أسقطت جمعية نادي قضاة مصر، بمشاركة 7260 ناخباً في دار القضاء العالي، رهان السلطة داخل انتخابات التجديد الكلي يوم 26 يونيو 2026، بعدما فاز محمد رفعت جبر بالرئاسة وسقط ربيع قاسم بفارق حاسم.
وبينما أرادت السلطة تحويل النقابات المهنية إلى ساحات صامتة للخدمات والولاء، أعاد القضاة تذكيرها بأن صناديق مغلقة نسبياً تكشف غضباً مكتوماً، وأن المهنيين حين يُتركون وحدهم يعاقبون من صادر كرامتهم.
مع ذلك، لا يمكن قراءة النتيجة كمعركة داخلية على مقعد إداري فقط، لأن نادي القضاة يحمل تاريخاً ثقيلاً في صراع الاستقلال، ويقع رمزياً بجوار دار القضاء العالي ونقابتي الصحفيين والمحامين.
في المقابل، حصد محمد رفعت جبر 4111 صوتاً، مقابل 2796 صوتاً لربيع قاسم، و149 صوتاً لمحمد الذهبي، بينما رفضت اللجنة العامة المشرفة الطعون، وأعلنت اعتماد النتيجة النهائية وتشكيل المجلس الجديد.
غير أن دلالة السقوط لا تقف عند رقم الفارق البالغ 1315 صوتاً، بل تمتد إلى هزيمة خطاب السلطة الناعم الذي يختزل الكيانات المهنية في رحلات ومصايف وخدمات، بعيداً عن معنى الاستقلال.
سقوط المرشح المحسوب على دوائر الحكم
لذلك، بدا ربيع قاسم داخل المعركة مرشحاً قريباً من بنية الدولة، فهو مساعد وزير العدل لشؤون أبنية المحاكم والشهر العقاري منذ 2020، وحظيت حملته بتغطية إعلامية مبكرة أثارت أسئلة داخل الوسط القضائي.
ومن ثم، لم تكن المنافسة بين اسمين متقاربين، بل بين تصورين للنادي: تصور يريد بيت القضاة منصة دفاع عن استقلال السلطة القضائية، وتصور آخر يهبط بالنادي إلى إدارة خدمات ومزايا اجتماعية منضبطة سياسياً.
وعليه، جاءت هزيمة قاسم لتقول إن الخطاب الخدمي وحده لم يعد كافياً لإخماد سؤال الاستقلال، خصوصاً داخل كيان ولد تاريخياً من رحم المطالبة بضمانات القضاء ضد تغول السلطة التنفيذية داخل الدولة.
كذلك، رأى المستشار محمد ناجي دربالة، نائب رئيس محكمة النقض الأسبق، أن النادي لم ينشأ كمؤسسة رحلات وخدمات فقط، بل كضمير مهني وحارس لاستقلال القضاء وضماناته الدستورية أمام المجتمع والسلطة.
فضلاً عن ذلك، يؤكد مسار النادي أن لحظات قوته ارتبطت غالباً بقدرته على الاشتباك مع قضايا العدالة، لا بإدارته لملفات الرفاه، وهو ما جعل انتخابات 2026 اختباراً لهويته لا لإدارته.
وبحسب النتائج المعلنة، ضم المجلس الجديد مع الرئيس محمد رفعت جبر كلاً من جابر خليل، وشادي خليفة، وطارق أبو زيد، وحازم رسمي، وأحمد عبد الراضي ثابت، ومحمد عبد الهادي ضمن التشكيل.
إضافة إلى ذلك، فاز محمود زيدان، وأحمد الحفني غانم، وإسلام تمراز، وطاهر أبو زيد، ومحمد عطية عن مقاعد القضاة ورؤساء المحاكم، وفاز محمد هاني عبد الجابر، ومحمد أبو الدهب الزارع، وعمرو نبيه، وأحمد الطنطاوي بمقاعد النيابة.
