أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر نشرته السنوية لعام 2025، كاشفاً تراجع العاملين بالقطاع العام وقطاع الأعمال العام من 620 ألفاً إلى 586 ألفاً، بنسبة 5.5%، و30% خلال 8 سنوات.

 

وفي بلد يرفع شعارات الإصلاح والهيكلة، تكشف الأرقام وجهاً آخر أكثر قسوة، حيث لا تنسحب الدولة من القطاعات الخاسرة فقط، بل تفرغ الإنتاج والخدمات، وتفتح الباب لبيع الأصول وتوسيع اقتصاد الظل.

 

وعلى مستوى المعنى السياسي، لا يبدو خفض العاملين مجرد ترشيد إداري، بل إعادة تشكيل منحازة للاقتصاد، تقلص الصحة والزراعة والخدمات، بينما تضخم الإسكان والمشروعات العقارية التي لا تطعم عاملاً ولا تعالج مريضاً.

 

تراجع العمال أم تفريغ الدولة

 

بدايةً، يختلف العاملون في القطاع العام وقطاع الأعمال العام عن العاملين في الجهاز الإداري للدولة، فهم يرتبطون بالهيئات الاقتصادية والشركات الحكومية، ما يجعل انخفاضهم مؤشراً على تراجع الدور الإنتاجي والخدمي المباشر للدولة.

 

ومن ثم فإن هبوط العدد من 827 ألف عامل في 2017 إلى 586 ألفاً في 2025 لا يعكس إحلالاً طبيعياً فقط، بل مساراً ممتداً لتقليص الدولة كصاحب عمل ومنتج.

 

غير أن الخطر يظهر في توزيع العاملين، إذ يستحوذ قطاع الإسكان والتعمير على 35.9% من إجمالي العاملين، بينما يقف قطاع الصناعة والبترول عند 19.7%، والكهرباء عند 17.9% فقط.

 

علاوة على ذلك، لا يمثل العاملون في الزراعة والأشغال العامة والموارد المائية سوى 3.7%، بينما لا تتجاوز الخدمات الصحية والاجتماعية والدينية 2.6%، في بلد يواجه أزمات غذاء وصحة ومياه متفاقمة.

 

بناءً على ذلك، يصبح السؤال قاسياً: لماذا تنتفخ العمالة في الإسكان بينما تتراجع في القطاعات التي تمس حياة المواطن مباشرة، من المستشفى إلى الحقل إلى المصنع إلى مرافق المياه.

 

في المقابل، كانت خريطة 2017 مختلفة تماماً، إذ تصدر النقل والمواصلات والطيران المدني بنسبة 44.4%، وجاءت الخدمات الصحية والقوى العاملة بنسبة 23.3%، بينما كان الإسكان أقل حضوراً بكثير.

 

كذلك تؤكد دراسات عالية المهدي عن الخصخصة أن تقييم الشركات لا يجب أن يختزل في البيع أو الربح اللحظي، بل في أثر السياسات على التشغيل والإنتاج والعدالة الاجتماعية واستدامة الأصول العامة.

 

بيع الأصول وتضخم العقار

 

إلى جانب تراجع العمالة، جاءت وثيقة سياسة ملكية الدولة لتفتح باب التخارج من قطاعات اقتصادية واسعة، تحت شعار تمكين القطاع الخاص، لكن التطبيق العملي ارتبط ببيع حصص وأصول استراتيجية.

 

لزيادة الخطورة، شملت موجات التخارج قطاعات مثل الموانئ والأسمدة والكيماويات وغيرها، وهي مجالات لا تتعلق بترف اقتصادي، بل ببنية الإنتاج والأمن القومي وسلاسل الإمداد وفرص العمل المنظمة.

 

ومن ناحية أخرى، لا يبدو أن انسحاب الدولة من قطاعات إنتاجية قابله صعود عادل للقطاع الخاص الحقيقي، بل تمددت شبكات مصالح قريبة من السلطة، ومستثمرون كبار، وصناديق لا تخضع لرقابة كافية.

