كشفت مصادر صحفية أن مصر تستهدف خفض نسبة السكان تحت خط الفقر إلى 30% بنهاية العام المالي 2029-2030، مقابل 33% في عام 2021-2022، ضمن مسودة خطة التنمية الاقتصادية للعام المالي المقبل.

 

وأعادت الأرقام الحكومية ملف الفقر في مصر إلى صدارة الغضب العام، لأن الخطة تتحدث عن نسب مستقبلية بينما يعيش المواطنون ضغط الغلاء اليومي، وتراجع الدخول، وتوسع الديون الاستهلاكية، وضعف شبكات الحماية الحقيقية.

 


أرقام الفقر الحكومية تواجه سؤال العدد والطريقة


تقول مسودة خطة التنمية الاقتصادية إن الحكومة تستهدف خفض نسبة الفقر المدقع إلى 4.5% في العام المالي 2026-2027، ثم إلى 4.2% في 2029-2030، مع خفض الفقر العام إلى 30% بنهاية الفترة نفسها.


ويفتح هذا الإعلان سؤالًا مباشرًا حول عدد المواطنين الذين يعيشون تحت خط الفقر وتحت خط الفقر المدقع، لأن عرض النسب وحده يخفي حجم الكتلة البشرية التي تتحمل أثر الغلاء وتآكل الدخل.

 

 

 

وعلقت الناشطة رانيا الخطيب على طرح العربية بيزنس بسؤال واضح عن غياب عدد المواطنين الفعلي، وآلية الخفض خلال 3 سنوات، خصوصًا أن الغلاء اليومي يدفع شرائح جديدة إلى الفقر بدل إخراجها منه.

 

 


وتضع هذه الملاحظة الحكومة أمام فجوة بين اللغة التخطيطية والواقع المعيشي، لأن إعلان هدف رقمي لا يكفي ما لم يرتبط بزيادة دخل، وضبط أسعار، وفرص عمل، وتراجع فعلي في كلفة الطعام والسكن والعلاج.


كما أن مقارنة نسبة 30% بمعدل 33% في 2021-2022 تعني خفضًا محدودًا خلال 8 سنوات تقريبًا، وهو ما يطرح سؤالًا آخر عن جدية الخطة إذا ظل التضخم يسبق الأجور ويفرغ الدعم من قيمته.


وفي المقابل، نشرت منصات محسوبة على الخطاب الرسمي الأرقام باعتبارها هدفًا تنمويًا، لكن غياب تفاصيل التنفيذ جعل الإعلان مادة سهلة للهجوم، خاصة أن الحكومة لم تشرح كيف ستقيس الفقر بعد تغير الأسعار.


وتتضاعف المشكلة لأن المواطن لا يحاسب الخطة على نصها، بل على أثرها في فاتورة الشهر، لذلك تحولت النسبة المعلنة إلى عنوان جديد لأزمة ثقة أعمق بين الحكومة والناس.

 

 

غضب المنصات يكشف الفقر كصناعة لا كرقم


وكتب حساب ملامح إنسان أن المعيشة في مصر أصبحت مرهقة إلى درجة تقصر العمر، وأن الناس تبدو عليها علامات الهم والفقر والكآبة، في تعبير يعكس جانبًا اجتماعيًا لا يظهر داخل الجداول الرسمية.

 

 

وأضاف الحساب نفسه أن خبراء اقتصاد تحدثوا عن إنفاق حكومي بلغ 635 مليار جنيه في عام 2025 لحماية الفقراء، لكن المحصلة من وجهة نظره كانت زيادة معدلات الفقر والبطالة، لا تقليلها.


وتعكس هذه العبارة غضبًا من فجوة النتائج، لأن الأرقام الضخمة التي تعلنها الحكومة لا تتحول في نظر قطاعات واسعة إلى حماية ملموسة، بل إلى بيانات لا توقف تدهور القدرة الشرائية.


كما تساءل الأكاديمي د. محمد الشريف عن جدوى الحديث عن الإنتاج واستغلال الموارد بينما يعاني ثلث الشعب من الأمية، ويواجه البلد فقرًا مائيًا، وضعفًا في التعليم، بما يجعل خطط التنمية بعيدة عن شروطها الأساسية.


وفي اتجاه أكثر حدة، اعتبر الحرقاوي أن السلطة لا تسمح بخلق ثروة مستقلة خارج نطاقها، لأن المال قوة، وكل قوة لا تخضع لها تتحول إلى منافس محتمل في نظرها.
وتوسع جيفارا مصر في الهجوم على السياسات الاقتصادية، متهما السلطة بتدمير مدخرات المصريين وخفض قيمة العملة وتوسيع دائرة الفقر، وربط ذلك بالإنفاق على القصور والطائرات وبيع الأرض وتهجير المواطنين.

