مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تتفاقم معاناة المواطنين بصورة حادة، بعدما دفع الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي وانهيار الخدمات الأساسية أزمة المياه إلى واجهة الحياة اليومية. ولم يعد الحصول على مياه الشرب خدمة طبيعية داخل الأحياء، بل أصبح عبئًا يوميًا يستنزف الأسر السودانية ماديًا وجسديًا، في ظل طوابير طويلة وأسعار مرتفعة ومخاوف صحية متزايدة.
وتكشف مشاهد العاصمة الخرطوم وأطرافها حجم التحول الذي فرضته الحرب على تفاصيل الحياة، حيث يقضي السكان ساعات طويلة بحثًا عن براميل مياه تكفي احتياجات المنازل والأسواق والمطاعم الصغيرة. ومع تعطل محطات المياه بسبب الكهرباء، أصبحت عربات الكارو وسيلة رئيسية لنقل المياه، بينما يعيش المواطنون تحت ضغط العطش والغلاء وتراجع جودة المياه المتاحة.
طوابير المياه تعيد تشكيل يوم السودانيين
منذ اندلاع الحرب، فقدت مياه الشرب صفتها كخدمة أساسية مستقرة، وتحولت إلى أزمة معيشية ضاغطة على السكان. ففي عدد من الأحياء الطرفية بالعاصمة الخرطوم، يصطف المواطنون لساعات أمام نقاط المياه، في محاولة للحصول على كميات محدودة تكفي الشرب والطهي والتنظيف، وسط أوضاع اقتصادية لا تسمح بتحمل كلفة يومية متصاعدة.
وتظهر الأزمة بوضوح في حركة النساء والأطفال الذين يحملون الأواني لمسافات طويلة، وفي اعتماد الأسر على باعة المياه الذين يستخدمون عربات الكارو لنقل البراميل إلى المنازل. هذا المشهد لم يعد استثنائيًا، بل صار جزءًا من حياة يومية فرضتها الحرب، بعدما تعطلت شبكات الإمداد وتراجعت قدرة الدولة على توفير الخدمات.
ويقول الطيب بلال، وهو صاحب عربة كارو لنقل المياه، إن الانقطاع المستمر للكهرباء تسبب في تعطل محطات المياه في مناطق كثيرة، ما زاد الضغط على نقاط التعبئة المحدودة. ويضيف أنه ينتظر أحيانًا أكثر من عشر ساعات للحصول على برميل مياه يشتريه بنحو 5000 جنيه سوداني، قبل أن يبيعه بنحو 20000 جنيه لتغطية تكاليف النقل والمجهود.
وتوضح شهادة الطيب أن سوق المياه لم يظهر بوصفه نشاطًا تجاريًا عاديًا، بل بوصفه نتيجة مباشرة لانهيار خدمة أساسية. فالبائع نفسه يعاني الانتظار والضغط، بينما يتحمل المواطن النهائي السعر الأعلى، في معادلة قاسية تجعل الماء سلعة يومية مكلفة لا يستطيع كثيرون الاستغناء عنها أو الحصول عليها بسهولة.
الغلاء والتلوث يضاعفان معاناة الأسر وأصحاب الأعمال
أما المواطنة زينب التوم، فتصف الأزمة بأنها قاسية ومستمرة، مؤكدة أن الأسر اضطرت منذ أكثر من عام إلى شراء المياه بشكل يومي رغم تدهور الأوضاع المعيشية. وتشير إلى أن بعض المياه التي تصل إلى السكان تكون ملوثة أو غير صالحة للاستخدام الكامل، لكن غياب البدائل يدفع المواطنين إلى استخدامها رغم المخاطر الصحية.
وتزداد خطورة الأزمة عندما ترتبط المياه غير النظيفة بمخاوف انتشار الأمراض، خصوصًا في مناطق تعاني أصلًا من ضعف الخدمات الصحية وصعوبة الوصول إلى العلاج. فالعطش لا يمثل المشكلة الوحيدة، بل تمتد الأزمة إلى سلامة الغذاء والنظافة العامة وحماية الأطفال وكبار السن من الأمراض المرتبطة بالتلوث.
