أعلنت وزارة الصحة والسكان موافقة الوزير خالد عبد الغفار على إتاحة أول ولادة طبيعية لكل سيدة مجانًا داخل مستشفيات القطاع العلاجي التابعة للوزارة بجميع المحافظات، في قرار جاء بعد وصول معدلات الولادة القيصرية في مصر إلى مستويات صادمة تهدد صحة الأمهات والمواليد.

 

يكشف القرار أن الحكومة تحاول علاج نتيجة تركتها تكبر لسنوات داخل سوق طبي غلبت عليه الفوضى وضعف الرقابة، لأن مجانية أول ولادة طبيعية لن تكفي وحدها إذا بقيت المستشفيات الخاصة تدفع النساء نحو القيصرية، وبقي الألم بلا تسكين، وبقيت التوعية غائبة عن ملايين الأسر.

 

قرار مجاني بعد انفجار القيصرية لا يلغي مسؤولية الدولة

 

بعد إعلان القرار، قدمت وزارة الصحة الخطوة باعتبارها دعمًا لصحة الأم والطفل وتخفيفًا للأعباء المالية على الأسر، لكن توقيت القرار يفضح عمق الأزمة، لأن الدولة لم تتحرك بهذا الوضوح إلا بعد أن أصبحت الولادة القيصرية في مصر أعلى بكثير من الحدود الطبية المقبولة عالميًا.

 

في المقابل، تشير بيانات صحية منشورة إلى أن نسبة الولادات القيصرية في مصر بلغت نحو 72% في 2021، بينما تعتبر منظمة الصحة العالمية أن المعدل المقبول تاريخيًا يدور بين 10% و15%، وهذه الفجوة تكشف خللًا طبيًا ورقابيًا لا يعالجه قرار محدود.

 

لذلك، لا تبدو مجانية أول ولادة طبيعية كافية إذا اقتصرت على مستشفيات القطاع العلاجي، لأن جزءًا واسعًا من الولادات يجري في القطاع الخاص، وهو القطاع الذي يملك تأثيرًا مباشرًا على قرار الأسرة والطبيب والتكلفة، بينما تبقى أدوات الدولة الرقابية أضعف من اتساع السوق.

 

وهنا تخدم د. دينا عرابي هذا المحور بوضوح، لأنها شاركت في دراسة مدعومة من صندوق الأمم المتحدة للسكان حول أسباب ارتفاع الولادة القيصرية في مصر، وربطت الظاهرة بتداخل المتابعة قبل الولادة والثقافة الطبية وسلوك مقدمي الخدمة، لا باختيار فردي بسيط.

 

بناء على ذلك، يصبح القرار اعترافًا رسميًا بفشل مسار طويل في إدارة صحة الأم، لأن الدولة التي تركت القيصرية تتمدد حتى تصدرت مصر المؤشرات العالمية لا تستطيع اليوم تقديم المجانية كإنجاز منفصل، بل يجب أن تقدم كشف حساب عن سنوات الإهمال والرقابة الناقصة.

 

الخوف من الألم والبيزنس الطبي يدفعان النساء إلى غرفة العمليات

 

ثم يظهر الخوف من الألم كسبب حاضر في قرار كثير من النساء، إذ تشير شهادات أطباء نساء وتوليد إلى أن ضعف الوعي بوسائل تسكين الألم الحديثة يدفع سيدات إلى تفضيل القيصرية، رغم أن الولادة الطبيعية قد تكون الخيار الأكثر أمانًا في الحالات غير المعقدة.

 

وعلى هذا الأساس، لا يمكن تحميل المرأة وحدها مسؤولية قرار القيصرية، لأن النظام الصحي لم يوفر لها شرحًا كافيًا ولا تجربة ولادة طبيعية تحفظ الكرامة والخصوصية وتخفف الألم، ثم يعاقبها اجتماعيًا وطبيًا عندما تختار الجراحة خوفًا من معاناة لا تجد من يطمئنها.

