كشفت القيادة العامة لقوات خليفة حفتر في بنغازي، استقبال رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، بحضور رئيس الجهاز الوطني للتنمية جبريل البدري، لبحث فرص الاستثمار ومشاركة شركة أوراسكوم للاستثمار القابضة في مشاريع الإعمار والتنمية داخل ليبيا، بما يضع رأس المال المصري في قلب ملف اقتصادي شديد الحساسية.
وجاء اللقاء داخل مقر قيادة عسكرية تسيطر على شرق ليبيا، لا داخل مؤسسة مدنية جامعة، في وقت يتحرك فيه ساويرس أيضا نحو دمشق بلقاء أحمد الشرع، بما يكشف مسارا أوسع يستخدم فيه النظام المصري رجال الأعمال كواجهة لعبور أسواق الإعمار بعد الحروب والانقسامات.
بنغازي تمنح ساويرس بوابة مباشرة إلى اقتصاد حفتر
بدأت دلالة لقاء بنغازي من مكانه قبل مضمونه، إذ استقبل حفتر ساويرس في مقر القيادة العامة بمدينة بنغازي، بينما حضر جبريل البدري ممثلا للجهاز الوطني للتنمية، وهو الجهاز الذي يتحرك في مناطق سيطرة الشرق بوصفه واجهة لإدارة مشاريع الإعمار والتنمية.
وبذلك لم يظهر الاجتماع كجلسة استثمار عادية بين شركة خاصة وجهة تنفيذية، لأن الطرف الليبي الذي استقبل ساويرس يمثل مركز قوة عسكرية وسياسية، بينما تبحث أوراسكوم فرصا داخل بلد منقسم لم يحسم بعد سؤال الشرعية الموحدة ولا آليات الرقابة على العقود العامة.
كما ركز بيان القيادة العامة على دور أوراسكوم للاستثمار القابضة في المساهمة بمشاريع الإعمار والتنمية التي تشهدها المدن والمناطق الليبية، غير أن الصياغة الرسمية تجاهلت سؤالا أساسيا عن نطاق هذه المشاريع، ومن يملك اعتمادها، ومن يراقب التمويل والتنفيذ والتوزيع.
وفي هذا السياق، تخدم قراءة الباحث طارق المجريسي محور بنغازي بوضوح، إذ يرى أن أزمة ليبيا لا تنفصل عن تنازع مراكز القوة على مؤسسات الدولة والموارد، ولذلك يتحول الاستثمار في شرق البلاد إلى جزء من هندسة السلطة لا مجرد تعاقد اقتصادي مستقل.
لذلك يطرح استقبال ساويرس سؤالا سياسيا قبل السؤال المالي، لأن حفتر يسعى إلى تحويل السيطرة العسكرية إلى شرعية تنموية، بينما يمنح دخول رجل أعمال مصري بارز هذا المسار غطاء إقليميا، خصوصا مع استمرار علاقة القاهرة الوثيقة بمعسكر الشرق منذ سنوات الصراع.
زيارة الشرع تكشف خريطة إعمار متوازية لا تحركا منفردا
بعد محطة بنغازي، ظهر ساويرس في دمشق حيث استقبله أحمد الشرع في قصر الشعب، ضمن لقاءات تستهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري، وهو ما يجعل التحرك السوري امتدادا زمنيا وسياسيا لتحرك ليبيا، لا مجرد زيارة منفصلة لرجل أعمال يبحث عن فرصة عابرة.
وفي اليوم ذاته، عقد الشرع لقاءات مع مسؤولين من هولندا بينهم وزير الخارجية توماس برندسن ونائب رئيس الوزراء ووزير اللجوء والهجرة جيسبيرتوس فان دن برنك، بحضور وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني، بما يضع زيارة ساويرس داخل مسار رسمي لتسويق بيئة الاستثمار السورية.
غير أن الربط بين بنغازي ودمشق يظل هو الأهم، لأن ساويرس تحرك خلال فترة قصيرة بين ملفي إعمار خرجا من الحرب والانقسام، وفي الحالتين يحضر رجل الأعمال المصري قبل وضوح الضمانات السياسية والرقابية، بينما تظل الشعوب صاحبة الكلفة خارج مركز القرار.
