كشف وزير الموارد المائية والري هاني سويلم، أن مصر تواجه عجزًا مائيًا سنويًا بنحو 23 مليار متر مكعب، بعدما بلغت الاحتياجات 88 مليار متر مكعب مقابل موارد تقارب 65 مليارًا، منها 55.5 مليار متر مكعب من نهر النيل وفق اتفاقية 1959.

 

وتحوّلت جملة الوزير بأن «السيسي بيتحاسب على المياه بالمتر المكعب زينا» إلى تلخيص ساخر لخطاب رسمي يطلب من المصريين الاطمئنان، بينما يفرض على الفلاحين قيودًا على زراعة الأرز، ويعيد استخدام مياه الصرف الزراعي، ويدير الندرة كأنها قدر لا نتيجة سياسات وأولويات.

 

رئيس يتحاسب بالمتر وشعب يتحاسب بالمحصول

 

بدأ سويلم دفاعه عن سياسات الترشيد من بوابة نفي الهدر، فقال إن «مفيش مياه في مصر بتهدر»، ثم قدّم الرئيس باعتباره مواطنًا آخر يدفع بالمتر المكعب، وكأن مساواة الفاتورة تكفي لطمأنة بلد يعيش تحت خط الفقر المائي ويعيد تدوير 23 مليار متر سنويًا.

 

لكن الأزمة لا تقاس بفارق فاتورة مياه بين قصر وبيت، بل بسؤال من يقرر توزيع المورد النادر، ومن يدفع تكلفة القرارات، فالفلاح لا يملك رفاهية الخطاب التلفزيوني حين تمنعه الدولة من زراعة محصول، أو تلاحقه غرامات، أو تقلص اختياراته باسم الترشيد.

 

ثم إن حديث الوزير عن عدم وجود هدر يتجاهل أن العجز نفسه صار جزءًا من حياة المصريين، فالموارد تقف عند نحو 65 مليار متر مكعب، والاحتياج يصل إلى 88 مليارًا، والفجوة لا تسدها النكات السياسية عن عداد المياه مهما حاول الخطاب الرسمي تليينها.

 

ويخدم رأي الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الري الأسبق، هذا المحور لأنه حذر مرارًا من التعامل مع الملفات المائية بمنطق المشروعات الضخمة أو الحلول الاستعراضية، مؤكدا في سياقات حديثة أن المشروعات غير المدروسة قد تضر التربة والمياه الجوفية بدل إنقاذ الأزمة.

 

الأرز يدفع فاتورة الندرة قبل أصحاب القرار

 

في الحقول، تظهر كلفة الأزمة بصورة أوضح من الشاشات، إذ فرضت الدولة قيودًا على زراعة المحاصيل الشرهة للمياه وفي مقدمتها الأرز، وحددت مساحاته باعتبارها جزءًا من سياسة الحفاظ على الموارد المحدودة، بينما يتحمل الفلاح مباشرة أثر القرارات على دخله ودورة أرضه.

 

ومع ذلك، لا يمثل الأرز مجرد محصول يستهلك المياه كما تكرر الحكومة، لأنه في دلتا مصر يرتبط بتربة ملحية ومناطق ساحلية تحتاج إلى الغمر لتخفيف أثر الأملاح، ولذلك فإن تقليصه بلا بدائل عادلة يضغط على الفلاح والأمن الغذائي والتربة في الوقت نفسه.

 

وفي هذا السياق، يخدم رأي الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الأراضي والمياه بجامعة القاهرة، محور السياسة الزراعية لأنه انتقد سابقًا التعامل الضيق مع المحاصيل، واعتبر أن الأرز محصول عالي الإنتاجية والقيمة، وأن تقليصه في بعض المواسم قد يضغط على الأمن الغذائي والعملات الأجنبية.

 

لذلك تبدو السخرية من جملة «السيسي بيتحاسب بالمتر» مشروعة سياسيًا، لأن السيسي لا يتحمل نتيجة منع محصول أو خسارة موسم أو غرامة مخالفة كما يتحملها الفلاح، ولا يقف أمام تاجر مدخلات الإنتاج أو سوق متقلب ليبرر له أن الدولة تعيد تدوير المياه.

 

الصرف الزراعي يصبح سياسة بقاء لا إنجازًا كاملًا

 

دافع سويلم عن الري بالغمر في الدلتا عبر الإشارة إلى الصرف المغطى وشبكات المواسير تحت الأراضي، موضحًا أن المياه الزائدة تتجمع في منظومة معقدة ثم تنقل شرقا وغربا، وكأن الدولة لا تهدر قطرة، بل تعيد كل ما يمكن جمعه إلى دورة الاستخدام.

 

غير أن هذا الدفاع يكشف حجم الأزمة بقدر ما ينفي الهدر، فالدولة لا تعيد استخدام مياه الصرف الزراعي كترف تقني، بل لأنها لا تملك ما يكفي من المياه العذبة، ولذلك يصبح الصرف المعالج شاهدا على الندرة لا دليلًا وحده على حسن الإدارة.

 

كما ذكر الوزير أن المياه تتجه إلى محطة بحر البقر بطاقة 5.6 مليون متر مكعب يوميًا، وإلى محطة المحسمة بطاقة تقارب مليون متر مكعب يوميًا، وأنها تمر أسفل قناة السويس، وهي أرقام ضخمة لكنها لا تلغي سؤال الأولويات في دولة توسع الزراعة الصحراوية.

 

ويخدم رأي الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، هذا المحور لأنه أوضح أن مياه الصرف الزراعي المعالجة هي في الأصل مياه نيل استخدمت في ري أراضي الدلتا ثم يعاد تدويرها، أي أن الحكومة تدير المورد نفسه أكثر من مرة.

 

مشروعات التوسع تسبق المصارحة بكلفة المياه

 

في الخلفية، افتتح السيسي مشروع الدلتا الجديدة على مساحة 2.2 مليون فدان، وتحدث عن نقل مياه الصرف الزراعي بعد معالجتها عبر مسارين بطول 150 كيلومترًا لكل مسار، وهو ما يكشف أن التوسع الزراعي الجديد يقوم على عصر كل قطرة من الدلتا القديمة.

 

وبينما تقدم الدولة المشروع باعتباره أمنًا غذائيًا وفرص عمل، يظل السؤال قائمًا عن كلفة نقل المياه ومعالجتها وضخها، وعن أولوية إنفاق مليارات على تمدد صحراوي جديد في بلد يقول وزيره إن احتياجاته المائية تتجاوز موارده بنحو 23 مليار متر مكعب سنويًا.

 

كذلك لا يستطيع الخطاب الرسمي أن يجمع بين طمأنة المصريين بعدم وجود هدر وبين تحميلهم تبعات العجز، فإذا كان كل شيء محكومًا بالمتر، فلماذا لا تنشر الحكومة حسابًا واضحًا لمياه المدن الجديدة والمشروعات الكبرى والزراعات التصديرية، لا حساب الفلاح وحده في الدلتا.

 

وفي النهاية، ليست المشكلة أن يدفع السيسي فاتورة مياه كغيره، بل أن يحكم نظامه بلدًا فقيرًا مائيًا ثم يقدّم العدّاد باعتباره دليل عدالة، بينما يعيش المصريون بين تقليص زراعات، وإعادة تدوير صرف، وغلاء غذاء، ومشروعات كبرى لا يسأل أصحابها عن كل متر مكعب.