واصل موظفو وزارة الزراعة، اليوم، تجمرهم الذي بدأوه مطلع الأسبوع، أمام مبنى الإصلاح الزراعي بمقر الوزارة في الدقي، للمطالبة برواتب متأخرة منذ نحو 5 سنوات، وسط تقديرات برلمانية بوجود 35 ألف عامل متضرر، ونتيجة تركت آلاف الأسر بلا دخل ثابت.

 

وبينما ترفع الحكومة شعارات حماية الفلاح والإنتاج، تكشف الواقعة جهازًا إداريًا يعاقب عماله بالصمت والجوع، ويحوّل أحكام القضاء إلى أوراق معطلة، كأن حق الراتب منحة سياسية لا مقابل عمل منتظم.

 

 

وقفة الدقي تكشف سنوات الجوع

 

وبحسب العاملين المحتجين، فإنهم لم يتقاضوا مستحقاتهم المالية منذ ما يقرب من 5 سنوات، رغم استمرارهم في العمل داخل إدارات ومشروعات تابعة لوزارة الزراعة، بينها التقاوي والتغذية المدرسية والميكنة والتشجير.

 

كما أوضح الموظفون أن مطالبهم تتمثل في صرف المتأخرات المالية بحد أدنى يعادل 5 آلاف جنيه عن كل شهر عمل طوال تلك الفترة، بعدما تحولت سنوات الانتظار إلى ديون واحتياجات مؤجلة.

 

ولزيادة قسوة المشهد، جاء تجمعهم أمام المبنى القديم للوزارة لا طلبًا لامتياز، بل مطالبة براتب طبيعي، في بلد يستطيع المسؤول فيه قبض راتبه شهريًا، بينما يُترك العامل 50 شهرًا بلا مستحقات.

 

لذلك لم تكن الوقفة مجرد احتجاج عمالي محدود، بل فضيحة إدارية كاملة، لأن وزارة تترك موظفيها بلا أجر لسنوات تفقد حق الحديث عن الإنتاج أو العدالة أو احترام القانون.

 

ومن ثم، فإن الأزمة تجاوزت حدود تأخر مالي عارض، إذ يتحدث العمال عن ملف ممتد منذ بداية فترة التعاقد، وعن مخاطبات وشكاوى ومناشدات لا تنتهي دون قرار حاسم يصرف الحقوق.

 

غير أن أخطر ما في الواقعة أن كثيرين من هؤلاء حصلوا على أحكام قضائية بالتعيين وصرف المستحقات، لكن التنفيذ ظل عالقًا بين الزراعة والمالية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة.

 

 

أحكام قضائية بلا رواتب

 

وبحسب شهادات نشرتها المنصة ومدى مصر، عمل آلاف المتضررين بعقود مؤقتة لسنوات طويلة وبأجور رمزية، ثم حصلوا على أحكام قضائية بالتعيين عام 2021، غير أن الرواتب لم تصرف فعليًا.

 

علاوة على ذلك، لا يمر أسبوع تقريبًا إلا ويتقدم موظفون من إدارات التغذية المدرسية، وفحص واعتماد التقاوي، والميكنة الزراعية، والتشجير، بشكاوى جديدة إلى الحكومة، بينما يستمر الملف في دائرة التسويف.

 

بناءً على ذلك، يصبح تنفيذ الحكم نصف تنفيذ مشوهًا، فالوزارة تثبت العامل على الورق، ثم تتركه بلا راتب، وكأن التعيين مجرد قيد إداري لا يترتب عليه أجر أو حياة.

 

وفي شهادة كاشفة، تساءل علي محمد، الموظف بمديرية الزراعة في المنيا، عن قدرة أي موظف بالدولة على البقاء 4 سنوات بلا مرتب، قائلًا إن أحدًا لا يشعر بمعاناتهم.

