أقرّ مجلس الشيوخ الفرنسي الأربعاء مشروع قانون مقدم من وزير الداخلية السابق برونو ريتايو، يهدف إلى مكافحة ما وصفه بـ "التغلغل الإسلامي"، وينصّ خصوصًا على استحداث جريمة جديدة هي "تقويض مبادئ الجمهورية".
وأقرّ المجلس، الذي يهيمن عليه أغلبية من الجمهوريين والوسطيين، مشروع القانون بأغلبية 208 أصوات مقابل 124 من النواب اليساريين، من الخضر والشيوعيين والاشتراكيين، بينما أبدى وزير الداخلية لوران نونيز، الذي يُعدّ مشروع قانون مماثلاً، رأيًا حذرًا تجاهه.
"جماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي في فرنسا"
ويستند مشروع القانون الذي قدّمه مرشح الجمهوريين للانتخابات الرئاسية المقبلة إلى تقرير كان قد نشره قبل عام تقريبًا، بعنوان "جماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي في فرنسا".
وحدد التقرير، المؤلف من 73 صفحة، 139 دار عبادة إسلامية مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، و68 مكانًا "تُعتبر قريبة من الاتحاد"، و21 مؤسسة أخرى ذات صلة بالجماعة.
وحذر ريتايو قائلًا: "إنها تشكل تهديدًا للجمهورية وتماسكنا الوطني"، جاعلًا مكافحة الإسلام السياسي لجماعة الإخوان المسلمين إحدى "أولوياته القصوى".
وزعم ريتايو، أن مشروع القانون الذي طرحه لا يستهدف دينًا بعينه، بل الإسلاموية، قائلاً: "بمجرد توثيق أي تهديد، يقع على عاتقنا واجب التحرك بحزم وسرعة. يجب ألا نقع في فخ الخلط. أولئك الذين يعتقدون أن مهاجمة الإسلاميين هي نفسها مهاجمة إخواننا المسلمين يقعون في الفخ الذي نصبه الإسلاميون أنفسهم، والذين يسعون إلى الخلط بين الأمرين".
ويعد مشروع القانون محور صراع سياسي بين اليمين والحكومة. في الوقت الذي يعمل فيه وزير الداخلية لوران نونيز، على مشروع قانون يتعلق بالتغلغل في المناصب الحكومية، وينتظر رأي مجلس الدولة قبل عرضه على مجلس الوزراء، وفق موقع "بابليك سنات" التابع لمجلس الشيوخ الفرنسي.
وعلى الرغم من أن ريتايو أكد أن المشروع الذي طرحه لم يكن "منافسًا" لمشروع الحكومة، وأنه لم يكن لديه "حساسية" تجاه هذا الموضوع، إلا أن نونيز يرى أن "الحيلة واضحة بعض الشيء".
وعلق الوزير، قائلاً: "كان السيد ريتيلو وزيرًا للداخلية. وقد شارك في جميع أعمال إعداد مشروع القانون. غادر الحكومة الخريف الماضي، وواصلنا العمل ببساطة".
وأضاف: "هناك نص خضع لمراجعة وزارية مشتركة (...) وسيتم فحصه من قبل مجلس الدولة". وعلى الرغم من طلب الكتلة الاشتراكية، إلا أن مشروع القانون المقدم من ريتايو لم يخضع لتدقيق مجلس الدولة.
"تقويض المبادئ الأساسية للجمهورية"
وينص مشروع القانون على استحادث جريمة جديدة تتمثل في "تقويض المبادئ الأساسية للجمهورية". ويعاقب على "الأفعال المتخذة بتواطؤٍ ضروري لحثّ هيئة عامة أو خاصة أو جماعة بحكم الأمر الواقع على اتخاذ قرارات أو تبني ممارسات تخالف القواعد القانونية المعمول بها، بهدف تقويض مبادئ الجمهورية المحددة في الدستور تقويضًا خطيرًا".
وهذه المبادئ هي: "الطابع غير القابل للتجزئة والعلماني والديمقراطي والاجتماعي للجمهورية؛ ومساواة جميع المواطنين أمام القانون؛ واحترام جميع المعتقدات؛ واحترام المساواة بين المرأة والرجل في الوصول إلى مناصب المسؤولية".