وتقول مكة عبد الله، وهي بائعة شاي، إن انقطاع الكهرباء زاد الأعباء على أصحاب الأعمال الصغيرة، لأنها تضطر يوميًا إلى شراء عبوتي مياه سعة 24 رطلًا، إضافة إلى الفحم وبقية المستلزمات. وتؤكد أن هذه المصاريف تستهلك معظم دخلها المحدود، لذلك تناشد السلطات إعادة خدمات الكهرباء والمياه بصورة عاجلة.
وفي السياق نفسه، تقول فاطمة حسن، صاحبة مطعم، إن ارتفاع أسعار المياه والثلج أثر مباشرة على عملها، لأن معظم الإيرادات تذهب لتغطية تكاليف التشغيل من دون تحقيق أرباح حقيقية. وتوضح أنها تعمل لإعالة أسرتها في ظروف صعبة، بينما يعاني زوجها من المرض والشلل النصفي، ويواصل أطفالها الخمسة دراستهم وسط مصروفات متزايدة.
وتعكس شهادة فاطمة كيف تحولت أزمة المياه إلى عبء اجتماعي واسع، لا يقتصر على الشرب والاستخدام المنزلي، بل يضرب مصادر الدخل الصغيرة التي تعتمد عليها أسر كثيرة. فكل ارتفاع في سعر المياه أو الثلج يضغط على أصحاب المطاعم وبائعات الشاي والباعة الصغار، ويقلص هامش قدرتهم على البقاء.
السلطات تتحدث عن حلول عاجلة والسكان ينتظرون انفراجًا فعليًا
ويرى محمد النور، وهو جزار، أن أزمة المياه أصبحت من أخطر الأزمات التي تواجه المواطنين، لأنها تمس الحياة اليومية والأنشطة المهنية في وقت واحد. ويطالب الجهات المعنية بالتحرك العاجل لإيجاد حلول جذرية ومستدامة، تضمن وصول المياه بصورة منتظمة إلى الأحياء السكنية والأسواق.
كما يشير المواطن عباس محجوب إلى أن نحو 60000 نسمة في مناطق شرق النيل والوادي الأخضر، شرقي الخرطوم، لا يزالون يعانون من أزمة عطش حادة. ويقول إن ضعف الاستجابة الرسمية دفع بعض المناطق إلى الاعتماد على الجهود الذاتية لصيانة آبار المياه الجوفية، في محاولة لتخفيف حدة الأزمة.
ومن جانبها، أرجعت الجهات المختصة تفاقم الأزمة إلى الانقطاعات المتكررة للكهرباء وتذبذب التيار المغذي لمحطات المياه، إضافة إلى تراجع إنتاج الكهرباء وارتفاع معدلات الاستهلاك خلال فصل الصيف. وتكشف هذه الأسباب أن أزمة المياه ترتبط مباشرة بانهيار البنية الخدمية، ولا يمكن فصلها عن الأزمة العامة التي أنتجتها الحرب.
وأوضح المتحدث الرسمي باسم حكومة ولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، أن السلطات لجأت إلى تشغيل بعض محطات المياه عبر مولدات تعمل بالجازولين لضمان استمرار الإمداد المائي. وأشار إلى أن محطة مياه المنارة في مدينة أم درمان تحتاج وحدها إلى نحو 80 برميلًا من الجازولين يوميًا حتى تعمل بصورة طبيعية.
وأكد سعد الدين أن السلطات نفذت تدخلات عاجلة خلال الأيام الماضية لمعالجة أزمة المياه في محلية أم بدة غربي الخرطوم، وشملت هذه التدخلات حفر 10 آبار عالية الإنتاجية لتغطية مناطق أم بدة السبيل ودار السلام. كما توقع حدوث انفراج تدريجي مع اكتمال التشغيل الكامل لمحطة مياه المنارة.
ومع ذلك، يبقى المواطنون في انتظار نتائج ملموسة لهذه الوعود، لأن الأزمة اليومية لا تقاس بالتصريحات الرسمية وحدها، بل بوصول المياه إلى المنازل بأسعار محتملة وجودة آمنة وانتظام مستمر. وفي بلد أنهكته الحرب، أصبحت معركة الحصول على الماء جزءًا من صراع أوسع من أجل البقاء، وسط خوف ونزوح وغلاء وانهيار متواصل للخدمات.

