شهدت منصات التواصل الاجتماعي العربية، مع انطلاق منافسات كأس العالم 2026، موجة واسعة من الجدل والاستقطاب، عقب تصريحات حادة أدلى بها النجم المصري السابق والمحلل الرياضي في شبكة "بي إن سبورتس" محمد أبو تريكة. وانتقد أبو تريكة رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" جياني إنفانتينو، بسبب دفاعه عن الإدارة الأمريكية ورئيسها دونالد ترامب، معتبراً أن المونديال الحالي يتحول إلى مساحة لـ"غسيل سمعة" بلد يشارك، وفق تعبيره، في إبادة غزة عبر دعمه المتواصل للاحتلال الإسرائيلي.


وسرعان ما تحولت تصريحات اللاعب الملقب جماهيرياً بـ"أمير القلوب" إلى معركة رقمية مفتوحة، بين حملة هجومية قادتها حسابات ومنصات محسوبة على محور "الثورة المضادة"، خصوصاً من القاهرة وأبوظبي، وبين موجة تضامن شعبية واسعة رأت في موقف أبو تريكة امتداداً لخطه الثابت في الدفاع عن فلسطين والقضايا الإنسانية، ورفض الفصل المصطنع بين الرياضة والسياسة حين يتعلق الأمر بجرائم كبرى بحق المدنيين.


حملة رقمية منظمة تتهم أبو تريكة بـ"أدلجة الرياضة"


انطلقت الحملة المضادة لأبو تريكة عبر منصات وحسابات معروفة بقربها من الدوائر الرسمية في القاهرة وأبوظبي، حيث جرى توظيف خطاب موحد تقريباً يتهمه بـ"تسييس الرياضة" وتحويل الاستوديوهات التحليلية إلى منابر سياسية. وركزت هذه الحسابات على المطالبة بإبعاده عن المشهد الرياضي، بزعم أنه يحرج شبكة "بي إن سبورتس" ويقحم قضايا لا علاقة لها بالمباريات.


ومن بين الحسابات التي برزت في هذا الاتجاه الحساب الرياضي @EPLworld، الذي فتح نقاشاً حول مشروعية طرح أبو تريكة لمواقفه السياسية على شاشة رياضية، إلى جانب معرفات أخرى مثل @DIIIZER و@Mr_Alshammeri و@Alhusa628568 و@Tack_J12 و@meem_meemIQ، والتي تناوبت على وصفه بأنه "متاجر بالقضايا" و"مرتزق" و"إخوانجي"، في لغة هجومية اتسمت بالتحريض الشخصي أكثر من النقاش المهني.


وجاء في إحدى التغريدات المهاجمة: "يا جمهور الكرة العربي.. خلاص يكفي! محمد أبو تريكة عايز يتكلم سياسة وفلسطين في كل مباراة؟ حقه.. بس مو على beIN Sports! القنوات دي تابعة لشبكة الجزيرة الإخبارية.. عندهم قناة كاملة يخطب فيها براحته 24 ساعة! احنا بنفتح beIN عشان كورة.. مش عشان خطب سياسية وإحراج في كل ستوديو! اتركوا الملاعب للكرة.. والسياسة للجزيرة! من معي؟ 🔥 #أبو_تريكة #beIN #الكرة_مش_سياسة #الجزيرة".


كما كتب آخر: "أسوأ ما في beIN Sports هو محمد أبو تريكة، حين يحوّل الاستوديو الرياضي إلى مساحة للتنظير السياسي. نحن نتابع كأس العالم هروباً من السياسة، وبحثاً عن الترفيه لساعات قليلة خلال ثلاثين يوماً، لا لنُحاصر مجدداً بخطاب سياسي داخل قناة رياضية". واتهمه آخرون بأنه "مطرود من مصر" و"مسنود من قطر"، في محاولة لربط مواقفه الأخلاقية بسجالات سياسية إقليمية.


جمهور عربي واسع يرفع شعار: كلنا أبو تريكة


في المقابل، قوبلت الحملة الهجومية بجدار دفاع جماهيري واسع، إذ رأى مغردون وناشطون عرب أن ما قاله أبو تريكة ليس "تنظيراً سياسياً"، بل موقف أخلاقي وإنساني ضد ازدواجية المعايير الدولية، خصوصاً في ظل استمرار العدوان على غزة وتواطؤ القوى الكبرى مع الاحتلال الإسرائيلي.


وعبر معرفات مثل @ashraf_shimy و@REpeXIOpURDcC1G و@BDiden و@walaaali1 و@muhammedAlbtool و@1Eslam20 و@GodaAhmedGoda1، عبّر مدافعون عن فخرهم بمواقف النجم المصري، معتبرين أن فلسطين أصبحت معياراً للشرف، وأن الرياضة لا يمكن فصلها عن الدماء والجرائم الإنسانية.


