كشفت حصيلة 13 عاما بعد 30 يونيو 2013 في مصر عن قفزة الديون الخارجية من نحو 46.5 مليار دولار إلى أكثر من 160 مليار دولار، مع إغلاق سياسي واسع ونتيجة اقتصادية خانقة.
وبالتالي، لم يربح المصريون من تلك اللحظة سوى دولة أشد خوفا وأثقل دينا، بينما جرى بيع الوهم باسم الإنقاذ، ثم دفع الناس الفاتورة من جيوبهم وحرياتهم ومستقبل أولادهم.
أوهام الإنقاذ وحقيقة الانقلاب
كما أن سؤال ماذا استفاد المصريون من 30 يونيو لا يحتمل خطابا احتفاليا، لأن الواقع يجيب بالأرقام لا بالشعارات، فلا الديمقراطية بقيت، ولا الاقتصاد استقر، ولا الدولة صارت أكثر رحمة.
لذلك، كانت أخطر خدعة في تلك اللحظة تصوير التنافس السياسي الحاد كأنه حرب أهلية قادمة، رغم أن الانتخابات والتحالفات والمظاهرات والإعلام الصاخب أدوات طبيعية في كل انتقال ديمقراطي.
ومن ثم، نجحت الدولة العميقة في تحويل خوف الناس إلى تفويض للجيش، مستغلة ضعف التجربة المدنية وقلة خبرة المجتمع بالسياسة الحرة بعد عقود طويلة من حكم الفرد والأجهزة.
غير أن السنوات التالية كشفت أن الهدف لم يكن منع الفوضى، بل دفن المسار الديمقراطي الوليد، وإعادة السلطة إلى قبضة عسكرية لا تسمح بتداول حقيقي ولا معارضة مؤثرة.
علاوة على ذلك، يرى الباحث خليل العناني أن ما جرى في 2013 لم يكن تصحيحا ديمقراطيا، بل لحظة مهدت لعودة السلطوية واستعادة الدولة القديمة أدواتها بأشكال أكثر قسوة.
بناء على ذلك، يصبح تبرير 30 يونيو باعتبارها امتدادا ليناير تزويرا سياسيا، لأن يناير فتحت باب الحرية، بينما أغلقت يونيو الباب نفسه بالدبابات والقوانين والسجون والإعلام الواحد.
ديون تكبل الأجيال لا إنجاز ينقذها
في المقابل، قفز الدين الخارجي المصري من 46.5 مليار دولار في 2013 إلى 168.06 مليار دولار في 2023، وفق بيانات البنك الدولي، بما جعل الديون عنوانا مركزيا للحصاد.
لزيادة الوضوح، لا تمثل هذه الأرقام خلافا محاسبيا بين خبراء، بل تعني أن أجيالا لم تشارك في القرار ستولد وهي مثقلة بفواتير قروض لا تعرف أين أنفقت ولماذا تراكمت.
وعليه، فإن طفل مصر الجديد لا يولد فقط داخل أزمة معيشة، بل داخل دولة رهنت جزءا من مستقبله لسداد ديون وفوائد وتمويل مشروعات لم يستشره أحد في أولوياتها.
كذلك، انهار الجنيه من نحو 7 جنيهات للدولار قبل الانقلاب إلى عشرات الجنيهات لاحقا، وتآكلت دخول الأسر، وتحولت وعود الاستقرار إلى طوابير غلاء وخوف من كل تعويم جديد.
ومن ناحية أخرى، يصف يزيد صايغ نظام السيسي بأنه شكل من رأسمالية الدولة والسلطة الرئاسية المفرطة داخل وصاية عسكرية، وهي صيغة تحمي النظام ولا تحل أزماته الاقتصادية والاجتماعية.
ثم إن بيع الأصول وفتح الباب أمام صفقات خليجية لم يكن علامة قوة، بل دليلا على مأزق مالي عميق، حين تضطر الدولة إلى بيع ما تملك لتدبير أقساط ما اقترضت.
