كشفت تقارير إعلامية عن طلب حكومة جنوب السودان من مصر إغلاق نقطة مراقبة عسكرية في منطقة باجاك الحدودية، كانت تضم نحو 260 عنصرًا وتُستخدم لأغراض التدريب والرصد المرتبط بتدفقات نهر النيل، وهو ما ترتب عليه فقدان القاهرة إحدى أدواتها الميدانية المباشرة بالقرب من سد النهضة الإثيوبي.

 

يعكس هذا التطور تحولًا سياسيًا واضحًا في تموضع جوبا داخل معادلة حوض النيل، حيث انتقلت من موقع قريب من القاهرة إلى معسكر دول المنبع، في خطوة تضغط على النفوذ المصري إقليميًا وتكشف حدود القدرة على الحفاظ على الحضور الاستراتيجي في مناطق تمثل عمقًا للأمن القومي المصري.

 

تحول جنوب السودان نحو معسكر المنبع يضرب الرؤية المصرية

 

في هذا السياق، مثّل توقيع جنوب السودان على اتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل نهاية 2024 نقطة فاصلة في العلاقة مع مصر، حيث تخلت جوبا فعليًا عن دعم موقف دول المصب، واتجهت إلى تبني رؤية إعادة توزيع الحصص المائية.

 

كما أدى هذا التحول إلى تقليص مساحة التأثير المصري في واحدة من أهم دوائر الصراع حول مياه النيل، خاصة مع انضمام دولة جديدة لمعسكر يدعم إثيوبيا في مواجهة القاهرة، وهو ما أعاد تشكيل موازين القوى داخل الحوض.

 

من ناحية أخرى، جاء قرار إغلاق نقطة باجاك كترجمة عملية لهذا التحول السياسي، حيث لم يعد مقبولًا لدى جوبا استمرار وجود عسكري مصري بالقرب من مناطق حساسة ترتبط بمصالح إثيوبيا المائية والاستراتيجية.

 

وفي هذا الإطار، قال السفير فوزي عشماوي إن الوجود المصري في باجاك كان يمثل نقطة ارتكاز متقدمة تتيح مراقبة دقيقة لتطورات سد النهضة، مؤكدًا أن فقدان هذه النقطة يضعف القدرة على المتابعة الميدانية المباشرة رغم استمرار الأدوات الدبلوماسية.

 

المصالح النفطية تدفع جوبا نحو أديس أبابا

 

في تطور متصل، لعبت الأزمة النفطية في جنوب السودان دورًا محوريًا في إعادة توجيه سياساتها الإقليمية، حيث دفعتها الحرب في السودان إلى البحث عن مسارات بديلة لتصدير النفط بعيدًا عن الأراضي السودانية.

 

كما أدى ذلك إلى تعزيز التعاون مع إثيوبيا عبر ممرات استراتيجية مثل جامبيلا وباجاك، وهو ما جعل العلاقة مع أديس أبابا أكثر أهمية من الحفاظ على التوازن مع القاهرة، خاصة في ظل الحاجة الاقتصادية الملحة.

 

كذلك ساهمت هذه المصالح في إعادة ترتيب أولويات جوبا، حيث أصبحت الاعتبارات الاقتصادية أكثر تأثيرًا من الحسابات السياسية التقليدية، وهو ما انعكس على قراراتها المتعلقة بالوجود العسكري الأجنبي على أراضيها.

 

وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشؤون الأفريقية محمد صالح عمر أن اعتماد جنوب السودان على مسارات نفطية بديلة عبر إثيوبيا جعلها أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات سياسية، بما في ذلك تقليص الوجود المصري، مقابل ضمان استمرار تدفق صادراتها الحيوية.

 

تصاعد المخاوف الأمنية واستخدام القرار داخليًا

 

في سياق موازٍ، جاء قرار إغلاق القاعدة مدفوعًا بمخاوف متزايدة لدى جوبا من التحول إلى ساحة صراع غير مباشر بين أطراف إقليمية، خاصة مع تصاعد التوتر بين السودان وإثيوبيا واستخدام الطائرات المسيرة في النزاعات.

 

كما سعت الحكومة إلى تجنب أي ذريعة قد تؤدي إلى استهداف أراضيها أو إدخالها في حسابات صراعات إقليمية معقدة، وهو ما دفعها إلى تقليص أي وجود عسكري قد يُفسر كجزء من هذا الصراع.

 

إلى جانب ذلك، استُخدم القرار كورقة سياسية داخلية لتعزيز موقع الرئيس سلفا كير في مواجهة خصومه، حيث قدّمه كخطوة سيادية تعكس استقلال القرار الوطني ورفض التدخلات الخارجية.

 

وفي هذا الصدد، قال الباحث في العلاقات الدولية أحمد سلطان إن القرار يخدم هدفين متوازيين، الأول تقليل المخاطر الأمنية الخارجية، والثاني تحسين صورة السلطة داخليًا في ظل أزمات اقتصادية متفاقمة وضغوط سياسية مستمرة.

 

في النهاية، يعكس إغلاق نقطة باجاك تحولًا أعمق من مجرد إنهاء وجود عسكري محدود، إذ يكشف عن تراجع نسبي في النفوذ المصري داخل حوض النيل، مقابل صعود أدوار إقليمية جديدة تقودها إثيوبيا.

 

كما يؤكد هذا التطور أن معادلة الصراع على المياه لم تعد تدار فقط عبر القنوات الدبلوماسية، بل أصبحت مرتبطة بتشابكات اقتصادية وأمنية معقدة تعيد تشكيل التحالفات، وتفرض واقعًا جديدًا يحد من قدرة القاهرة على فرض رؤيتها التقليدية في المنطقة.