 

 

واعتبر حساب ثورة شعب أن القروض والديون وبيع الأصول وزيادة الضرائب والرسوم والغلاء الفاحش صنعت حالة قهر يومي طالت كبار السن وأصحاب المعاشات والمرضى والأيتام.


ومن زاوية اجتماعية أوسع، وصف حساب آخر الفقر بأنه المنتج الوطني الوحيد الذي نجحت الحكومات المصرية في صناعته وتطويره عبر عقود، معتبرًا أن أكثر من 70% من المصريين أصبحوا فقراء بدرجات مختلفة.

 

 

كما ربط تميم الخير بين الفقر والجهل والحكم العسكري، معتبرًا أن نهضة المجتمعات لا تتحقق إلا عندما تعود الجيوش إلى الحدود وتترك السياسة لأهلها، في طرح يعكس قراءة سياسية للانهيار الاجتماعي.


وتدخل سلامة بزاوية اقتصادية مباشرة، إذ رأى أن ضرب قطاع المعمار كان من أكبر أسباب انتشار الفقر، لأن قطاع البناء يشغل عمالة واسعة ويغذي نحو 60 صناعة مرتبطة به.

 

 

ويكشف هذا السجال أن الغضب لم يعد محصورًا في سؤال الدعم أو الأجور، بل امتد إلى بنية الاقتصاد نفسها، حيث يرى منتقدون أن الدولة أغلقت أبواب الإنتاج وفتحت أبواب الجباية والدين.


مؤسسات توظيف الفقر من التمويل السريع إلى البونزي

 

وكتب الأكاديمي الاقتصادي د. مدحت نافع في المصري اليوم أن نحو ثلث المصريين يعيشون تحت خط الفقر، بينما يعاني ملايين آخرون من الفقر المدقع، في بلد يتجاوز سكانه 108 ملايين نسمة.


ويقدم نافع زاوية مختلفة للأزمة، إذ يرى أن الفقر لم يعد قضية تنموية تحتاج تعبئة شاملة، بل تحول إلى سوق مفتوحة تستنزف جيوب الفقراء عبر التمويل الاستهلاكي، والإقراض السريع، والتبرعات العاطفية.

 

https://www.almasryalyoum.com/news/details/4276645

 

ويوضح المقال أن الإعلانات تلاحق المواطن محدود الدخل بعروض التقسيط والدين الفوري، فيدخل حلقة مغلقة من استهلاك ممول بالاقتراض، بينما لا ينمو دخله الحقيقي وتظل شبكات الأمان الاجتماعي ضعيفة.


وبذلك يتحول الفقر إلى منتج يراكم فقرًا جديدًا، لأن المؤسسات لا تتعامل مع محدودي الدخل كمواطنين يحتاجون حماية، بل كعملاء ومحافظ تحصيل قابلة للاستغلال تحت ضغط الحاجة.


كما ينتقد نافع تضخم النشاط الخيري الدعائي، حيث تجمع حملات ضخمة مليارات الجنيهات من خلال صور قاسية ورسائل عاطفية، بينما تبقى أسئلة الحوكمة والشفافية وكفاءة الإنفاق معلقة دون إجابات كافية.


وتتسع خطورة هذا الاقتصاد الموازي عندما تمتزج العاطفة بالدين والضغط الاجتماعي، فيقبل الفقراء على إنفاق يتجاوز طاقتهم، حتى في أشكال مثل تقسيط الأضاحي، بدل توجيه الفوائض القليلة إلى الادخار والإنتاج.


وفي محور آخر، حذر نافع من عودة نماذج البونزي في ثياب جديدة، عبر منصات وصناديق تعد بعوائد خيالية دون إفصاح حقيقي عن المخاطر أو طبيعة الاستثمار، فتبتلع مدخرات صغيرة تبحث عن نجاة.


ويزداد الخطر مع تراجع معدلات الادخار المحلي إلى نحو 1.2% فقط من الناتج المحلي، مقارنة بنحو 15% قبل 2011، وفق ما عرضه نافع في مقاله، ما يكشف عمق الأزمة الإنتاجية.
وتضع هذه القراءة إعلان خفض الفقر في موضعه الحقيقي، لأن الفقر لا ينخفض بمجرد هدف في خطة حكومية، بل بانحياز واضح للإنتاج، والأجور العادلة، والادخار المنتج، والرقابة على التمويل والتبرعات والاستثمار الوهمي.


وفي النهاية، تبدو خطة خفض الفقر إلى 30% بحلول 2029-2030 أقرب إلى وعد إداري ناقص ما دامت الحكومة لا تجيب عن سؤالين حاسمين: كم فقيرًا يعيشون اليوم تحت الخط، ومن الذي يدفع ثمن السياسات التي صنعتهم.