفصائل التي كانت تختلف مع الشرع أصبحت اليوم تعمل ضمن مشروع الدولة الجديدة.
العلاقة مع مصر
وعلى المستوى الإقليمي، يرى المحلل مصطفى الجرف @MustafaAlaziz أن اهتمام دمشق بتحسين العلاقة مع القاهرة يرتبط برغبتها في تخفيف التوترات الإقليمية وفتح قنوات اتصال مع مختلف العواصم العربية، بينما يرى أن ذلك يأتي أيضًا في إطار سعي الإدارة السورية الجديدة لتوسيع الاعتراف السياسي بها.
تركيا والخليج
في المقابل، دعا الدكتور رفيق عبد السلام @RafikAbdessalem الإدارة السورية إلى الحفاظ على توازن علاقاتها الخارجية، محذرًا مما وصفه بالإفراط في التعويل على الدعم الخليجي على حساب العلاقة الاستراتيجية مع تركيا.
واعتبر أنقرة تمثل شريكًا أمنيًا مهمًا لسوريا في المرحلة الحالية، مشيرًا إلى أن بناء شراكات متوازنة سيكون أحد عوامل نجاح المرحلة الانتقالية.
أكبر خطأ ترتكبه دمشق هو التذاكي الزائد على اللزوم في علاقاتها الخارجية بالمراهنة على المحور الخليجي لنيل بعض من الرز المخلوط بالسم، والابتعاد عن حليفها وجارها التركي.
— Dr Rafik Abdessalem. د. رفيق عبد السلام (@RafikAbdessalem) July 16, 2025
الخليج يعطيك الأموال المشروطة ولن يوفر لك الحماية، وخاصة إذا تعلق الأمر بإسرائيل، أما تركيا قد لا تمنحك أموالا… pic.twitter.com/6l72Ui1SZf
كما برز التقارب مع تركيا خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي، حيث التقى الشرع بعدد من المسؤولين الأتراك، بينهم الرئيس التنفيذي لشركة "بايكار"، في لقاءات حظيت باهتمام إعلامي واسع.
وفي هذا السياق، علق الإعلامي هيثم أبو خليل عبر حسابه @haythamabokhal1 على الزيارة قائلاً: "الأخ نجيب ساويرس من المسجد الأموي يشعر بالانتعاش في سوريا الجديدة تحت حكم الأخ الرئيس أحمد الشرع وبعد التخلص من العصابة التي كانت تحكم البلاد على حد قوله".
الأخ نجيب ساويرس من المسجد الأموي يشعر بالانتعاش في سوريا الجديدة
— Haytham Abokhalil هيثم أبوخليل (@haythamabokhal1) June 25, 2026
تحت حكم الأخ الرئيس أحمد الشرع
وبعد التخلص من العصابة التي كانت تحكم البلاد على حد قوله.#جلطة_لإعلام_السامسونج pic.twitter.com/k6ZC186mI2