 

فضلاً عن ذلك، خضعت شركات حكومية لهيكلة قاسية، بعضها خفض العمالة والإنتاج، وبعضها تعثر مثل مصانع السكر، وبعضها صفي بالكامل كما حدث في شركة الحديد والصلب، بما يعني تدمير ذاكرة صناعية كاملة.

 

ثم جاءت التحولات الرقمية لتستخدم أحياناً كذريعة لتقليل العمالة، خصوصاً في قطاعات النقل والمواصلات، رغم أن التكنولوجيا العادلة يفترض أن ترفع الإنتاجية وتعيد تدريب العمال لا أن تطردهم إلى الهشاشة.

 

على الجانب الآخر، تضخمت استثمارات الإسكان والتعمير، حيث أنتج القطاع العام متوسط 100 ألف وحدة سنوياً خلال العقد الماضي، مع صعود الإسكان الاستثماري إلى 28% في 2023 و2024.

 

في هذا السياق، تعبر العاصمة الإدارية والمدن الجديدة عن عقلية عقارية حاكمة، تبني وحدات مرتفعة الثمن بينما يعجز المواطن عن تحمل أسعار شقق 85 متراً تصل إلى 600 ألف جنيه وأكثر.

 

وهنا تبرز ملاحظة زياد بهاء الدين عن الحاجة إلى علاقة صحية وواضحة بين الدولة والقطاع الخاص، لا علاقة زاحمة ومختلة تخرج فيها الدولة من الإنتاج ثم تنافس الناس في العقار.

 

تشوه تنموي واقتصاد ظل

 

أما الأخطر، فهو أن هذه التحولات لا تحدث داخل الموازنة وحدها، بل تتضخم حولها موازنة موازية من صناديق خاصة ومشروعات قومية وجهات سيادية، تتحرك كأن المال العام خارج السؤال العام.

 

لذلك فإن ارتفاع الاستثمارات العامة خارج الموازنة إلى 5.3% من الناتج المحلي، مقابل 2.3% داخل الموازنة، يعكس اقتصاداً مزدوجاً، أحدهما ظاهر يتحمل التقشف، وآخر خفي يقرر بلا مساءلة كافية.

 

كما أن الجهاز المركزي للمحاسبات أشار إلى عدم الاستفادة من نحو 218 ألف وحدة إسكان اجتماعي، وهي مفارقة تكشف أن المشكلة ليست نقص بناء، بل سوء توزيع وأولويات وأسعار وسياسات.

 

بالمقابل، يرى عبد الخالق فاروق في كتاباته الاقتصادية أن السياسات المالية لا تنفصل عن الإنتاج والتوزيع والاستثمار والعدالة، وأن اختلال هذه الأضلاع ينتج أزمات اجتماعية لا تعالجها الدعاية.

 

ومن زاوية سوق العمل، يؤدي تراجع القطاع العام المنظم إلى دفع مزيد من العمال نحو القطاع غير الرسمي، حيث لا تأمين اجتماعي كافياً، ولا أجور عادلة، ولا حماية نقابية أو صحية حقيقية.

 

إضافة إلى ذلك، يحذر البنك الدولي من أن العمالة غير الرسمية في مصر والمغرب وتونس تواجه محدودية في الحماية الاجتماعية، وضعفاً في الإنتاجية والنمو، وهو ما يوسع الهشاشة بدلاً من علاجها.

 

في النهاية، لا تحل الحكومة أزمة التخمة الوظيفية كما تدعي، بل تخلق خللاً أعمق، تنسحب من الصناعة والزراعة والخدمات، وتبقى في العقار، وتبيع الأصول، وتترك العمال بين البطالة المقنعة والظل.

 

وعليه، فإن انخفاض 30% من العاملين بالقطاع العام خلال 8 سنوات ليس رقماً إدارياً، بل علامة على نموذج تنموي مشوه، يفرغ الدولة من الإنتاج، ويملأ المدن بالخرسانة، ويطرد العمال من الحماية.