قال شادي العدل رئيس الحزب الليبرالي المصري، إن انفعال وزير الصحة خالد عبد الغفار على مجموعة من أعضاء مجلس النواب داخل مكتبه أثناء تدخلهم لإنهاء خدمات مواطنين يمثل إهانة غير مسبوقة للسلطة التشريعية، وطالب باستجواب عاجل قد ينتهي بسحب الثقة من الوزير.
تكشف الواقعة أن حكومة السيسي لا تتعامل مع البرلمان بوصفه سلطة رقابية تمثل المواطنين، بل كجهة يمكن توبيخ أعضائها عندما يطلبون خدمة أو يلاحقون توقيعًا وزاريًا، وحين يقول الوزير للنواب إنه أخطأ حين قابلهم ونزل إليهم، فإن الإهانة لا تقف عند الأشخاص بل تمتد إلى فكرة الرقابة نفسها.
عبارة وزير الصحة تفضح ازدراء الحكومة للنواب لا غضبًا عابرًا
بعد انتشار كواليس اللقاء الأسبوعي لوزير الصحة مع عدد من أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، تصاعد الجدل حول عبارة نسبت إلى خالد عبد الغفار قال فيها للنواب إنه أخطأ حين قابلهم، بعد حالة تزاحم على طلبات تخص دوائرهم، بما حوّل لقاءً رسميًا إلى أزمة سياسية معلنة.
في المقابل، لم يتعامل شادي العدل مع الواقعة باعتبارها مشادة مكتبية، بل وصفها بأنها تطاول على نواب الشعب وإهانة للحكومة نفسها قبل البرلمان، لأن الوزير لا يواجه مواطنين عاديين داخل مكتبه، بل يواجه أعضاء يمثلون دوائر تطلب خدمات صحية تعجز الوزارة عن حلها بآلية مؤسسية واضحة.
لذلك، تكشف العبارة المنسوبة إلى الوزير أزمة ثقة عميقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، لأن الوزير حين يتعامل مع نزول النواب إلى مكتبه كعبء شخصي، فهو يتجاهل أن النواب يحملون شكاوى مواطنين لا يجدون بابًا آخر للحصول على علاج أو قرار أو تدخل صحي عاجل.
وهنا يخدم رأي نجاد البرعي هذا المحور بوضوح، لأنه يرى أن السلطة التنفيذية ظلت قوية في مصر وأن البرلمان لم يملك كلمة عليا، كما أوضح أن الاستجواب قد يؤدي إلى استقالة الوزير أو إقالته، وهذه القراءة تضع الواقعة داخل خلل بنيوي لا داخل انفعال فردي.
بناء على ذلك، يصبح دفاع الحكومة عن هيبة الوزير أقل أهمية من الدفاع عن حق البرلمان في المحاسبة، لأن الدولة التي تسمح لوزير بأن يغادر لقاء النواب غاضبًا دون مساءلة، ترسل رسالة عملية بأن الحكومة أعلى من الرقابة وأن مكتب الوزير أقوى من قاعة البرلمان.
أزمة الخدمات الصحية تحولت إلى مشهد إهانة للتمثيل الشعبي
ثم تكشف تفاصيل الواقعة جانبًا أعمق من الخلل، لأن النواب لم يتكدسوا حول وزير الصحة بحثًا عن امتياز شخصي فقط، بل سعوا للحصول على توقيعات أو إنهاء طلبات علاجية وخدمية تخص مواطنين في دوائرهم، وهو ما يفضح انهيار المسارات الطبيعية للحصول على الخدمة الصحية.
وعلى هذا الأساس، لا يجب أن تتحول أزمة الزحام داخل مكتب الوزير إلى لوم للنواب وحدهم، لأن التزاحم نفسه يدل على أن المواطن لا يحصل على حقه عبر مستشفى مؤهل أو مكتب خدمة فعال، بل يحتاج إلى نائب يطارد وزيرًا حتى تنتقل شكواه من الورق إلى القرار.