ومع ذلك، أوردت تغطيات أخرى أسماء إضافية داخل فئات المجلس، بينها عبد الرحمن الشهاوي، وأحمد الباني، وأسامة عباس، وهو ما يفرض على المحرر الاعتماد النهائي على بيان اللجنة أو جدولها الكامل عند النشر الورقي.
عدوى الاستقلال من الصحفيين إلى المهندسين
في السياق نفسه، لم يأت مشهد نادي القضاة وحيداً، فقد سبقه في نقابة الصحفيين فوز خالد البلشي في 2023 على خالد ميري، رئيس تحرير صحيفة الأخبار الحكومية، ثم احتفاظه بالمنصب في 2025.
حينذاك، حصل البلشي في 2023 على 2450 صوتاً مقابل 2211 لميري، بينما فاز في 2025 مجدداً بـ3346 صوتاً مقابل 2562 لعبد المحسن سلامة، رئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الحكومية السابق.
بالموازاة، شهدت نقابة المهندسين في 2026 مشهداً قريباً، بعدما فاز محمد عبد الغني عبد المطلب بمنصب النقيب العام، وحصل على 10505 أصوات في الإعادة، متقدماً على هاني ضاحي المحسوب على التيار الحكومي.
ثم إن هذه الوقائع لا تصنع ديمقراطية كاملة، لكنها تكشف شقوقاً داخل جدار السيطرة، حيث يظل الناخب المهني قادراً على استخدام الورقة السرية لمعاقبة مرشح السلطة حين تتوفر مساحة محدودة للحركة.
ومن ناحية أخرى، قرأ يحيى قلاش، نقيب الصحفيين الأسبق، فوز البلشي باعتباره بوصلة لمزاج عام يريد التغيير، ويرى أن النقابة تحاول استعادة دورها بعد سنوات من الركام السياسي والمهني الثقيلة.
بناءً على ذلك، تبدو النقابات المهنية كمساحات اختبار شديدة الحساسية، لأن السلطة تستطيع تطويق المجال العام، لكنها لا تضمن دائماً ولاء جمعيات عمومية تعرف مصالحها، وتدرك معنى الإهانة حين تُعامل ككتلة تابعة.
وعلاوة على ذلك، يحذر المستشار محمد سليمان، رئيس محكمة الاستئناف السابق، من أن قوة نادي القضاة تظهر عندما يكون له قول مسموع لدى السلطة والرأي العام في الدفاع عن سيادة القانون.
الطعون وحدود النصر النقابي
رغم ذلك، لا ينبغي تضخيم النتيجة خارج حدودها، لأن الطعون رُفضت من اللجنة المشرفة، والانتخابات جرت داخل إطار رسمي مضبوط، ولم تتحول إلى مواجهة مفتوحة مع السلطة أو خطاب سياسي معلن.
إلا أن رفض الطعون لا يمحو الأسئلة السابقة على الاقتراع، بدءاً من وقف إجراءات انتخابات ديسمبر 2025 بسبب عوار تنظيمي، وصولاً إلى إعادة تنظيم العملية بعد 6 أشهر من التجمد القضائي والإداري.
في الوقت نفسه، تكشف الأرقام أن المشاركة لم تكن هامشية، فحضور 7260 عضواً من جمعية عمومية تتجاوز 16000 عضو يمنح النتيجة ثقلاً سياسياً ومهنياً، حتى لو بقيت داخل حدود النادي.
لهذا، تبدو الهزيمة أكثر إيلاماً للسلطة من مجرد خسارة منصب، لأنها جاءت في مؤسسة قضائية لا تستطيع المعارضة الحزبية مخاطبتها بسهولة، ولا يمكن اتهام ناخبيها بالخفة أو الانفعال أو العشوائية.
أخيراً، تعيد هذه النتيجة السؤال الأخطر إلى واجهة مصر: ماذا يحدث لو تُركت الجمعيات العمومية تختار بلا وصاية أمنية أو حشد إداري، وهل تستطيع السلطة احتمال صندوق لا يعرف غير الحساب الصامت.