وكتب أحد المغردين: "محمد أبو تريكة ❤️ بطل في الملعب… وأشجع خارجه. كلمة حق قالها في عقر دار كأس العالم. علمتنا أن الرجولة مواقف، مو أهداف بس. شاء من شاء وأبى من أبى #كلنا_أبو_تريكة"
https://x.com/ashraf_shimy/status/2065539919754240414/photo/1


وعلق آخر: "إما أن تكون حراً مع فلسطين أو لاعق أحذية مع الصهاينة. فلسطين أصبحت معياراً للشرف وأبو تريكة يمثل واحداً من أبطال الشرف مع فلسطين". بينما كتب @BDiden: "ما يفعله أبو تريكة ليس آراء سياسية بل هو دفاع عن مبادئ إنسانية وأخلاقية، فإبادة شعب لا علاقة لها بالسياسة، بل هي نتاج أطماع اقتصادية ومعتقدات دينية. وهو يسلط الضوء على الحقيقة لكي لا ننسى أن إخواننا لا يزالون تحت القصف والتجويع، على يد من يدعون الديمقراطية وهم شركاء في الجريمة".
https://x.com/BDiden/status/2065539240146956597


وأضاف @muhammedAlbtool: "من المهم أن تكون واعياً، حتى وإن كنت رياضياً. أبو تريكة الرجل الذي يرى أن الواقع مرتبط مع بعضه البعض. لا يمكن فصل الرياضة أو الفن أو أي شيء عن السياسة. أبو تريكة الرجل الأخير الذي تمسك بمبادئه واهتم بالقضايا الإنسانية".
https://x.com/muhammedAlbtool/status/2065536273276625084

 

كما كتب @1Eslam20: "أبو تريكة عنده حق… الكورة بقت ستار لغسيل السمعة! اختيار المكسيك للافتتاح ووجود ترامب في قلب التنظيم مش صدفة دي سياسة تلميع واضحة". وعلق @GodaAhmedGoda1 قائلاً: "ما هي الحملة اللي معمولة على أبو تريكة دي مش طبيعية، دي مدفوعة وببذخ كمان. الراجل بيقول أمريكا بنت وسخة، إيه الغلط في الكلام ده إلا إذا كان الناس اللي زعلانة دي أمها أمريكا".


امتداد لمعركة ازدواجية المعايير وذاكرة حملات سابقة


لا تبدو المعركة الحالية حول أبو تريكة منفصلة عن مواقفه السابقة، إذ سبق أن هاجم "فيفا" في 11 أغسطس الماضي عبر استوديوهات "بي إن سبورتس"، منتقداً ازدواجية المعايير في التعامل مع الملفات الرياضية والسياسية. وطالب حينها بتجميد نشاط الاتحاد الإسرائيلي وفرقه ومنعهم من المشاركة في المسابقات الدولية، أسوة بما حدث مع روسيا بعد حربها على أوكرانيا.


كما دعا أبو تريكة جياني إنفانتينو إلى اتخاذ موقف قوي وسحب تنظيم كأس العالم من الولايات المتحدة، باعتبارها شريكاً في العدوان على غزة عبر دعمها العسكري والسياسي للاحتلال. وشدد على أن فصل السياسة عن الرياضة يصبح مستحيلاً عندما يتعلق الأمر بجرائم إنسانية مستمرة منذ عامين بحق الفلسطينيين في قطاع غزة.


وتعيد الحملة الحالية إلى الأذهان الهجوم الكبير الذي تعرض له أبو تريكة في أواخر عام 2021، بعد انتقاده حملات دعم المثليين في الدوري الإنجليزي الممتاز، حين طالبت صحف ووسائل إعلام غربية بمنعه من الظهور على شاشة "بي إن سبورتس". آنذاك، دشن الملايين من المؤيدين هاشتاج #كلنا_أبو_تريكة، دفاعاً عن حقه في التعبير عن قناعاته الدينية والأخلاقية.


واليوم، يتكرر المشهد بصيغة أكثر اشتعالاً مع مونديال 2026، حيث يرى مؤيدوه أن مواقف الرجل ثابتة لا تتجزأ؛ فهو يرفض فرض الأجندات الغربية غير الأخلاقية، كما يرفض استخدام الرياضة غطاءً لتلميع صورة الدول المتورطة في دماء الفلسطينيين. وبينما يصر خصومه على اتهامه بتسييس كرة القدم، يعتبره جمهوره صوتاً نادراً داخل الإعلام الرياضي، يقول "كلمة حق" حين يصمت كثيرون.