كذلك، يضع تصريح العدل عبارة الوزير في سياق أوسع، عندما أكد أن النواب ليسوا موظفين عند الوزراء وأنهم أصحاب التشريع والرقابة في دولة القانون، وهذه الصياغة تعيد ترتيب العلاقة الدستورية التي تحاول الحكومة قلبها عندما تتصرف مع البرلمان كملحق إداري لا سلطة منتخبة.
وفي هذا السياق، يخدم رأي جمال عيد هذا المحور من زاوية الحقوق والمواطنة، لأنه دافع طويلًا عن حق المواطنين في المساءلة والكرامة أمام السلطة، وهذه الخلفية تجعل إهانة ممثلي المواطنين جزءًا من مشكلة أوسع عنوانها غياب احترام الحكومة للحقوق لا مجرد بروتوكول رسمي.
من ثم، تتحول الواقعة إلى كشف مزدوج، فهي تكشف وزيرًا ضاق بطلبات النواب، وتكشف نظامًا صحيًا يدفع المواطنين إلى الوساطة النيابية بدل الحق المباشر، وحين يصبح العلاج محتاجًا إلى توقيع من مكتب الوزير فإن الحكومة لا تدير خدمة عامة بل تدير طوابير نفوذ.
الاستجواب وسحب الثقة اختبار لبرلمان منزوع الأنياب
في المرحلة التالية، طالب شادي العدل باستجواب عاجل لوزير الصحة في جلسة علنية لمعرفة أسباب انفعاله وتطاوله على النواب، وطلب تحقيقًا برلمانيًا في الواقعة وإحالته إلى مساءلة أخلاقية وسياسية، مع احتمال سحب الثقة إذا ثبت تعمد إهانة المؤسسة التشريعية.
إضافة إلى ذلك، لا تمثل هذه المطالبة إجراءً شكليًا داخل اللائحة، لأن الاستجواب هو الأداة الرقابية الأشد في يد مجلس النواب، ويمكن أن يفتح طريقًا إلى سحب الثقة من الوزير، لكن قيمة الأداة لا تظهر في النص القانوني وحده بل في إرادة البرلمان لاستخدامها ضد الحكومة.
ومن هذه الزاوية، يخدم زياد العليمي هذا المحور باعتباره نائبًا سابقًا وناشطًا سياسيًا عرف تجربة العمل البرلماني والملاحقة السياسية، لأن موقعه يذكر بأن البرلمان يفقد معناه عندما يتحول النائب إلى طالب خدمة لا رقيب على السلطة، وعندما تصبح المحاسبة مرهونة بسقف سياسي مفروض من خارج القاعة.
بالتوازي، يضع العدل الواقعة في جملة قاسية حين يقول إن حكومة تتعامل مع البرلمان بهذا الازدراء تريد إفراغ المؤسسة التشريعية من أي معنى أو قيمة، وهذه الجملة تختصر الأزمة، لأن المشكلة ليست غضب وزير بل ميزان سلطة يسمح للحكومة بإهانة النواب ثم انتظار صمتهم.
لذلك، يصبح رد البرلمان هو الاختبار الحقيقي لا الواقعة نفسها، فإذا اكتفى المجلس بتهدئة داخلية أو بيان ناعم فسوف يثبت أنه يقبل موقعه الضعيف، أما إذا استدعى الوزير علنًا وحقق في الواقعة وناقش سحب الثقة، فسوف يدافع عن الحد الأدنى من كرامته الدستورية.
ختامًا، تكشف أزمة خالد عبد الغفار مع النواب أن حكومة السيسي لا تكتفي بإضعاف البرلمان سياسيًا، بل وصلت إلى مستوى معاملته كطرف مزعج داخل مكاتب الوزراء، وحين يحتاج النواب إلى استجداء توقيع ثم يتعرضون للإهانة، فإن الشعب الذي انتخبهم ودفع الضرائب هو المهان الأول.

