عدلت حكومة الانقلاب رسوم صادرات الأسمدة الأزوتية في مصر إلى 10% من قيمة الشحنة بدلًا من 90 دولارًا للطن، وألغت مدة الثلاثة أشهر، لتصبح الرسوم مفتوحة زمنيًا حتى قرار جديد.

 

وبذلك، تحولت الواقعة من تعديل مالي محدود إلى مؤشر سياسي واقتصادي أوسع، يكشف إدارة حكومية مرتبكة تلاحق الأسعار بعد انفلاتها، وتحمّل الصناعة والفلاح كلفة غياب التخطيط وعدالة توزيع الطاقة.

 

كما أن القرار الجديد لا يعالج أصل الأزمة، لكنه يغير شكل العبء فقط، فالرسم الثابت تراجع أمام الأسعار العالمية المنخفضة، بينما بقي منطق الجباية حاضرًا فوق قطاع حساس يمس الغذاء والزراعة.

 

غير أن حذف السقف الزمني يثير سؤالًا أخطر من نسبة الرسم نفسها، لأن الحكومة أبقت يدها ممتدة على الصادرات بلا موعد مراجعة معلن، وكأن السوق يدار بالتجربة لا بالسياسة الواضحة.

 

رسوم مفتوحة وسوق محلية تحت الضغط

 

لذلك، جاء القرار بعد تجربة قصيرة فرضت فيها وزارة الاستثمار رسمًا قدره 90 دولارًا للطن في مايو الماضي لمدة 3 أشهر، حين كانت الأسعار العالمية مرتفعة ومكاسب التصدير أكبر من البيع المحلي.

 

ومن ثم، بدا الرسم القديم أداة عقابية لا سياسة صناعية، إذ حاولت الحكومة كبح اندفاع المصدرين نحو الخارج، بدلًا من بناء منظومة توازن عادلة بين احتياجات الفلاحين ومصالح المصانع.

 

علاوة على ذلك، قال مصدر بوزارة الاستثمار إن الوزارة تستهدف خفض قيمة الرسوم إلى أقل من النصف، بعدما أصبح الرسم الجديد يعادل نحو 40 دولارًا للطن عند سعر عالمي يقارب 400 دولار.

 

بناءً على ذلك، تعترف الحكومة ضمنيًا بأن قرار مايو كان أثقل من قدرة السوق بعد هبوط الأسعار، لكنها لا تعترف بأن القرارات المؤقتة والمتأخرة تصنع فوضى تكلفة تمتد من المصنع إلى الحقل.

 

في المقابل، يرى المصدر الحكومي أن الرسوم المفتوحة تحافظ على المعروض المحلي، لأن عوائد التصدير لن تظل أعلى كثيرًا من البيع الداخلي، وهي حجة تكشف خوف الدولة من عجز صنعته بسياساتها.

 

لكن هذا المنطق يتجاهل أن استقرار السوق لا يصنعه رسم صادر وحده، بل تصنعه طاقة مستقرة وتسعير عادل وشفافية في التوزيع ورقابة تمنع احتكار المنتج أو تهريبه أو تعطيله.

 

الصناعة تدفع ثمن الطاقة والقرار المتأرجح

 

وفي هذا السياق، قال خالد أبو المكارم رئيس المجلس التصديري للصناعات الكيماوية والأسمدة إن القرار يبدو جيدًا ظاهريًا، لكن الحكم عليه يرتبط بحركة الأسعار العالمية وتكلفة الإنتاج والطلب الخارجي.

 

كذلك، شدد أبو المكارم على ضرورة تقييم الأثر دوريًا بالتنسيق مع القطاع الصناعي، حتى لا يتحول القرار إلى عبء جديد يضعف قدرة الصادرات المصرية على المنافسة في الأسواق الخارجية.

 

وبعبارة أوضح، لا يرفض القطاع الصناعي المراجعة، لكنه يرفض أن يصبح كل هبوط أو صعود عالمي ذريعة لقرار مفاجئ يربك العقود والتسعير وخطط التصدير وعلاقات العملاء خارج مصر.

