كشفت شعبة المخابز باتحاد الغرف التجارية أن نحو 68 مليون مواطن في مصر ينتظرون تحديد آلية صرف الخبز داخل منظومة الدعم النقدي، وسط اتجاه لاستمرار 5 أرغفة يوميا بوزن 70 جراما للمواطن.
وبينما تروج الحكومة للتحول باعتباره تطويرا، يراه ملايين المصريين نقلا للخطر من خزينة الدولة إلى جيب الفقير، لأن الرغيف لم يعد مجرد سلعة تموينية، بل آخر خط دفاع أمام الجوع والغلاء.
رغيف الفقراء تحت المقصلة
بالتالي، تبدو أزمة الخبز جوهر مشروع الدعم النقدي لا تفصيلا إداريا، فالحكومة لم تحسم بعد كيف سيشتري المواطن رغيفه، ولا كيف ستمنع السوق من ابتلاع قيمة الدعم مع أول موجة أسعار.
كما أن تصريحات عبد الله غراب عن استمرار 5 أرغفة يوميا تكشف أن النقاش لم ينته، وأن المنظومة تدخل مرحلة حساسة قبل حسم قواعد الصرف والرقابة وسعر الرغيف غير المدعم.
ولزيادة القلق، تحدثت شعبة المخابز عن تخوفات من ارتفاع سعر الخبز السياحي بعد تطبيق الدعم النقدي، لأن زيادة الطلب عليه قد تفتح بابا جديدا للغلاء خارج بطاقات التموين.
لذلك، فإن بقاء الرغيف داخل الدعم النقدي لا يطمئن الفقراء إذا لم ترتبط قيمته بمؤشر أسعار واضح، لأن النقود تتآكل في السوق، بينما كان الخبز العيني يضمن سلعة يومية محددة.
ومن ثم، تتحول معادلة 5 أرغفة بوزن 70 جراما إلى سؤال سياسي قبل أن تكون رقما تموينيا، فهل تحمي الدولة حق المواطن، أم تدير انسحابا تدريجيا من دعم الخبز.
غير أن الحكومة تقدم الملف كإصلاح إداري، بينما التجربة اليومية للمصريين تقول إن كل إصلاح بدأ بشعار الترشيد انتهى غالبا برفع الأسعار وتقليل نصيب المواطن من الخدمات الأساسية.
علاوة على ذلك، قال الدكتور جودة عبد الخالق، وزير التموين الأسبق، إن دعم الخبز خط أحمر، محذرا من أن غياب قواعد البيانات العادلة قد يضر الفقراء ويعمق أزمة الأمن الغذائي.
الدعم النقدي وذاكرة الغلاء
بناء على ذلك، لا يمكن عزل التحول النقدي عن سنوات متراكمة من التعويم ورفع الوقود والكهرباء والرسوم، حيث يدفع المواطن ثمن كل قرار، بينما تطالبه الحكومة بالصبر على فاتورة جديدة.
في المقابل، يصر الخطاب الرسمي على الحديث عن شرائح احتياج وعدالة توزيع، لكن غياب التفاصيل النهائية حول قيمة الدعم وآلية التحديث يجعل الحديث أقرب إلى وعد مفتوح لا ضمانة اجتماعية.
فضلا عن ذلك، فإن استفادة 68 مليون مواطن من منظومة التموين تعني أن أي خطأ في التطبيق لن يكون محدودا، بل سيضرب أغلبية واسعة تعتمد على الخبز كغذاء يومي ثابت.
كذلك، حذرت الدكتورة عالية المهدي، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، من أن الدعم العيني أكثر أمانا للمواطن في ظل التضخم، لأن الدعم النقدي يفقد قيمته حين ترتفع الأسعار دون تعديل سريع.
وعليه، فإن جوهر الأزمة ليس في اسم المنظومة، بل في حماية القوة الشرائية للمواطن، لأن مبلغ الدعم قد يبدو مناسبا يوم الإعلان، ثم يتحول بعد أسابيع إلى رقم عاجز أمام السوق.
ثم إن تصريحات رئيس الوزراء عن تقسيم المستحقين إلى شرائح تفتح بابا آخر للخوف، فكل فرز اجتماعي بلا شفافية كافية قد يصبح أداة لاستبعاد فقراء لا يملكون صوتا ولا نفوذا.
ومن ناحية أخرى، يرى الدكتور فخري الفقي أن التحول إلى الدعم النقدي يحتاج ضبطا دقيقا وقواعد بيانات فعالة، وهو شرط يكشف صعوبة التنفيذ في بلد يعاني من فجوات معلوماتية واسعة.
الحكومة تساوم على الخبز
هكذا، يصبح الرغيف اختبارا لحقيقة الدولة، لا لوزارة التموين فقط، فحين يتأخر حسم آلية الخبز، يدرك المواطن أن قوت يومه يدخل سوق التجارب الحكومية لا منطقة الحماية الاجتماعية.
إضافة إلى ذلك، فإن اجتماع شعبة المخابز مع وزير التموين شريف فاروق يعكس أن أصحاب المخابز حاضرون في المعادلة، بينما يبقى المواطن الطرف الأضعف الذي ينتظر القرار ولا يشارك فيه.
وبالمثل، فإن الحديث عن التوازن بين مصالح المواطنين وأصحاب المخابز لا يجب أن يتحول إلى تسوية على حساب الفقير، لأن الأمن الغذائي ليس مساحة مساومة بين الربح والاحتياج.
مع ذلك، لا تنكر الحكومة وجود مشكلات في منظومة الدعم العيني، لكن معالجة التسريب والفساد لا تكون بإضعاف الحق نفسه، بل برقابة عادلة ومحاسبة حقيقية وتحديث قواعد المستحقين.
ومن هنا، تبدو المخاوف الشعبية مبررة، لأن المواطن اختبر سابقا وعودا كثيرة عن عدم المساس بمحدودي الدخل، ثم وجد نفسه أمام زيادات متلاحقة في الخبز والوقود والخدمات.
وفوق ذلك، فإن تحديد 1.5 جنيه لرغيف وزنه 70 جراما داخل التصورات المتداولة يطرح سؤالا حادا حول مستقبل السعر، ومن يتحمل الفارق إذا تغيرت تكلفة القمح والطاقة.
وبذلك، لا يصبح الدعم النقدي إصلاحا محايدا، بل قرارا يمس علاقة المصريين بالدولة، لأن الخبز في بلد يعاني الفقر والتضخم ليس رقما في موازنة، بل أمان يومي للملايين.
في المحصلة، يفتح المشروع بابا واسعا لغضب اجتماعي مكتوم، فإذا لم تضمن الحكومة قيمة ثابتة ومحدثة للرغيف، فإنها تنقل الناس من طابور المخبز إلى طابور العجز والجوع.
لذا، فإن أخطر ما في التحول ليس كلمة نقدي، بل غياب الضمانات التي تمنع تآكل الدعم، وغياب الثقة في سلطة اعتادت تحميل الفقراء فاتورة أزماتها الاقتصادية والسياسية.
وأخيرا، يبقى رغيف العيش خطا فاصلا بين إصلاح يحمي الناس وقرار يطحنهم، فإذا تراجعت الدولة عن ضمانه العيني أو قيمته الحقيقية، فإنها تفتح معركة مباشرة مع بطون المصريين.

