قدمت الحكومة مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين إلى مجلس النواب، تمهيدا لمناقشته داخل اللجان المختصة ثم عرضه على الجلسة العامة لإقراره، وسط مواد جديدة تنظم الطلاق خلال أول 3 سنوات من الزواج والخلع وترتيب الحضانة والرؤية المباشرة والإلكترونية.
ويفتح المشروع بابا واسعا للجدل داخل الأسر المصرية، لأنه لا يكتفي بإعادة ترتيب الحضانة أو تنظيم الرؤية، بل يمنح محكمة الأسرة دورا مباشرا قبل وقوع الطلاق والخلع، ويربط حقوق الرؤية والنفقة والحضانة بعقوبات وإجراءات قد تغير حياة الأطفال والآباء والأمهات بعد الانفصال.
إحالة المشروع للجان البرلمان تمهيدا لمناقشة قانون الأسرة
أحالت الحكومة مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين إلى لجنة مشتركة تضم لجنة الشئون الدستورية والتشريعية ومكاتب لجان التضامن الاجتماعي والأسرة والأشخاص ذوي الإعاقة والشئون الدينية والأوقاف وحقوق الإنسان، تمهيدا لفحص مواده قبل مناقشته في الجلسة العامة.
ويشير مسار الإحالة إلى أن المشروع يمس ملفات قانونية واجتماعية ودينية وحقوقية في وقت واحد، لأن مواد الطلاق والخلع والحضانة والرؤية لا تتعلق بإجراءات المحاكم فقط، بل تمس تكوين الأسرة وحقوق الطفل ومسؤوليات الأبوين بعد النزاع.
الرؤية بين اللقاء المباشر والتنظيم الإلكتروني
نصت المادة 140 على ثبوت حق رؤية المحضون لغير الحاضن من الأبوين والأجداد والجدات مجتمعين في مكان واحد، وإذا تعذر تنظيم الرؤية بالاتفاق تولت المحكمة تنظيمها في مكان لا يضر بالمحضون نفسيا أو بدنيا.
ثم شددت المادة 141 على أن امتناع الحاضن عن تنفيذ حكم الرؤية دون عذر مقبول يمنح المحكمة سلطة نقل الحضانة مؤقتا إلى من يليه في الترتيب لمدة لا تزيد على 3 أشهر، مع تحويل نفقة المحضون إلى الحاضن المؤقت خلال تلك المدة.
وفي حال تكرار الامتناع دون عذر مقبول بعد صيرورة حكم النقل نهائيا، أجاز المشروع للمحكمة إسقاط الحضانة عن الحاضن ونقلها إلى صاحب الحق التالي، ولا تعود إليه الحضانة إلا إذا اقتضت مصلحة المحضون ذلك، مع إعادة تنظيم الرؤية عند الطلب.
بينما نصت المادة 142 على عدم تنفيذ حكم الرؤية جبرا بواسطة السلطة العامة، وهو نص يضع حدودا للتدخل القسري في علاقة الطفل بالأطراف المتنازعة، لكنه في الوقت نفسه يربط الامتناع بعقوبات قضائية قد تصل إلى إسقاط الحضانة.
كما نصت المادة 143 على سقوط حق الرؤية إذا كان طالبها هو الملتزم بنفقة المحضون بموجب سند تنفيذي وامتنع عن أدائها دون عذر مقبول، على أن يستمر السقوط حتى سداد النفقة، بما يربط حق الرؤية بالالتزام المالي تجاه الطفل.
وأجازت المادة 144 طلب الرؤية إلكترونيا منذ البداية، كما أجازت استبدال الرؤية الإلكترونية بالرؤية المباشرة أو العكس أو التناوب بينهما، بقرار من رئيس محكمة الأسرة بوصفه قاضيا للأمور الوقتية بعد سماع ذوي الشأن، على أن ينظم وزير العدل الرؤية الإلكترونية.
وحددت المادة 145 مدة الرؤية المباشرة أو الإلكترونية بما لا يقل عن 3 ساعات أسبوعيا، مع مراعاة مصلحة المحضون وسنه وحالته الصحية، وأن تكون بين الثامنة صباحا والعاشرة مساء، مع مراعاة فصول السنة وتوقيت بلد إقامة المحضون في الرؤية الإلكترونية.