 

في حين، قال طارق زغلول نائب رئيس المجلس التصديري إن ربط الرسوم بنسبة من قيمة الشحنة أكثر مرونة من الرسم الثابت، لأنه يتحرك مع السعر العالمي بدلًا من تثبيت عبء واحد.

 

غير أن زغلول أكد أن رسم الصادر، سواء كان ثابتًا أو نسبيًا، يظل عاملًا يرفع تكلفة التصدير ويؤثر في تنافسية المنتج المصري، خصوصًا أن السوق المحلية لا تستوعب كامل كميات التصدير.

 

ومن هنا، يصبح الحديث عن حماية السوق المحلي ناقصًا، لأن منع الصناعة من التنفس خارجيًا لن يخفض الأسعار طويلًا، إذا بقي الغاز مرتفعًا والإنتاج مكلفًا والسياسة الحكومية متغيرة بلا قواعد مستقرة.

 

فضلًا عن ذلك، ربط زغلول علاج الأزمة بسياسات الطاقة وتسعير الغاز الطبيعي، باعتباره المكون الرئيسي في إنتاج الأسمدة، معتبرًا أن ربط الغاز بالمنتج النهائي قد يكون أكثر فاعلية من الرسوم.

 

ولهذا، تبدو الأزمة أعمق من قرار تصدير، فالحكومة رفعت أسعار الغاز لمصانع الأسمدة إلى 8.5 دولار للمليون وحدة حرارية، ثم عادت تفرض رسومًا لترويض آثار سياساتها على السوق.

 

الفلاح الحلقة الأضعف بين التصدير والجباية

 

في النهاية، يدفع الفلاح ثمن المعادلة المقلوبة، إذ ارتفعت أسعار الأسمدة خلال أبريل إلى ما بين 23 و34 ألف جنيه للطن، قبل أن تتراجع بنحو 10 آلاف جنيه بعد الرسوم وهبوط الأسعار العالمية.

 

ومع ذلك، لا يعني التراجع الأخير أن الأزمة انتهت، لأن السعر المحلي ما زال رهين قرارات الطاقة والتصدير والرقابة، بينما يقف المزارع بلا حماية حقيقية أمام موجات الغلاء ونقص المعروض.

 

ومن ناحية أخرى، تستثني الحكومة صادرات نترات الأمونيوم النقية التي يتجاوز تركيز النيتروجين فيها 34.2%، كما تستثني الشحنات المتجهة إلى مشروعات المناطق الحرة ضمن كميات توافق عليها هيئة الاستثمار.

 

إلا أن هذه الاستثناءات تفتح بابًا جديدًا للتساؤل عن العدالة والرقابة، لأن أي سياسة تحمل استثناءات تحتاج شفافية معلنة، حتى لا تتحول إلى ممر جانبي لمصالح أقوى من الفلاح والمستهلك.

 

كذلك، تكشف الواقعة أن الحكومة تعامل الغذاء كملف إيرادات لا كأمن قومي، فتترك الطاقة تشتعل، ثم تلاحق التصدير برسوم، ثم تبرر كل ذلك باسم حماية السوق المحلية.

 

وبالمقابل، كان المطلوب سياسة معلنة تربط إنتاج الأسمدة باحتياجات الزراعة أولًا، وتحدد فائضًا قابلًا للتصدير ثانيًا، وتراجع تكلفة الغاز ثالثًا، بدلًا من تدوير الأزمة بين المصنع والمصدر والفلاح.

 

لذلك، يصبح رأي زغلول بشأن الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء طرحًا استراتيجيًا مهمًا، لكنه سيظل بعيدًا عن التطبيق إذا بقيت الدولة تفضل القرارات الجبائية السريعة على الاستثمار الصناعي الطويل.

 

وعليه، لا يمكن قراءة القرار كخفض رسوم فقط، بل كاعتراف بأن الدولة بالغت في الرسم السابق، ثم استبدلته برسم مفتوح، وتركت جذور الأزمة معلقة بين الغاز والتصدير وغياب الشفافية.

 

ختامًا، تبدو الحكومة كمن يطفئ حريقًا صنعته بيديه، فكلما ارتفعت الأسعار عاقبت التصدير، وكلما هبطت الأسعار عدلت الرسوم، بينما يبقى الفلاح والصناعة رهائن لسياسات متأخرة ومتناقضة.