لم تكن أزمة التلفيات التي أعقبت مباراة مصر ونيوزيلندا مجرد واقعة عابرة في منطقة مشجعين، ولا مجرد فيديو متداول أثار غضبًا مؤقتًا على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت سريعًا إلى مرآة كاشفة لأزمة أعمق تتعلق بعلاقة المواطن بالممتلكات العامة، وحدود الانتماء الحقيقي، ومسؤولية الدولة في إدارة الحشود وصناعة الوعي قبل صناعة المشروعات الضخمة.

 

فبعد فوز المنتخب المصري على نيوزيلندا، انتشرت مقاطع مصورة توثق حالة من الفوضى داخل منطقة المشجعين بالعاصمة الإدارية الجديدة، ظهرت خلالها تلفيات في بعض المرافق المخصصة للجماهير، وسط موجة واسعة من الغضب والجدل. وبين من حمّل الجماهير وحدها المسؤولية، ومن رأى أن الأزمة أكبر من مجرد أفراد تصرفوا بعشوائية، انفجر نقاش واسع حول معنى الانتماء، وحول الفجوة بين مشروعات ضخمة تُبنى على الأرض، وسلوك عام لا يزال يحتاج إلى بناء طويل داخل الإنسان.

 

انتماء في المدرجات أم وعي يحمي المال العام؟

 

علّق الدكتور مراد علي على المشهد بلهجة نقدية حادة، معتبرًا أن ما جرى يكشف ما وصفه بالانتماء “الوهمي” الذي تصنعه كرة القدم في لحظات الحماس. وأشار إلى أن جماهير استيقظت قبل الفجر، وذهبت إلى العاصمة الإدارية، وهتفت باسم مصر حتى بُحت أصواتها، ثم احتفلت بالفوز على نيوزيلندا بتصرفات انتهت إلى تلفيات وفوضى. وفي رأيه، فإن الانتماء الحقيقي لا يقاس بالصوت العالي في المدرجات، بل بالقدرة على حماية المكان واحترام المال العام.

 

 

أما الكاتب إسماعيل حسني فذهب إلى أبعد من ذلك، وكتب منشورًا شديد اللهجة رأى فيه أن ما حدث ليس مجرد شغب، بل سقوط أخلاقي واجتماعي يستحق الوقوف أمامه بجدية. وهاجم قرار فتح المونوريل مجانًا للجماهير، معتبرًا أن سوء الإدارة ساهم في فتح الباب أمام الفوضى، وأن الدولة التي تنفق المليارات على المشروعات كان يجب أن تضع في حساباتها إدارة الحشود وتأمين المنشآت وتحديد المسؤوليات قبل وبعد الفعاليات الجماهيرية.

 

كما ربط حسني بين الواقعة وبين أزمة أوسع تتعلق بفكرة التدين الشكلي مقابل غياب السلوك الأخلاقي في المجال العام، معتبرًا أن بناء المساجد والمنشآت لا يكفي إن لم يصاحبه بناء وعي حقيقي يحترم الشارع والمرفق والمال العام. ورغم قسوة لغته، فإن منشوره عبّر عن حالة غضب واسعة من مشهد بدا لكثيرين صادمًا، خاصة أنه جاء في لحظة فرح لا في لحظة غضب أو هزيمة.

 

 

من يدفع ثمن التخريب؟ المواطن الغائب عن المشهد

 

في زاوية أخرى من النقاش، طرح محمد سؤالًا مباشرًا عن حق المواطن العادي الذي لم يذهب إلى منطقة المشجعين ولم يستفد من المونوريل المجاني، لكنه يدفع الضرائب ويتحمل أعباء الاقتراض والمشروعات العامة. واعتبر أن التخريب لم يقع فقط على المكان، بل على حق كل مواطن شقيان يرى المال العام يُهدر أمام عينيه دون حساب واضح. السؤال هنا لم يكن فقط: من كسر؟ بل: من سيحاسَب؟ ومن سيعوّض المال العام؟ وهل ستتحول الواقعة إلى مجرد موجة غضب عابرة مثل غيرها؟

 

 

