فضحت أرقام الغش في الثانوية العامة خلال الساعات الماضية عجز وزارة التربية والتعليم عن حماية عدالة الامتحان، بعدما تصدرت الدقهلية والشرقية والقاهرة وسوهاج مؤشرات الغش الجماعي والإلكتروني، لتعود ظاهرة “لجان أولاد الأكابر” كعنوان صارخ لانهيار تكافؤ الفرص بين الطلاب.
وفي بلد تحكمه الشهادة والمجموع ومقاعد الطب والهندسة، لم يعد الغش مجرد مخالفة طالب، بل جريمة اجتماعية منظمة، تسرق مجهود الفقراء والمجتهدين وتكافئ أبناء النفوذ على حساب عدالة مفقودة.
كما أن عودة اسم “لجان أولاد الأكابر” مع كل موسم امتحانات تكشف فشلاً متكرراً، لا تعالجه بيانات التهديد ولا لجان المتابعة، لأن أصل المرض في النفوذ المحلي وحماية الغش.
الغش حين يتحول إلى خريطة نفوذ
لذلك جاءت خريطة 2025 صادمة، حيث تصدرت الدقهلية المؤشرات بـ922 حالة، ثم الشرقية بـ645، والقاهرة بـ582، وسوهاج بـ566، وهي أرقام لا تصف حالات فردية بل بيئة امتحانية مخترقة .
ومن ثم فإن الدقهلية لم تظهر فجأة في المشهد، فقد أعلنت وزارة التعليم في 2024 أن المحافظة تصدرت مخالفات الثانوية بـ358 طالباً، تلتها الجيزة بـ100 والقاهرة بـ69 .
غير أن تكرار المحافظات نفسها يعني أن الدولة تعرف البؤر الساخنة، لكنها لا تمنع تمددها، وكأن الغش أصبح موسماً معروفاً، يبدأ بالتحذير وينتهي بإلغاء امتحانات بعد خراب العدالة.
علاوة على ذلك، شملت عقوبات 2024 إلغاء جميع الامتحانات لـ65 طالباً لعامين، و191 طالباً لعام واحد، مع إحالات للنيابة، إضافة إلى إلغاءات في مواد محددة لطلاب آخرين .
بناءً على ذلك، لا تبدو العقوبات دليلاً على قوة المنظومة، بل دليلاً على اتساع الانفلات، لأن العقوبة اللاحقة لا تعيد حق الطالب الذي دخل اللجنة وحده أمام شبكة غش.
في المقابل، حذر الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي، من دوافع الغش المرتبطة بضغط المجموع والأسرة وضعف الثقة، مؤكداً أن المواجهة تحتاج علاج الأسباب لا الاكتفاء بالعقوبة .
كذلك يرى شوقي أن مواجهة الغش تحتاج امتحاناً أقل قابلية للتسريب، وحماية حقيقية للملاحظين، ورقابة لا تترك اللجنة رهينة تهديدات الأهالي أو نفوذ العائلات أو تواطؤ الصمت.
ولذلك يصبح الحديث عن الغش الإلكتروني ناقصاً إذا تجاهل الغش الاجتماعي، فالهاتف والسماعة أدوات فقط، أما الخطر الأكبر فهو بيئة محلية ترى الامتحان صفقة لا اختباراً.
لجان الأكابر لا تهدد الامتحان فقط
لزيادة الفضيحة، لم تعد “لجان أولاد الأكابر” مجرد تعبير ساخر، بل صارت اسماً لمدارس ومراكز يتكرر حولها الجدل، مع تحويلات غريبة ومجاميع مرتفعة وضغوط على أعمال المراقبة.
ومن ناحية أخرى، أثارت مدرسة ديمشلت الثانوية المشتركة في دكرنس جدلاً واسعاً عام 2023، بعد تداول بيانات نجاح لأكثر من 100 طالب وطالبة بمجاميع بين 86% و99% .
