نشرت الجريدة الرسمية في 23 مايو 2026 قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 38 لسنة 2026 باعتبار مشروع إقامة مارينا اليخوت بمنطقة الكيلو 92 في الساحل الشمالي الغربي مشروعًا قوميًا مسندًا إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.

 

وأثار القرار غضبًا واسعًا وسخرية حادة بين مصريين رأوا أن الحكومة تمنح ركن اليخوت صفة قومية في بلد يواجه سكانه غلاء المعيشة والدين العام وتراجع الخدمات الأساسية، بدل توجيه الموارد إلى احتياجات أكثر إلحاحًا.

 

قرار حكومي يمنح اليخوت أولوية قومية

 

في البداية حسمت الجريدة الرسمية طبيعة القرار المتداول، إذ صدر القرار عن رئيس مجلس الوزراء وليس قرارًا جمهوريًا مباشرًا، لكنه ظل مرتبطًا بالسلطة التنفيذية التي تدير مشروعات السيسي القومية من أعلى.

 

وبحسب القرار، اعتبرت الحكومة مشروع إقامة مارينا اليخوت في الكيلو 92 من المشروعات القومية في تطبيق أحكام قانون البناء، وأسندت تنفيذه إلى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة.

 

كما كشف هذا الإسناد نمطًا متكررًا في حكم السيسي، حيث تدخل المؤسسة العسكرية إلى قطاعات السياحة والعمران والترفيه، بينما تتراجع الرقابة العامة على جدوى المشروعات وتكلفتها ومردودها الاجتماعي.

 

وفي هذا السياق كتب الصحفي طارق سلامة أن المشكلة لا تتوقف عند القرار، بل تشمل خطاب المسؤولين حول سياحة اليخوت، متسائلًا هل ركب المسؤول يختًا في أي مكان بالعالم حتى يتحدث كخبير.

 

 

وأضاف سلامة أن القوانين في مصر تعطل سياحة اليخوت، وأن مصر من أكثر الدول تلويثًا للبحر المتوسط، وأن هذا الملف كان أولى بالاهتمام قبل تسويق مشروع سياحي فاخر.

 

ويخدم رأي الباحث الاقتصادي عمرو عادلي هذا المحور، إذ يرى أن توسع الدولة في الإنشاءات والعقارات لا يصنع إصلاحًا هيكليًا، لأن هذه القطاعات لا تصدر ولا تقلل الواردات.

 

لذلك يظهر قرار المارينا كامتداد لسياسة إنفاق عمراني لا ترتبط مباشرة بمعيشة المواطنين، لأن المشروع يخاطب ملاك اليخوت ورواد الساحل المغلق لا مستخدمي المواصلات أو المستشفيات والمدارس.

 

تكلفة مليارية وسخرية من مشروع لا يخص المصريين

 

في المقابل لم ينشر القرار الحكومي تكلفة واضحة للمشروع، لكن الغضب الشعبي استدعى تكلفة مارينا مراسي السابقة التي أعلنت عقود تنفيذها في 2018 بقيمة 2 مليار جنيه.

 

وقد شملت تلك العقود 1.2 مليار جنيه لتنفيذ شاليهات وخدمات محيطة بالمرسى، و800 مليون جنيه لتنفيذ حوض المارينا، بما جعل كلمة اليخوت مرتبطة بتكاليف مليارية في الوعي العام.

 

ومن هذه الزاوية كتبت صابرين رجب بسخرية أن إقامة مارينا لليخوت في الساحل الشمالي أصبحت مشروعًا قوميًا، وأن كل واحد من 120 مليون مصري لن يقلق على ركنة يخته.

 

 

وبالنبرة نفسها كتب صبحي إبراهيم أن المواطن كان محتارًا في مكان ركن اليخت، ثم ختم سخريته بجملة حادة قال فيها إن الدولة ضحكت من جهلها الأمم.

 

 

وتعكس هذه السخرية فجوة سياسية واضحة، لأن المواطن الذي يسمع خطاب التقشف في الخبز والكهرباء والوقود يرى الحكومة تستخدم وصف المشروع القومي في ملف لا يمس حياته اليومية.

 

هنا يدعم رأي زياد بهاء الدين هذا السياق، إذ حذر من استمرار مصيدة الديون في مصر ما لم تحدث طفرة في الإنتاج والاستثمار والتصدير والتشغيل الحقيقي.

 

وعلى هذا الأساس لا تبدو مارينا اليخوت مشروعًا اقتصاديًا مقنعًا للرأي العام، لأنها تأتي وسط أعباء ديون وفوائد وموازنات مضغوطة، بينما تبحث الأسر عن دخل يكفي الطعام والدواء.

 

الساحل والبيئة والذاكرة السياسية ضد رواية الحكومة

 

على مستوى البيئة لم يبدأ الجدل مع قرار 2026، لأن مشروعات اليخوت في الساحل الشمالي ارتبطت سابقًا بأزمات نحر شواطئ وعكارة مياه وشكاوى من سكان قرى متضررة.

 

وقد ربط طارق سلامة اعتراضه بملف التلوث البحري، مشيرًا إلى أن مصر تحتاج أولًا إلى معالجة القوانين والملوثات قبل الحديث عن سياحة يخوت تنافس سواحل أوروبا.

 

كما أشار سلامة إلى أن الساحل الشمالي المصري يفتقد التنوع الجغرافي والعمراني مقارنة بمسارات اليخوت الأوروبية الممتدة من اليونان إلى جبل طارق، ولذلك وصف الإنفاق بأنه أموال ستلقى في البحر.

 

وفي هذا الإطار قال الجيولوجي صلاح حافظ رئيس جهاز شؤون البيئة الأسبق إن مشروع مرسى مراسي كان سببًا في نحر شواطئ بالساحل الشمالي، وربط الأزمة بتغيرات حدثت قرب المرسى.

 

وبينما يقدم الخطاب الرسمي المشروع بوصفه تنشيطًا لسياحة اليخوت، يستدعي المعارضون ذاكرة مختلفة للمشروعات القومية، إذ كتب محمد أن مشروعًا قوميًا كان يعني تعليمًا وعلاجًا وإصلاحًا زراعيًا وتأميم قناة السويس.

 

 

كذلك نشر عبدالفتاح طه تعليقًا ضمن موجة السخرية من القرار، بما أضاف إلى التفاعل الشعبي الرافض لفكرة تحويل مارينا اليخوت إلى ملف قومي وسط الأزمة الاقتصادية.

 

 

وبذلك تتحول مارينا اليخوت من مشروع ساحلي محدود إلى مؤشر سياسي على أولويات الحكم، لأن الحكومة اختارت منح الرفاهية صفة قومية بينما تتراجع قدرة المواطنين على تحمل الفواتير الأساسية.

 

في النهاية لا تكشف الأزمة غضبًا عابرًا من مشروع سياحي فقط، بل تكشف رفضًا أوسع لطريقة إدارة المال العام تحت عناوين قومية تستخدمها السلطة لتبرير إنفاق لا يراه المواطن ضرورة.

 

ولهذا ستبقى مارينا اليخوت مادة للسخرية السياسية ما دامت الحكومة تطالب المصريين بالصبر على الغلاء، ثم تمنح ركن اليخوت غطاء رسميًا لا يحصل عليه كثير من احتياجاتهم اليومية.