ومن جانب آخر، أشار حساب “وطن يغرد خارج السرب” إلى مفارقة لافتة، إذ بعد أحداث الفوضى والتخريب المتداولة، أعلنت إدارة منطقة المشجعين بالعاصمة الإدارية فتح الحجز لمباريات دور الـ32 في كأس العالم بسعر 300 جنيه للتذكرة. هذه المفارقة أثارت تساؤلات عن كيفية التعامل مع الواقعة: هل ستكون هناك مراجعة جدية لإجراءات التنظيم والتأمين؟ أم ستستمر الفعاليات وكأن شيئًا لم يحدث، مع الاكتفاء برفع الأسعار أو تقييد الدخول دون معالجة جوهرية للمشكلة؟
 

 

كما كتبت د. سلوى أن هناك ما وصفته بـ”طاعون المواطن العشوائي”، في إشارة إلى نمط متكرر من الاعتداء على المرافق العامة، من تخريب منطقة المشجعين إلى الكتابة على الجدران، والتبول على الأسوار، وقطع كراسي المواصلات، وقذف القطارات بالحجارة. ورأت أن الحل يبدأ من التعليم المبكر، وأن الأطفال يجب أن يتعلموا كيفية الحفاظ على الممتلكات العامة قبل أي شعارات كبرى عن الانتماء والوطنية.

 

 

بين مسؤولية الجمهور وغياب الردع وإخراج الناس من معادلة التطوير

 

أبو مازن رأى أن تكرار حوادث التعدي على الممتلكات العامة، سواء في منطقة المشجعين أو في المستشفيات أو غيرها، يكشف ضعف دور الدولة في الرقابة والردع. واعتبر أن المجتمعات المتقدمة لا تعتمد فقط على وعي الناس الذاتي، بل على قانون واضح يطبق على الجميع دون استثناء. فغياب المحاسبة، وفق هذا الطرح، يحول أي مساحة عامة إلى ساحة عشوائية، ويجعل التخريب سلوكًا قابلًا للتكرار كلما غابت الرقابة أو ضعفت العقوبة.

 

 

لكن رأيًا آخر حاول قراءة الأزمة من زاوية مختلفة، إذ كتب أحمد أن الهجوم على الجمهور وحده يتجاهل الطرف الأهم في المعادلة. فالمشكلة، من وجهة نظره، ليست فقط في من خرب أو كسر، بل في منظومة تعاملت مع الناس باعتبارهم عائقًا أمام التنمية لا جزءًا منها. وأشار إلى أن الدولة قد تبني أماكن “شكلها جميل”، لكنها لا تزرع لدى المواطن إحساسًا بأنها تخصه أو أنه شريك فيها، فتخرج النتيجة في صورة انفصال بين المشروع والناس.

 

 

هذا الرأي لا يبرر التخريب، لكنه يفتح بابًا مهمًا للنقاش: هل يكفي أن نبني عاصمة حديثة ومرافق ضخمة دون أن نمتلك خطة لبناء علاقة الناس بها؟ هل يشعر المواطن أن هذه الأماكن ملكه فعلًا، أم يراها واجهة بعيدة عنه، مصممة للاستعراض أكثر من الخدمة؟ وحين يغيب الإحساس بالملكية العامة، يصبح المرفق عند البعض مساحة مؤقتة للاستهلاك لا مسؤولية مشتركة للحماية.

 

في النهاية، تكشف واقعة “الفان زون” عن ثلاث أزمات متداخلة: جمهور يحتاج إلى وعي ومحاسبة، ودولة تحتاج إلى تنظيم وردع حقيقيين، ومشروع عام يحتاج إلى إدماج الناس لا الاكتفاء بإبهارهم. فالتشجيع لا يصنع وطنية وحده، والهتاف باسم مصر لا يعفي من احترام ممتلكاتها. والمال العام ليس مالًا بلا صاحب، بل هو حق ملايين المواطنين الذين يدفعون ثمن كل كرسي مكسور وكل مرفق يتعرض للتخريب.

 

ما حدث في العاصمة الإدارية يجب ألا يمر كمشهد عابر في موسم رياضي. المطلوب تحقيق واضح، ومحاسبة معلنة، وتعويض للتلفيات، ومراجعة لآليات دخول الجماهير وإدارة الفعاليات، وقبل ذلك كله مشروع طويل لبناء ثقافة عامة ترى في الشارع والمرفق والمقعد والقطار جزءًا من كرامة الناس لا شيئًا مباحًا للتعدي. فالأوطان لا تُقاس فقط بعدد الأبراج ولا بسعة الميادين، بل بقدرة الناس على احترام ما بُني باسمهم ومن أموالهم.