 

كذلك، لا يغيب العامل الاقتصادي داخل بعض المنشآت الخاصة، لأن القيصرية إجراء أسرع وأعلى تكلفة وأسهل في الجدولة من وجهة نظر بعض المؤسسات، ولذلك يصبح قرار الولادة أحيانًا مرتبطًا بمصلحة المنشأة أو راحة الطاقم أكثر من ارتباطه بالحالة الطبية الحقيقية للأم.

 

وفي هذا السياق، تخدم د. منى مينا هذا المحور باعتبارها طبيبة ونقابية مستقلة دافعت طويلًا عن حق المرضى والأطباء في منظومة صحية عادلة، لأن جوهر الأزمة هنا هو حق المرأة في قرار طبي آمن لا تتحكم فيه الفاتورة ولا ضغط المستشفى.

 

من ثم، يصبح ضبط القطاع الخاص شرطًا أساسيًا لأي تغيير حقيقي، لأن تشجيع الولادة الطبيعية في المستشفيات الحكومية لن يوقف القيصرية غير المبررة إذا بقيت المنشآت الخاصة بلا إلزام فعلي بتوثيق أسباب الجراحة، وبلا مراجعة شهرية جادة، وبلا عقوبة معلنة على المخالفين.

 

التوعية وحدها لا تكفي دون رقابة وتسكين ألم ومحاسبة

 

في المرحلة التالية، تؤكد المبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن المعايير الحكومية الجديدة لتقليل القيصرية خطوة إيجابية لكنها غير كافية في غياب منظور شامل، وطالبت بتحسين متابعة الحمل والولادة في القطاعين العام والخاص والأهلي، مع إشراك كليات الطب ونقابة الأطباء والمجتمع المدني.

 

إضافة إلى ذلك، شددت المبادرة على ضرورة تقديم تثقيف طبي متوازن للحوامل عن الولادة الطبيعية والقيصرية، مع ضمان حقوق النساء وكرامتهن وخصوصيتهن وتوفير وسائل تخفيف الألم، وهو طرح يضع التوعية داخل منظومة خدمة محترمة لا داخل منشور رسمي قصير قبل الولادة.

 

ومن هذه الزاوية، يخدم حسام بهجت هذا المحور بصفته مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، لأن موقف المؤسسة التي يقودها يربط خفض القيصرية بحقوق المريضات وجودة الخدمة والشفافية، لا بمجرد خفض رقم في جدول حكومي أو نقل التكلفة من بند إلى آخر.

 

بالتوازي، تحتاج وزارة الصحة إلى بروتوكولات واضحة لتسكين الألم في الولادة الطبيعية، وإلى تدريب الفرق الطبية على المتابعة الآمنة، وإلى تطبيق تصنيف روبسون ورسم البارتوجرام داخل كل منشأة، لأن الطبيب لا يستطيع تقليل القيصرية إذا كان النظام نفسه يدفعه إلى التدخل الجراحي السريع.

 

لذلك، يجب أن تتحول مجانية أول ولادة طبيعية إلى بداية مساءلة لا نهاية حملة دعائية، لأن المرأة تحتاج حقًا مضمونًا في خدمة آمنة، والطبيب يحتاج حماية مهنية عادلة، والمستشفى يحتاج رقابة لا تقبل التلاعب، والمجتمع يحتاج معلومات تكسر الخوف لا بيانات تلمع القرار.

 

ختامًا، يكشف قرار خالد عبد الغفار أن حكومة السيسي وصلت متأخرة إلى ملف تركته يتضخم حتى أصبحت القيصرية تجارة وخوفًا وثقافة طبية مشوهة، وحين تعلن الدولة مجانية أول ولادة طبيعية دون إصلاح رقابة القطاع الخاص وتسكين الألم والتوعية الجادة، فإنها تعالج العنوان وتترك المرض قائمًا.