حذّر النائب أحمد ناصر عضو مجلس النواب المصري من تسرب نحو 60% من المخلفات الإلكترونية والبطاريات خارج المنظومة الرسمية، ووجّه سؤالًا برلمانيًا إلى وزراء التنمية المحلية والبيئة والصناعة والعمل، لمساءلة الحكومة عن كفاءة التجميع والتدوير، بينما لا تتعامل القنوات الرسمية إلا مع 40% فقط من هذه المخلفات.

 

تضع هذه الأرقام الحكومة أمام مسؤولية صحية وبيئية مباشرة، لأن الهواتف والشاشات والأجهزة المنزلية القديمة لا تتحول إلى خردة عادية بعد خروجها من الخدمة، بل تتحول إلى مصدر للرصاص والزئبق والكادميوم، ثم يدفع المواطن الثمن من هوائه ومياهه وتربته وصحته.

 

سوق الظل يبتلع النفايات الإلكترونية ويهزم القانون

 

جاء السؤال البرلماني بعد توسع يومي في استخدام الأجهزة الذكية والكهربائية، وهو توسع يرفع حجم المخلفات الإلكترونية داخل البيوت والمحال والمخازن، بينما تفشل الحكومة في بناء مسار آمن يبدأ من الجمع المنظم وينتهي داخل مصانع مرخصة تلتزم بمعايير السلامة البيئية.

 

كما كشف النائب أحمد ناصر أن القطاع يستعد لإنشاء نحو 10 مصانع جديدة باستثمارات تتجاوز 400 مليون جنيه، إلى جانب وجود نحو 38 مصنعًا قائمًا بطاقة إنتاجية تصل إلى 90 ألف طن سنويًا، لكن هذه الطاقة تصبح معطلة حين تستحوذ القنوات غير الرسمية على النسبة الأكبر.

 

في هذا المحور، يخدم رأي المهندس حسام محرم قراءة الخطر من زاوية بيئية مباشرة، إذ وصف المخلفات الإلكترونية بأنها نوع من المخلفات الخطرة المرتبطة بالمنتجات الإلكترونية، وأكد أن المعادن الثقيلة داخلها تجعل التعامل البدائي معها تهديدًا لا يخص العاملين في الخردة وحدهم.

 

لذلك لا تبدو أزمة المخلفات الإلكترونية أزمة وعي فقط، لأن الحكومة تملك قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020، وتملك جهازًا مختصًا بالإدارة، لكنها تترك الفجوة بين النص والتنفيذ واسعة بما يكفي لمرور 60% من النفايات إلى خارج الرقابة.

 

سموم المخلفات الإلكترونية تهدد الصحة والمياه والتربة

 

بناء على ذلك، تتحول خطورة المخلفات الإلكترونية من ملف صناعي إلى ملف صحة عامة، لأن الحرق العشوائي أو التفكيك اليدوي أو التخلص غير الآمن يطلق مواد سامة في الهواء، كما يسمح بتسرب مركبات كيميائية إلى التربة والمياه الجوفية في مناطق سكنية وزراعية.

 

وتشير التحذيرات البيئية إلى أن الرصاص والزئبق والكادميوم داخل الأجهزة القديمة يمكن أن تصيب الجهاز العصبي والتنفسي وتزيد مخاطر أمراض مزمنة، وهو ما يجعل كل شاشة مكسورة وبطارية مهملة وهاتف قديم جزءًا من تهديد يتراكم داخل المجتمع بصمت.

 

في هذا الجزء، يدعم الدكتور مجدي علام محور الصحة والبيئة، لأنه يعرّف النفايات الإلكترونية باعتبارها أجهزة كهربائية وإلكترونية فقدت صلاحيتها وتحتاج إلى التخلص الآمن، ويؤكد أن سوء التعامل معها يسمح بتسرب السموم إلى التربة والمياه الجوفية ويهدد صحة الإنسان.

 

ومن ثم يصبح تقصير الحكومة أكثر وضوحًا، لأن الخطر معروف والمواد السامة معروفة ومسارات التسرب معروفة، ومع ذلك لا تزال منظومة التجميع ضعيفة داخل المحافظات، ولا تزال آليات التتبع قاصرة، ولا يزال المواطن يسلّم جهازه القديم لمن يدفع أكثر لا لمن يعالج بأمان.

 

فرصة صناعية مهدرة باسم الاقتصاد الأخضر

 

على الجانب الاقتصادي، تحتوي المخلفات الإلكترونية على معادن ثمينة يمكن استردادها وإعادة استخدامها في الصناعة، بما يقلل استيراد بعض المواد الخام ويدعم التصنيع المحلي، لكن غياب منظومة تجميع فعالة يحول القيمة الاقتصادية إلى مكسب سريع لسوق غير مرخصة وخسارة طويلة للقطاع الرسمي.

 

وفي المقابل، يتحدث الخطاب الحكومي عن الاقتصاد الأخضر والصناعة الدائرية، بينما تكشف الأرقام أن المصانع المرخصة لا تحصل على ما يكفي من المخلفات لتشغيل طاقتها، وهذا التناقض يضرب جدوى الاستثمارات الجديدة قبل أن تبدأ ، كما يضع 400 مليون جنيه تحت تهديد سوء الإدارة.

 

هنا يخدم رأي الدكتورة ليلى إسكندر محور دمج القطاع غير الرسمي، لأنها ربطت في تجارب تدوير المخلفات بين المسؤولية الممتدة للمنتج والشراكة مع القطاع غير الرسمي، وهي زاوية تكشف أن الحل لا يقوم على المطاردة وحدها بل على التقنين والحوافز والتتبع.

 

وبذلك يصبح سؤال النائب عن المسؤولية الممتدة للمنتج سؤالًا جوهريًا، لأن المنتجين والمستوردين يجب أن يتحملوا جزءًا من تكلفة جمع الأجهزة بعد انتهاء عمرها، ولا يجوز أن تترك الدولة العبء على المواطن أو العامل الفقير في الخردة أو المصنع المرخص الذي يبحث عن مدخلات.

 

كذلك تحتاج الحكومة إلى إعلان أرقام دقيقة عن حجم المخلفات الإلكترونية سنويًا، لأن غياب الرقم الرسمي المستقر يسمح بتبادل المسؤولية بين الوزارات، ويجعل التخطيط الصناعي والبيئي قائمًا على تقديرات متفرقة، بينما يحتاج القطاع إلى قاعدة بيانات وطنية تربط المنتج والموزع والمستهلك والمصنع.

 

أما البرلمان، فيملك فرصة لتحويل السؤال إلى مساءلة حقيقية داخل لجنة الطاقة والبيئة، شرط أن يطلب من الحكومة جدولًا زمنيًا واضحًا لتطبيق التتبع، وتوسيع نقاط التجميع بالمحافظات، وربط الحوافز بالمصانع المرخصة، وإدخال البطاريات ضمن رقابة مشددة لا تسمح بالحرق أو التفكيك العشوائي.

 

وفي الخلاصة، تكشف المخلفات الإلكترونية في مصر حكومة ترفع شعار الاقتصاد الأخضر وتترك السموم تتحرك في سوق الخردة، وتعلن قوانين وتنشئ أجهزة ثم تعجز عن منع 60% من النفايات من الهروب، ولذلك يتحول الملف من فرصة صناعية إلى اتهام مباشر بالفشل الرقابي.