عيّن قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، 4 رؤساء جدد للهيئات القضائية، استمرارًا للانقلاب الدستوري عام 2019، فكانت النتيجة تكريس سلطة الاختيار الرئاسي وكسر قاعدة الأقدمية داخل مؤسسات العدالة.
وبالتالي، لا يقف الأمر عند تبديل أسماء في قمة الهيئات، بل يكشف مسارًا سياسيًا وإنسانيًا أخطر، حيث تصبح العدالة معلقة بإرادة الحاكم، ويتحول المواطن إلى ضحية قضاء محاصر من السلطة التنفيذية.
التعيين الجديد كامتداد لانقلاب 2019 الدستوري
كما أن تعيين ربيع أحمد محمد لبنة رئيسًا لمحكمة النقض، ومحمود إبراهيم أبو الدهب رئيسًا لمجلس الدولة، وهدى أحمد عيسى رئيسة للنيابة الإدارية، وعبد الناصر أبو العزم رئيسًا لقضايا الدولة، أعاد فتح ملف السيطرة.
لذلك، تبدو القرارات الأخيرة استمرارًا مباشرًا لتعديل 2019، لا إجراءً إداريًا منفصلًا، لأن النص الدستوري منح الرئيس سلطة اختيار رؤساء الجهات والهيئات القضائية من بين أقدم سبعة نواب لكل جهة.
ومن ثم، تحولت قاعدة الأقدمية من ضمانة مهنية ملزمة إلى مجرد قائمة ترشيح واسعة، يدخل منها الرئيس ليختار، ويتجاوز، ويعيد ترتيب هرم القضاء وفق ميزان السلطة لا وفق العرف القضائي التاريخي.
غير أن السلطة تقدم المشهد باعتباره تجديدًا للقيادات القضائية، بينما جوهره السياسي أوضح من الخطاب الرسمي، إذ يعيد تثبيت حق الرئيس في انتقاء رأس كل هيئة، ثم يطلب من الناس تصديق استقلالها.
علاوة على ذلك، فإن أداء اليمين أمام السيسي يمنح الصورة معناها الكامل، فالقاضي الذي سيحمي الحقوق والحريات يبدأ ولايته من أمام رأس السلطة التي باتت تملك عمليًا مفاتيح الصعود إلى القمة.
بناءً على ذلك، يصبح انقلاب 2019 الدستوري حاضرًا في كل تعيين قضائي لاحق، لأن التعديل لم يكن نصًا عابرًا، بل هندسة دائمة لنقل استقلال القضاء من قاعدة المؤسسة إلى إرادة الرئيس.
في المقابل، لا تلغي خبرات الرؤساء الجدد خطورة الآلية التي جاءت بهم، فالمشكلة ليست في السيرة الذاتية للقاضي، بل في أن السلطة التنفيذية صارت طرفًا مقررًا في تشكيل قيادة السلطة القضائية.
كسر الأقدمية وتحويل القضاء إلى ساحة انتقاء
إلى جانب ذلك، كان العرف القضائي المستقر قبل 2017 يقوم على صعود أقدم نائب إلى رئاسة الجهة أو الهيئة، وهو عرف صنع حاجزًا عمليًا ضد المزاج السياسي، وحمى المساواة داخل السلك القضائي.
لزيادة الإحكام، جاء القانون رقم 13 لسنة 2017 ليفتح الباب أمام اختيار الرئيس من بين مرشحين، ثم جاءت تعديلات 2019 لتمنح هذا المسار غطاءً دستوريًا، وتجعله قاعدة فوق الاعتراض.
وبعبارة أخرى، بدأت السيطرة بتشريع صادم، ثم ترسخت بدستور معدل، ثم ظهرت نتائجها في تعيينات متتالية، فصار كل يوليو قضائي اختبارًا جديدًا لمدى خضوع المنصة للقرار السياسي.
كذلك، رأى الباحث القانوني يوسف عوف أن قانون 2017 منح الرئيس سلطة تقديرية بلا مراجعة في اختيار رؤساء الهيئات، وألغى معيار الأقدمية المحايد الذي ظل قائمًا عقودًا داخل القضاء المصري.
وعليه، لم يكن الخلاف فنيًا بين طرق اختيار متقاربة، بل صراعًا على آخر ضمانات الاستقلال الداخلي، لأن الأقدمية كانت تمنع الرئيس من مكافأة القاضي المرضي عنه أو معاقبة القاضي المستقل.
ثم إن تجربة يحيى الدكروري كشفت الرسالة مبكرًا، بعدما تم تجاوزه رغم مكانته وأقدميته وموقفه القضائي في قضية تيران وصنافير، فأصبحت القاعدة الجديدة عنوانًا لاستبعاد الصوت القضائي غير المضمون.
وفوق ذلك، نبّه المستشار أحمد مكي، وزير العدل الأسبق، إلى أن قانون اختيار رؤساء الهيئات مخالف للدستور وبداية للبطش بالحريات، وهي قراءة تكشف أن المسألة تتجاوز القضاء إلى المجال العام كله.
لذلك، يتحول القاضي الطامح إلى موقع قيادي أمام معادلة مدمرة، إما أن يظل وفيًا لتقاليد المنصة، أو يقرأ إشارات السلطة، فيتآكل الاستقلال من الداخل قبل أن ينهار في النصوص.
انكماش العدالة وامتداد قبضة السلطة التنفيذية
مع ذلك، لا يقتصر الأثر على القضاة وحدهم، لأن المواطن الذي يدخل المحكمة يحتاج إلى سلطة قضائية مطمئنة لنفسها، لا مؤسسة تعلم أن قيادتها مرهونة بقرار سياسي من أعلى الهرم.
ومن زاوية أخرى، أوضح ناثان براون أن دور الرئيس في التعيين كان تاريخيًا أقرب إلى التصديق على قرار الهيئة القضائية، قبل أن يجمع قانون 2017 بين الأقدمية والاختيار الرئاسي في عملية رسمية.
هكذا، انتقل الرئيس من موقع المصدق الشكلي إلى موقع المنتقي الفعلي، وهي نقلة تكفي وحدها لتفسير لماذا اعتبر معارضون أن التعديل لا ينظم القضاء، بل يضعه تحت سقف الرئاسة.
كما حذرت اللجنة الدولية للحقوقيين من أن تعديلات 2019 منحت سلطات قانون 2017 وضعًا دستوريًا، وأعطت الرئيس نفوذًا واسعًا على تعيين قيادات القضاء، بما يهدد شروط المحاكمة العادلة.
وعند هذه النقطة، تصبح العدالة نفسها رهينة هندسة سياسية باردة، لأن السلطة التي توسع يدها في التعيين لا تترك الانطباع العام محايدًا، بل ترسل للقضاة والمتقاضين رسالة قوة لا رسالة قانون.
فضلاً عن ذلك، فإن تكرار التعيينات وفق الآلية نفسها يجعل الاستثناء قاعدة، ويحوّل ما بدأ كخلاف تشريعي عام 2017 إلى بنية حكم راسخة بعد 2019، تتحرك تلقائيًا مع كل منصب شاغر.
في المحصلة، تعيين رؤساء الهيئات القضائية الجدد ليس خبرًا بروتوكوليًا، بل فصل جديد من انقلاب دستوري بدأ بتقويض الأقدمية، ثم اكتمل بتعديل 2019، واليوم يواصل ابتلاع استقلال المنصة باسم الدولة.