وتساءل الوزير عن دستورية هذا الإجراء، قائلاً إن "هذا أحد الأحكام القليلة التي لم نحتفظ بها؛ فقد أُعيدت صياغة الأحكام الأخرى وعُرضت على مجلس الدولة لإبداء رأيه". ولذلك، اختارت الحكومة إصدار رأي حذر بشأن المواد الاثنتي عشرة من القانون المقترح.
وأوضحت السيناتور الاشتراكية كورين ناراسيجوين ما تعتبره نتيجة محتملة لهذه المخالفة الجديدة لحزب ريتايو، "الذي تلقى عقوبات مالية باهظة لتقديمه 88 مرشحة فقط مقابل 178 مرشحًا خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة في يونيو 2024، في انتهاك لقوانين المساواة".
وأضافت: "لذلك لن يكون من الصعب إثبات أنكم عملتم بالتنسيق لتبني ممارسات مناقضة للقواعد القانونية المعمول بها، بهدف معلن يتمثل في تقويض مبادئ الجمهورية التي حددها الدستور بدقة، وأحد هذه المبادئ هو المساواة في الوصول بين النساء والرجال إلى المسؤوليات السياسية".
وكان مشروع القانون قد أثار عاصفة من الاحتجاجات في أوساط اليسار. فقد حاول الخضر والشيوعيون والاشتراكيون، من خلال ثلاث مبادرات، رفضه قبل حتى دراسته.
واتهم رئيس الكتلة الاشتراكية، باتريك كانر، ريتايو بإخضاع القانون للأيديولوجيا. وقال منددًا: "نصك ليس قانونًا وقائيًا، بل هو منشور سياسي يغذي تحولاً أيديولوجيًا حيث لم يعد اليمين الجمهوري يُعرَّف بقيمه، بل بانجرافه نحو تقليد تجاوزات اليمين المتطرف (...) لا يمكن أن يكون مجلس الشيوخ، مجلس الاستقرار والحكمة، رهينة لطموحاتك الرئاسية".
"أيديولوجية الإقصاء والكراهية والعنصرية"
وأعرب جيوم جونتارد، زعيم حزب الخضر، عن "خجله"، منددًا "بأيديولوجية الإقصاء والكراهية والعنصرية التي تتخلل مشروع القانون، فضلاً عن نظريات المؤامرة حول "الاستبدال الكبير" التي تضاهي تلك التي يروج لها حزب التجمع الوطني".
كما وصف التقرير الذي أدى إلى صياغة مشروع القانون بأنه "أسوأ تقرير أصدرته الإدارة الفرنسية على الإطلاق".
وقالت السيناتور الوسطية ناتالي جوليه: "هذا التقرير لا يصدر عن عقل منحرف، بل عن المحافظ كورتاد والسفير فرانسوا جوييت، وهو خبير ممتاز في العالم العربي الإسلامي. إنه تقرير موثوق تمامًا".
ويقترح مشروع القانون أيضًا سببين جديدين لحلّ الجمعيات أو الجماعات بحكم الأمر الواقع لتجاهل القواعد العامة، وهي: "استخدام الآراء الدينية لتجاهل القواعد العامة المُرسّخة قانونًا، بهدف تقويض مبادئ الجمهورية المنصوص عليها في المادة الأولى من الدستور" و"ارتكاب أعمال تدخل أو التخطيط لها".
وينص المشروع أيضًا على أن المباني المخصصة للعبادة الدينية تخضع لموافقة المحافظ، وينص على تمديد فترة التقادم لجرائم الصحافة إلى ثلاث سنوات، ويعزز تنظيم المباني التي تؤوي القاصرين.
وأعرب وزير الداخلية عن ارتياحه لعدم اعتماد التعديل الذي قدمته السيناتور فاليري بوييه (من حزب الجمهوريين) إلى اللجنة، والذي كان يهدف إلى حظر ارتداء النقاب على القاصرات. وقال: "لنكن واضحين، الهدف هو كل من ينتهك قوانين الجمهورية".
https://www.publicsenat.fr/actualites/politique/lutte-contre-lentrisme-islamiste-le-senat-adopte-le-texte-de-bruno-retailleau-la-gauche-fait-part-de-sa-honte

