كشفت شكاوى سكان مصر الجديدة عن أزمة جديدة داخل حديقة الميريلاند بعد تداول صور وشهادات عن قطع أشجار وإزالة مساحات خضراء من الحديقة العتيقة، التي تمتد على مساحة تقارب 22 فدانا، وسط اتهامات محلية بأن أعمال التطوير تتحول إلى اعتداء على ذاكرة الحي وهوائه ومساحاته العامة.
وتأتي الأزمة في وقت تتحدث فيه الحكومة عن توثيق الأشجار النادرة وحماية التراث العمراني، بينما يرى السكان أن ما يحدث حول سور الميريلاند وفي الشوارع المحيطة يكشف فجوة واضحة بين خطاب الحفاظ على البيئة وممارسات يومية تقلص الظل وتفتح المجال أمام الكافيهات والجراجات والضوضاء.
غضب السكان من قطع الأشجار داخل حديقة الميريلاند
بدأت الأزمة عندما نشرت إحدى ساكنات المنطقة شهادتها على مجموعات مصر الجديدة، وقالت إنها فوجئت بقطع أشجار ملاصقة لسور الحديقة، ثم خرجت إلى الشارع وسألت العمال عن سبب الإزالة، فأخبروها، بحسب روايتها، بأنهم تابعون للحي وأن الشجرة كانت تشهد تجمعات شبابية حولها.
وبعد انتشار الشهادة، تداول سكان آخرون صورا تظهر آثار أعمال داخل محيط الحديقة، واعتبروا أن ما يجري لا يرتبط بتقليم عادي، بل يمس أشجارا قديمة شكلت جزءا من شخصية مصر الجديدة، التي عرفت لعقود بتخطيطها الهادئ وشوارعها الواسعة ومساحاتها الخضراء.
كما ربط الأهالي بين أزمة الميريلاند وما شهدته شوارع مجاورة من إزالة أشجار وحدائق خلال السنوات الماضية، خاصة في شارع السباق وشارع شهاب الدين خفاجة ومحيط نهرو وسور الحديقة، مؤكدين أن كل واقعة جديدة تزيد شعورهم بأن الحي يفقد ملامحه التاريخية بالتدريج.
وتحمل هذه الشكاوى بعدا يوميا لا يخص التراث وحده، لأن الأشجار في حي كثيف الحركة لا تمثل زينة يمكن الاستغناء عنها، بل تخفف الحرارة وتحد من التلوث وتوفر ممرا آمنا ومريحا للمشاة، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة واتساع الكتل الخرسانية داخل القاهرة.
ومن هنا، تعامل السكان مع قطع الأشجار باعتباره تعديا على حقهم في بيئة صحية، لا مجرد خلاف حول مشروع تطوير، لأن الحديقة التي أنشئت عام 1949 ارتبطت بذاكرة أجيال من سكان مصر الجديدة، وأصبحت واحدة من آخر المساحات التي تذكرهم بصورة الحي القديمة.
رواية الحكومة لا تنهي الشكوك حول التطوير
في المقابل، نفت وزارة البيئة قطع الأشجار المعمرة داخل حديقة الميريلاند، وقالت إن ما جرى خلال فترات التطوير يدخل في إطار أعمال تقليم وتهذيب، كما أعلنت إرسال لجان تفتيشية لمعاينة الحديقة والتوجيه بعدم تنفيذ أي أعمال قص أو تقليم إلا بعد التنسيق مع الجهات المختصة.
لكن النفي الرسمي لم ينه غضب السكان، لأن الصور المتداولة والشهادات المحلية صنعت حالة شك واسعة في رواية الحكومة، خصوصا أن السكان يقولون إنهم تقدموا ببلاغات إلى الحي والجهات المعنية، كما تواصل بعضهم مع النجدة بعد ملاحظة إزالة أشجار قديمة قرب السور.
وتزيد أزمة الثقة لأن مصطلح التطوير صار يرتبط في نظر كثير من الأهالي بإزالة الظل وإدخال أنشطة تجارية جديدة، بينما تؤكد الحكومة أن التدخلات تستهدف التهذيب والتنظيم، وهنا يظهر السؤال الأهم عن الجهة التي تملك تحديد الفرق بين التقليم الفني والقطع الضار.
كما يرى السكان أن المشكلة لا تتوقف عند الأشجار نفسها، بل تمتد إلى ما يأتي بعدها، حيث تحل الكافيهات والجراجات والضوضاء محل المساحات الهادئة، ويتغير استخدام المكان من حديقة عامة مفتوحة إلى منطقة تجارية تفرض ضغطا إضافيا على الشوارع والسكان.
وعلى الرغم من إعلان وزارة البيئة وقف أي أعمال تقليم من دون تنسيق مسبق، يبقى غياب نشر تقرير معاينة واضح مشكلة قائمة، لأن الأهالي يحتاجون معرفة عدد الأشجار التي جرى التعامل معها، وحالتها الصحية، وسبب التدخل، ومن أصدر القرار، وهل ستتم زراعة بدائل حقيقية في الموقع نفسه.
الميريلاند بين التراث الأخضر ومشروعات التوثيق
وتكشف أزمة الميريلاند تناقضا واضحا مع توجه رسمي آخر أعلنه الجهاز القومي للتنسيق الحضاري عبر مشروع توثيق الأشجار النادرة والتاريخية، إذ جرى الإعلان عن توثيق 1043 شجرة ضمن أول أرشيف وطني للأشجار، بما يشمل حدائق ومواقع تاريخية في القاهرة ومحافظات أخرى.
وبحسب بيانات منشورة عن المشروع، شمل التوثيق 43 شجرة نادرة في حديقة الأسماك، و28 شجرة في حديقة الأزبكية، و99 شجرة في كلية الزراعة بجامعة القاهرة، و62 شجرة في حديقة فريال، و102 شجرة في قصر محمد علي بشبرا، إلى جانب 575 شجرة في حديقة النباتات بأسوان.
غير أن قيمة هذا التوثيق ستبقى محدودة إذا لم يتحول إلى حماية فعلية داخل الشوارع والحدائق، لأن تسجيل الأشجار على الورق لا يمنع المعدات من الاقتراب منها، ولا يمنح السكان حقا واضحا في معرفة قرارات الإزالة أو الاعتراض عليها قبل تنفيذها.
وتحتاج مصر الجديدة تحديدا إلى معاملة مختلفة، لأنها ليست مجرد حي سكني حديث، بل منطقة ذات هوية عمرانية وتاريخية ارتبطت باسم البارون إمبان وبطابع تخطيطي خاص، لذلك فإن فقدان الأشجار القديمة لا يعني نقصا في الظل فقط، بل يعني محوا تدريجيا لطبيعة المكان.
وفي ضوء ذلك، تبدو مطالبة السكان بسيطة ومباشرة، فهم لا يرفضون الصيانة أو التهذيب أو التطوير المنضبط، لكنهم يرفضون أن يجري كل ذلك من دون شفافية أو خرائط معلنة أو رقابة بيئية مستقلة أو التزام بزراعة بدائل مماثلة تحافظ على شكل الحي وصحته.
وتبقى خلاصة الأزمة أن حديقة الميريلاند تحولت إلى اختبار حقيقي لجدية الحكومة في حماية التراث الأخضر، فإما أن تنشر الجهات المعنية تفاصيل ما جرى وتضمن وقف أي إزالة غير مبررة، وإما أن يبقى الحديث عن التوثيق والحفاظ على الأشجار خطابا رسميا لا يحمي شجرة واحدة من المنشار.