هكذا، لم تتحول المليارات إلى تنمية عادلة، بل إلى مشروعات استعراضية وطرق وعاصمة جديدة، بينما بقيت الصحة والتعليم والصناعة والزراعة خارج صدارة الأولويات التي يحتاجها المواطن فعلا.
سجون وصوت واحد وبرلمان بلا أنياب
فضلا عن ذلك، دفعت السياسة المصرية ثمنا أفدح من المال، إذ تم وأد تجربة انتخابية وليدة كان يمكن أن تصحح نفسها عبر صناديق الاقتراع لا عبر البيانات العسكرية.
إضافة إلى ذلك، لم يعد السجن بعد 2013 محصورا على تيار واحد، بل امتد إلى ليبراليين ويساريين وصحفيين ونشطاء، في رسالة قاسية بأن النظام يعاقب كل استقلال لا كل خصم.
في هذا السياق، يقول ستيفن كوك إن السيسي وصل إلى السلطة عبر انقلاب في 2013، واعدا بالاستقرار والازدهار والديمقراطية، لكن المصريين لم ينالوا أيا من هذه الوعود.
ومن هنا، تظهر مفارقة يونيو القاتلة؛ خرج البعض خوفا من استبداد متخيل، فوجدوا أنفسهم أمام استبداد مكتمل، يحبس المنافسين، ويهندس الانتخابات، ويحول البرلمان إلى ختم موافقة.
بالمقابل، صار الإعلام الذي عرف بعد يناير سقفا واسعا تحت قبضة الصوت الواحد، وتراجعت مصر إلى ترتيب شديد التدهور في مؤشرات حرية الصحافة، مع حبس صحفيين وإغلاق المجال العام.
فيما بعد، لم تعد المحاكمات الاستثنائية والأحكام الجماعية مجرد أخبار عابرة، بل جزءا من بنية حكم تستخدم القانون لتأديب المجتمع، وتمنح الخوف غطاء رسميا باسم الأمن والاستقرار.
لذلك، فإن نكبة يونيو السياسية لم تسلب المصريين رئيسا منتخبا فقط، بل سلبتهم حق الخطأ والتصحيح، وحق التجربة والتغيير، وحق محاسبة السلطة دون تهديد بالسجن أو التشويه.
من يناير إلى الخوف الطويل
كما أن أثر 30 يونيو تجاوز مصر إلى المنطقة، إذ أرسل رسالة قاتلة لكل شعوب الربيع العربي بأن صناديق الاقتراع يمكن إسقاطها إذا أقلقت العواصم القديمة والثورات المضادة.
ومع ذلك، لم تنجح الدعاية القديمة في الاحتفاظ بكل جمهورها، فقد اعتذر كثيرون أو صمتوا أو راجعوا مواقفهم، بعدما رأوا حصاد السجون والديون والبيع والخوف بأعينهم.
في حين يواصل آخرون المكابرة السياسية، لا دفاعا عن حقيقة مقنعة، بل هربا من الاعتراف بأنهم ساهموا في فتح الباب أمام نظام التهم الجميع بعد أن استخدمهم.
بالإضافة إلى ذلك، يحاول النظام إحياء فزاعات 2013 كلما ضاقت أزماته، فيستدعي خطاب التخوين والأخونة والخطر الوجودي، ليخفي سؤالا بسيطا: أين وعود الخبز والحرية والاستقرار.
هكذا، تبدو الإجابة على سؤال ماذا جنى المصريون من 30 يونيو قاسية وواضحة: ديون أثقل، حريات أقل، سياسة مغلقة، إعلام مطيع، أصول تباع، وخوف يتوارثه الناس مع الغلاء.
وختاما، لم تكن 30 يونيو علاجا لأزمة ديمقراطية، بل إجهاضا لتجربة كان يمكن إصلاحها، أما فاتورتها فتدفعها مصر اليوم من حاضرها، وستدفعها أجيال مقبلة من مستقبلها.

