يكشف البيان المشترك الصادر عن عدد من المنظمات الحقوقية، من بينها مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان والجبهة المصرية لحقوق الإنسان والمنتدى المصري لحقوق الإنسان، عن مخاوف متزايدة من إجراءات الإخلاء القسري التي تطال سكان قرى الخرافين والمقاطعة ومناطق أخرى في رفح والشيخ زويد بمحافظة شمال سيناء. ويحذر معدّو البيان من أن هذه الإجراءات قد تدفع آلاف السكان إلى موجة جديدة من النزوح بعد سنوات من التهجير المرتبط بالعمليات العسكرية، رغم أن كثيرًا منهم عادوا مؤخرًا إلى أراضيهم وأعادوا بناء حياتهم بجهودهم الذاتية.

 

ونشر هذا البيان المشترك عدد من المنظمات الحقوقية المصرية والدولية المهتمة بأوضاع حقوق الإنسان في مصر، حيث تناول التطورات الأخيرة في شمال سيناء وما يصفه الموقعون بمخاطر تهدد حق السكان في الاستقرار والعودة إلى أراضيهم وممتلكاتهم.

 

تصاعد الضغوط على سكان شمال سيناء

 

أفادت شهادات ميدانية بأن وحدات عسكرية تابعة لمعسكر الزهور في الشيخ زويد كثّفت منذ مطلع يونيو حملات ميدانية هدفت إلى دفع السكان لمغادرة منازلهم وأراضيهم. وذكر السكان أن القوات أصدرت أوامر شفهية بالإخلاء الفوري، ولوّحت بإجراءات عقابية ضد من يرفض المغادرة.

 

وروى أهالي المنطقة أن الحملات بدأت بإزالة العشش والمساكن المؤقتة، ثم انتقلت إلى تفكيك ألواح الطاقة الشمسية المستخدمة في تشغيل الآبار الزراعية، قبل أن تطالب السكان بإخلاء المناطق بالكامل. وأشار شهود إلى مغادرة عشرات الأسر بالفعل نتيجة الضغوط المتواصلة، في ظل غياب أي إعلان رسمي يوضح أسباب هذه الإجراءات أو مصير العائلات المتضررة.

 

ويرى البيان أن أي ترتيبات أمنية أو تنموية ينبغي ألا تأتي على حساب الحقوق الأساسية للمواطنين، خصوصًا عندما ترتبط الأرض مباشرة بمصادر الرزق والهوية الاجتماعية والانتماء القبلي. كما يؤكد أن التعويضات المالية وحدها لا تكفي لمعالجة آثار اقتلاع السكان من بيئتهم الأصلية.

 

إرث طويل من النزوح وفقدان الممتلكات

 

يربط البيان بين التطورات الحالية وسياق أوسع يمتد لأكثر من عقد في شمال سيناء. فمنذ أواخر عام 2013 شهدت مناطق واسعة عمليات هدم وتجريف واسعة النطاق طالت آلاف المباني السكنية ومساحات كبيرة من الأراضي الزراعية، ما أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان وفقدان مصادر دخلهم.

 

واستمرت عمليات الإزالة والتجريف في بعض المناطق بعد عام 2020، خاصة في رفح والشيخ زويد والعريش. وتؤكد المنظمات الموقعة أن تقارير حقوقية سابقة أثارت مخاوف جدية بشأن قانونية بعض هذه الممارسات ومدى توافقها مع المعايير الدولية.

 

وخلال السنوات الماضية برزت قضية "حق العودة" بوصفها أحد أبرز الملفات الإنسانية في شمال سيناء. ففي عام 2023 نظم مئات المواطنين وقفات واعتصامات سلمية للمطالبة بالعودة إلى أراضيهم ومنازلهم بعد سنوات من التهجير. وانتهت تلك التحركات عقب تعهدات رسمية بدراسة مطالب الأهالي والبحث عن حلول مناسبة.

 

لكن البيان يشير إلى ملاحقة عدد من المشاركين في تلك التحركات وإحالة بعضهم إلى المحاكمة العسكرية في القضية المعروفة إعلاميًا باسم "حق العودة". وأثارت هذه القضية انتقادات واسعة من منظمات حقوقية وخبراء أمميين أكدوا أن المطالبة بالعودة إلى الأراضي الأصلية تمثل حقًا مشروعًا لا ينبغي تجريمه.

 

مخاوف حقوقية ودعوات لحماية السكان

 

يستند البيان إلى نصوص الدستور المصري والمعايير الدولية ذات الصلة بالنزوح الداخلي، والتي تحظر التهجير القسري التعسفي وتكفل الحق في السكن الملائم والآمن. كما تشدد تلك المعايير على ضرورة البحث عن بدائل قبل اللجوء إلى أي إجراءات تؤدي إلى النزوح، وإبلاغ السكان بالأسباب والنتائج المتوقعة، وضمان عدم فقدانهم للمأوى أو مصادر الرزق.

 

وتزداد أهمية هذه الضمانات، بحسب البيان، لأن غالبية الأسر التي تواجه خطر الإخلاء حاليًا سبق أن عانت من النزوح خلال السنوات الماضية، ولم تتمكن من العودة إلى أراضيها إلا بعد تراجع حدة العمليات العسكرية وعودة بعض مظاهر الحياة المدنية.

 

كما أبدى عدد من المقررين الخاصين والخبراء المستقلين التابعين للأمم المتحدة قلقهم إزاء أوضاع النزوح في شمال سيناء، ودعوا السلطات المصرية إلى توضيح البدائل التي جرى بحثها قبل اللجوء إلى الإخلاء، وضمان توفير مساكن بديلة وتعويضات مناسبة، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة السكان بصورة آمنة وكريمة إلى مناطقهم الأصلية.

 

وفي ختام البيان، حذرت المنظمات الحقوقية من أن استمرار الإجراءات الحالية قد يقوض جهود إعادة إعمار القرى واستعادة النشاط الزراعي والحياة المدنية في شمال سيناء، كما قد يعيد السكان إلى دوامة جديدة من النزوح وعدم الاستقرار. وأكدت أن تحقيق التنمية المستدامة وإعادة بناء المنطقة يتطلبان سياسات قائمة على الشفافية والمشاركة واحترام سيادة القانون، بما يضمن حماية حقوق السكان وصون كرامتهم ومنع تكرار الأزمات الإنسانية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.

 

cihrs.org/egypt-as-third-wave-of-forced-eviction-impends-rights-organizations-urge-halt-to-displacement-of-north-sinai-residents/?lang=en