ثم عادت الدقهلية إلى الواجهة في 2025 عبر واقعة قرية شها، حيث استخدم أولياء أمور مكبرات صوت لإملاء الإجابات، ما أدى لإلغاء امتحان المادة لنحو 170 طالباً وإعادته .
على الجانب الآخر، لم تكن سوهاج بعيدة عن الظاهرة، إذ ارتبطت مراكز جهينة ودار السلام وأخميم وساقلتة بأسماء مدارس أثارت جدلاً بسبب المجاميع المرتفعة وتقارب الدرجات بصورة لافتة.
فضلاً عن ذلك، اشتهرت مدارس مثل محمود صقر الثانوية بجهينة، وجمال الغيطاني الثانوية بنات، وسفلاق الثانوية المشتركة، وعبد الحميد رضوان الثانوية، باعتبارها نماذج متداولة في ملف لجان الأكابر.
ومن زاوية تربوية، أكد الدكتور حسن شحاتة، أستاذ المناهج بجامعة عين شمس، أن أزمة امتحانات الثانوية ليست جديدة، وأن استمرارها يرتبط بطريقة إدارة الامتحانات ووضعها ومراقبتها .
إضافة إلى ذلك، يدفع شحاتة باتجاه رقابة إلكترونية حقيقية وتسجيل اللجان وكاميرات تمنع العبث، لأن الامتحان الذي لا تراه الدولة لحظة بلحظة تراه شبكات الغش قبلها وبعدها.
وعليه، فإن لجان الأكابر ليست خطأ إدارياً، بل اعتداء طبقي على التعليم، حيث يتحول نفوذ العائلة والمال والوجاهة إلى امتياز داخل لجنة يفترض أن تكون مساحة مساواة.
من لجنة الغش إلى انهيار الجامعة
في هذا السياق، تكشف كلية طب سوهاج امتداد الكارثة بعد الثانوية، بعدما أعلنت نجاح 75 طالباً فقط من أصل 382 طالباً مستجداً، ورسوب 307 طلاب بنسبة تقارب 80% .
وبالتالي لا ينتهي الغش عند ورقة البابل شيت، بل يصل إلى الجامعة، حيث يصطدم الطالب الذي حمله مجموع مشبوه بمناهج صعبة لا تعرف لجان الأكابر ولا مكبرات الصوت.
كما أن جامعة سوهاج أصدرت بياناً بشأن نتائج الفرقة الأولى بكلية الطب بعد الجدل الواسع حول رسوب 80%، في واقعة أعادت ربط المدرسة بالجامعة وسؤال العدالة بالكفاءة .
في حين أعلن وزير التعليم السابق رضا حجازي عام 2023 وجود 756 قضية مرتبطة بامتحانات الثانوية العامة، مع رصد مخالفات بأجهزة محمولة، مؤكداً أن بعض المحافظات تصدرت المخالفات .
إلى جانب ذلك، كشف حجازي عن 812 طالباً مخالفاً، وإحالة 641 طالباً للنيابة العامة، و199 ملاحظاً للشؤون القانونية، ما يثبت أن الخلل يضم طلاباً ومراقبين وشبكات أوسع .
ومن ناحية نفسية، يقدم الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي، نصائح لتقليل توتر طلاب الثانوية، لكن الأزمة الأعمق أن نظام الامتحان نفسه يصنع الهلع ويفتح باب الغش.
لكن التوتر لا يبرر سرقة الفرص، لأن الطالب الذي يغش لا يظلم نفسه فقط، بل يسرق مقعداً جامعياً من طالب آخر ذاكر في صمت ودخل لجنة لا تحميه.
في النهاية، ليست معركة الثانوية العامة 2026 مع سماعة بلوتوث أو هاتف فقط، بل مع منظومة سمحت للغش أن يتحول إلى نفوذ، وللنفوذ أن يلبس ثوب التفوق الدراسي.
وبناءً على ذلك، فإن أي حديث عن تطوير التعليم يصبح عبثاً ما لم تغلق الدولة أبواب لجان الأكابر، وتحاسب شبكات الغش، وتحمي الملاحظين، وتعيد للامتحان معنى العدالة لا الخوف.