 

كذلك روى طارق أحمد، العامل سابقًا في مصانع التغذية المدرسية بكوم أوشيم في الفيوم، أنه بدأ العمل منذ إنشاء المصانع عام 2006، ثم حصل على عقد عام 2014 دون تثبيت فعلي.

 

ولاحقًا، لجأ طارق وزملاؤه إلى القضاء، وحصلوا عام 2021 على أحكام بالتعيين وصرف المستحقات، ثم نُفذ التثبيت إداريًا دون أن يحصلوا على الرواتب المتراكمة رغم انتظامهم في العمل.

 

وعلى الرغم من تثبيت نحو ألفي موظف في الفيوم على باب أول أجور، وفق شهادة طارق أحمد، فإنهم لم يتقاضوا رواتبهم لما يزيد على 50 شهرًا، ما يكشف عبثًا إداريًا متعمدًا.

 

ومن زاوية قانونية، فإن الامتناع عن تنفيذ الأحكام لا يضرب العمال فقط، بل يضرب هيبة القضاء، لأن الدولة حين تتجاهل حكمًا لصالح موظف فقير، فإنها ترخص الظلم وتكافئ المتقاعسين.

 

 

35 ألف أسرة في انتظار قرار

 

في المقابل، كشف إيهاب منصور، وكيل لجنة القوى العاملة بمجلس النواب، أن عدد المتضررين يبلغ نحو 35 ألف عامل، استنادًا إلى ما كشفه مسؤولون بالوزارة خلال مناقشة طلب إحاطة سابق.

 

كما أعلن منصور التقدم بطلب إحاطة جديد إلى رئيس الوزراء ووزير الزراعة ووزير المالية ورئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة، بشأن عدم صرف رواتب العاملين الحاصلين على أحكام قضائية.

 

ولذلك طالب منصور بوقف رواتب المسؤولين المتقاعسين عن صرف مستحقات العمال، معتبرًا أن عليهم تجربة ما يعانيه الموظفون، وهي عبارة تلخص جوهر الأزمة أكثر من أي بيان حكومي بارد.

 

ومن جهة أخرى، يؤكد كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، في مواقفه المتكررة، أن الأجر العادل لا ينفصل عن تكاليف المعيشة، فكيف بمن حُرم من الأجر أصلًا.

 

غير أن المحامي الحقوقي خالد علي طالما ربط أزمة العمال بضعف الحماية القانونية وتراجع ضمانات العمل، وهي زاوية تفسر كيف يتحول العامل المتعاقد إلى الحلقة الأضعف أمام جهاز إداري مغلق.

 

ثم إن القضية لا تتعلق برواتب أفراد فقط، بل بآلاف البيوت التي انتظرت سنوات تحت ضغط الأسعار والإيجارات والديون والمدارس والعلاج، بينما تتنقل أوراقهم بين مكاتب لا تدفع ثمن الانتظار.

 

وبالتالي، فإن تجاهل الحكومة للملف يرسل رسالة قاسية لكل عامل مؤقت: اعمل سنوات، احصل على حكم، انتظم في الحضور، ثم انتظر راتبك كأنك تستجدي حقًا لا تملكه.

 

كما أن استمرار الأزمة داخل وزارة مسؤولة عن الزراعة والغذاء يكشف مفارقة فادحة، فالعاملون في قطاعات التقاوي والتغذية والميكنة والتشجير يشاركون في خدمة إنتاج البلد، بينما لا يجدون قوتهم.

 

وعليه، يبدأ الحل بصرف فوري للمتأخرات، وتحديد مسؤولية كل جهة عطلت التنفيذ، وإعلان جدول زمني ملزم، بدل ترك 35 ألف أسرة بين حكم قضائي لا ينفذ ووزارة لا تسمع.

 

وفي النهاية، لا تصرخ أزمة موظفي الزراعة من أجل راتب فقط، بل من أجل كرامة العمل، واحترام القضاء، ومحاسبة إدارة حولت التثبيت إلى فخ، والوظيفة إلى عقوبة بلا أجر.