أدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعديلات جديدة على مسودة اتفاق مقترحة بين واشنطن وطهران، في خطوة تعكس استمرار التعقيدات التي تحيط بالمفاوضات الجارية بين الطرفين، رغم الحديث المتكرر عن قرب التوصل إلى تفاهم. التعديلات، التي كشفت عنها تقارير لصحيفتي نيويورك تايمز وموقع أكسيوس، تضمنت تشديدًا في عدد من البنود الرئيسية التي سبق أن ناقشها مبعوثون أمريكيون مع مسؤولين إيرانيين عبر وسطاء إقليميين، في محاولة لإنهاء الحرب التي اندلعت نهاية فبراير الماضي.
وبحسب ما نقلته نيويورك تايمز عن ثلاثة مسؤولين مطلعين، فإن ترامب أعاد صياغة أجزاء من الاتفاق المقترح قبل إرساله مجددًا إلى طهران لدراسته، في ظل استمرار الخلافات حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني، وآليات إعادة فتح مضيق هرمز، إضافة إلى مسألة الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج. وتأتي هذه التطورات بعد اجتماع استمر نحو ساعتين عقده ترامب مع كبار مساعديه داخل غرفة العمليات في البيت الأبيض، دون أن يسفر عن إعلان رسمي بشأن التوصل إلى اتفاق نهائي.
ورغم تأكيد المسؤولين الأمريكيين أن ترامب لا يزال يسعى لإبرام اتفاق سريع، فإن التعديلات الجديدة تعكس رغبة واضحة في فرض شروط أكثر صرامة، خصوصًا فيما يتعلق بالضمانات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وهو ما يعيد المفاوضات إلى مربع أكثر تعقيدًا بدلًا من تقريب وجهات النظر بين الطرفين.
تشديد الشروط يعيد المفاوضات إلى نقطة التباعد
تشير المعطيات المتاحة إلى أن مسودة مذكرة التفاهم الحالية كانت تقوم على صيغة مؤقتة تتضمن تعهدًا إيرانيًا بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، مقابل تمديد وقف إطلاق النار وبدء مفاوضات تستمر 60 يومًا لمعالجة القضايا الأكثر تعقيدًا، من بينها مصير مخزون اليورانيوم المخصب وآليات تخفيف العقوبات الأمريكية.
غير أن تدخل ترامب لتعديل هذه المسودة أضاف طبقة جديدة من التعقيد، حيث طالب بإدخال تغييرات تتعلق بشكل أساسي بطريقة التعامل مع مخزون اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب، بما في ذلك نقله أو التخلص منه، إضافة إلى تحديد جدول زمني واضح لهذه العملية. كما شملت التعديلات إعادة صياغة بعض البنود المرتبطة بمضيق هرمز، وهو ما يعكس حجم الحساسية التي تحيط بهذا الملف.
وتظهر هذه الخطوة أن الإدارة الأمريكية لا تكتفي بضمانات عامة، بل تسعى إلى فرض ترتيبات تنفيذية دقيقة، وهو ما قد يواجه برفض أو تحفظ من الجانب الإيراني، الذي يعتبر هذه الملفات جزءًا من سيادته الوطنية وأوراق قوته التفاوضية.
وفي هذا السياق، قال ترامب إن إيران يجب أن تلتزم بشكل واضح بعدم امتلاك سلاح نووي، وأن تبادر إلى فتح مضيق هرمز فورًا أمام الملاحة الدولية دون فرض رسوم عبور، مضيفًا أن الولايات المتحدة ستتولى التعامل مع المواد النووية الإيرانية ضمن أي اتفاق نهائي، وهو طرح يثير تساؤلات حول مدى قبول طهران بمثل هذه الصيغة.
مضيق هرمز والملف النووي.. عقدتان رئيسيتان بلا حل
يبقى مضيق هرمز أحد أبرز نقاط الخلاف بين الطرفين، حيث يمثل شريانًا حيويًا لحركة التجارة العالمية، خاصة صادرات النفط. وتشترط واشنطن إعادة فتح المضيق بشكل كامل أمام الملاحة الدولية دون قيود، بينما تتمسك إيران بدور رئيسي في إدارة حركة المرور داخل هذا الممر المائي، بالتنسيق مع سلطنة عمان.
هذا التباين يعكس تضاربًا في الرؤى حول طبيعة السيطرة على المضيق، حيث تنظر إليه الولايات المتحدة باعتباره ممرًا دوليًا يجب أن يكون مفتوحًا بلا شروط، في حين تعتبره إيران جزءًا من نطاقها الجغرافي والسيادي، ما يمنحها حق المشاركة في تنظيم الحركة داخله.