كذلك سبق للشرع أن التقى رجل الأعمال المصري حسن علام في مايو الماضي، لبحث فرص التعاون في مجالات التطوير العقاري والبنية التحتية، ما يؤكد أن دمشق لا تستقبل ساويرس وحده، بل تفتح بابا متدرجا أمام رجال أعمال مصريين في سوق إعادة الإعمار.
وتدعم قراءة الباحث جلال حرشاوي هذا الربط، إذ يتعامل مع الإعمار في البيئات المنقسمة باعتباره أداة لبناء النفوذ قبل كونه خدمة عامة، ولذلك يصبح حضور الشركات الإقليمية في ليبيا وسوريا مؤشرا على إعادة توزيع مكاسب ما بعد الحرب بين السلطة والمال.
ومن هنا، لا تبدو زيارة الشرع هامشا في قصة ليبيا، بل تبدو شاهدا على نمط متكرر، حيث يتحرك رأس المال المصري بين مراكز حكم تبحث عن الاعتراف والتمويل، بينما تستخدم القاهرة رجال أعمالها كأذرع مرنة لا تحتاج إلى إعلان سياسي مباشر أو مساءلة برلمانية واضحة.
الإعمار الليبي بين غطاء التنمية وحسابات القاهرة
في ليبيا، تبدو عبارة دعم التنمية والاقتصاد الوطني واسعة أكثر مما ينبغي، لأن الإعمار الحقيقي يحتاج إلى كشف العقود وتحديد الشركات المنفذة وتوضيح التمويل والجدول الزمني، خاصة في بلد عانى من الحروب والكوارث والانقسام المؤسسي وتعدد الجهات التي تتحدث باسم الدولة.
وعلى مستوى الغطاء المؤسسي، بحث رئيس اتحاد غرف التجارة السورية علاء العلي مع القائم بأعمال سفارة مصر في دمشق محمد عمر عبد العزيز الفقي فرص توسيع التعاون الاستثماري وتفعيل مذكرات التفاهم، وهي خطوة تعزز صورة التحرك المصري المنظم في أكثر من ساحة إعمار.
لكن هذا الغطاء السوري ينعكس مباشرة على ليبيا، لأنه يكشف أن القاهرة لا تتحرك عبر سياسة معلنة واحدة، بل عبر شبكة رجال أعمال ومؤسسات تجارية ودبلوماسية، تمتد من دمشق إلى بنغازي، وتستهدف قطاعات البنية التحتية والإسكان والتنمية بعد سنوات من الانهيار.
وبحسب الباحث ولفرام لاخر، فإن الاقتصاد السياسي في ليبيا يقوم على تداخل شبكات القوة والمؤسسات المنقسمة والموارد، ولذلك لا يمكن التعامل مع عقود الإعمار في مناطق النفوذ العسكري كملف فني فقط، لأنها تمنح شرعية ومداخيل وتأثيرا لمن يسيطر على الأرض.
لذلك تصبح أوراسكوم في هذا المشهد أكثر من شركة تبحث عن استثمار، فهي تدخل مساحة يختلط فيها الإعمار بالشرعية والسيطرة، بينما يظهر حفتر كطرف يريد تثبيت صورته كحاكم قادر على جلب الشركات وتنفيذ المشاريع، رغم غياب الإجماع الوطني حول سلطته.
وفي المقابل، تستفيد حكومة السيسي من إبقاء حضورها في ليبيا عبر رجال الأعمال، لأن هذا المسار يمنحها نفوذا اقتصاديا من دون كلفة سياسية معلنة، بينما يظل المصريون والليبيون معا بلا إجابة واضحة عن العائد الحقيقي، وحجم العقود، وضمانات الشفافية والمحاسبة.
وعليه، يكشف خط ساويرس بين حفتر والشرع أن إعادة الإعمار لم تعد ملفا إنسانيا أو اقتصاديا فقط، بل صارت سوقا إقليمية للنفوذ، تدخلها الشركات من أبواب السلطة، وتخرج منها المجتمعات غالبا بوعود التنمية، لا بحقها الكامل في معرفة من يربح ومن يدفع.
في النهاية، لا يمكن قراءة لقاء بنغازي بمعزل عن دمشق، لأن الرجل نفسه يتحرك بين سلطتين تبحثان عن الاستثمار والاعتراف، ولأن القاهرة تبدو حاضرة خلف المشهد عبر رجال أعمالها، بينما يبقى إعمار ليبيا مهددا بالتحول إلى صفقة نفوذ جديدة فوق أنقاض دولة لم تستعد وحدتها.