بالتوازي مع ذلك، يظل الملف النووي الإيراني نقطة خلاف أساسية، إذ لم يتم التوصل إلى صيغة نهائية بشأن كيفية التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، أو الضمانات المطلوبة لمنع طهران من تطوير سلاح نووي في المستقبل. وتكشف التعديلات الأمريكية الأخيرة عن محاولة لإحكام السيطرة على هذا الملف، عبر فرض شروط تفصيلية تتجاوز التعهدات العامة.
وفي المقابل، نقلت وسائل إعلام إيرانية عن مصادر رسمية أن المفاوضات لا تزال مستمرة، وأن الاتفاق "قريب لكنه لم يُحسم بعد"، مؤكدة أن القضايا النووية لم يتم الاتفاق عليها بشكل نهائي، وأن أي ترتيبات تخص مضيق هرمز يجب أن تتم بالتنسيق مع سلطنة عمان، وليس بقرارات أحادية.
خلافات حول الأموال المجمدة وضغوط اقتصادية متزايدة
إلى جانب القضايا الأمنية، برز ملف الأصول الإيرانية المجمدة كأحد عناصر الخلاف داخل المفاوضات. فقد تحدثت تقارير إيرانية، نقلًا عن وكالة رويترز، عن إمكانية الإفراج عن جزء من هذه الأموال، بما يصل إلى 12 مليار دولار، ضمن أي اتفاق محتمل، وهو ما نفاه البيت الأبيض بشكل واضح.
وأكد ترامب أن الإفراج عن الأموال الإيرانية "ليس مطروحًا في الوقت الحالي"، ما يعكس تشددًا إضافيًا في الموقف الأمريكي، ويحد من فرص تقديم حوافز اقتصادية قد تدفع إيران إلى تقديم تنازلات في ملفات أخرى.
في الوقت نفسه، تشير التقديرات إلى أن الرد الإيراني على التعديلات الأمريكية قد يستغرق عدة أيام، ما يعني أن المفاوضات ستدخل جولة جديدة من المشاورات قد تمتد إلى نهاية الأسبوع المقبل، دون ضمانات بتحقيق اختراق حقيقي.
وتأتي هذه التطورات في ظل ضغوط اقتصادية وسياسية متزايدة تواجهها إدارة ترامب، خاصة فيما يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز، الذي تسبب إغلاقه خلال الأشهر الماضية في اضطرابات ملحوظة بأسواق الطاقة العالمية، وارتفاع أسعار الوقود، ما انعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الأمريكي والأسواق الدولية.
وفي هذا الإطار، تبدو واشنطن حريصة على تحقيق تقدم سريع في هذا الملف، لكن دون تقديم تنازلات كبيرة، وهو ما يضع المفاوضات في معادلة صعبة بين الحاجة إلى اتفاق سريع والرغبة في فرض شروط أكثر صرامة.
مفاوضات مستمرة دون حسم نهائي
رغم الحديث المتكرر عن قرب التوصل إلى اتفاق، تكشف التطورات الأخيرة أن الفجوة بين واشنطن وطهران لا تزال قائمة، وأن التعديلات التي طلبها ترامب تعكس استمرار الخلافات الجوهرية، بدلًا من تقريب وجهات النظر.
وتشير المعطيات إلى أن المفاوضات الحالية تركز بشكل أساسي على تثبيت وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز، بينما يتم تأجيل القضايا الأكثر تعقيدًا إلى جولات تفاوض لاحقة، وهو ما يعني أن أي اتفاق محتمل سيكون مؤقتًا بطبيعته.
في ضوء ذلك، تبدو فرص التوصل إلى تسوية شاملة محدودة في المدى القريب، خاصة مع تمسك كل طرف بشروطه الأساسية، واستمرار غياب الثقة المتبادلة. كما أن إدخال تعديلات جديدة في هذه المرحلة قد يؤدي إلى إطالة أمد المفاوضات بدلًا من تسريعها.
وبينما تنتظر واشنطن رد طهران على النسخة المعدلة من الاتفاق، تبقى جميع السيناريوهات مفتوحة، من إمكانية التوصل إلى تفاهم جزئي، إلى استمرار حالة الجمود، أو حتى تصعيد جديد في حال فشل المسار التفاوضي بشكل كامل.