كما أجازت المادة 146 للحاضن أن يطلب من رئيس محكمة الأسرة وقف الرؤية إذا امتنع صاحب الحق فيها عن رؤية المحضون 3 مرات متتابعة دون إخطار سابق ودون عذر مقبول، ويصدر الأمر بالوقف لمدة لا تزيد على 3 أشهر بعد سماع ذوي الشأن.
الطلاق والخلع خلال أول 3 سنوات تحت رقابة محكمة الأسرة
نظمت المادة 84 إجراءات الطلاق إذا أراد الزوج طلاق زوجته قبل مرور 3 سنوات على عقد الزواج، فألزمت الزوج بتقديم طلب إلى رئيس محكمة الأسرة التابع لها مسكن الزوجية أو محل إقامة الزوجة لاستكمال إجراءات الطلاق قبل الذهاب للمأذون أو الموثق.
وألزم المشروع الزوج بإرفاق وثيقة الزواج وصور بطاقتي الرقم القومي للزوجين وشهادات ميلاد الأولاد إن وجدوا، ثم يستدعي القاضي الزوجين لمعرفة أسباب الخلاف ومحاولة الإصلاح بينهما، فإذا غابت الزوجة رغم إعلانها اعتبر المشروع ذلك رفضا للصلح.
أما إذا لم يحضر الزوج الجلسة المحددة، اعتبر المشروع ذلك تراجعا منه عن طلب الطلاق، وعلى القاضي أن يناقش الطرفين في غرفة مشورة، وله أن يستعين بأحد رجال الدين من الجهات الرسمية التي يحددها وزير العدل للمساهمة في محاولة الإصلاح.
وإذا تم الصلح أثبت القاضي ذلك في محضر الجلسة ووقع الزوجان عليه، وإذا تعذر الصلح وأصر الزوج على الطلاق أثبت القاضي ذلك وقرر للزوج إيقاع الطلاق لدى المأذون أو الموثق المختص، مع إلزام المأذون بطلب شهادة استكمال الإجراءات إذا لم تمر 3 سنوات على الزواج.
وبالنسبة للخلع، ألزم المشروع الزوجة التي ترغب في إقامة دعوى تطليق للخلع قبل مرور 3 سنوات على عقد الزواج بطلب إذن من رئيس محكمة الأسرة التابع لها مسكن الزوجية أو محل إقامتها، مع إرفاق وثيقة الزواج بطلبها.
وعلى القاضي استدعاء الزوجين لمعرفة أسباب الخلاف ومحاولة الصلح، فإذا غاب الزوج رغم إعلانه اعتبر المشروع ذلك رفضا منه للصلح، وإذا غابت الزوجة اعتبر ذلك تراجعا منها عن إقامة دعوى الخلع، بما يجعل الحضور شرطا إجرائيا مؤثرا قبل نظر الدعوى.
وإذا تعذر الإصلاح وأصرت الزوجة على طلب التطليق، أثبت القاضي ذلك في محضر الجلسة وأذن لها بإقامة الدعوى، وعلى المحكمة قبل نظر دعوى الخلع أن تكلف الزوجة بتقديم ما يثبت قيامها بهذه الإجراءات، وإلا اعتبرت الدعوى غير مقبولة.
كما نظمت المادة 85 حالة إسلام الزوجة غير المسلمة المتزوجة بغير المسلم، فنصت على عرض الإسلام على زوجها، فإذا أسلم بقي الزواج قائما دون عقد جديد، وإذا رفض فرقت المحكمة بينهما بطلقة بائنة.
ترتيب الحضانة وشروطها وزواج الحاضن
نظمت المادة 115 ترتيب الحضانة، وعرفت الحضانة بأنها حفظ الولد وتربيته وضمان رعايته والقيام على شؤونه في زمن مخصوص، وقررت ثبوت الحضانة للأم ثم للأب ثم للمحارم من النساء، مع تقديم من يدلي بالأم على من يدلي بالأب.
وجاء ترتيب الحضانة وفق المشروع بداية من الأم ثم الأب ثم أم الأم وإن علت ثم أم الأب وإن علت ثم الأخوات الشقيقات ثم الأخوات لأم ثم الأخوات لأب، ثم بنت الأخت الشقيقة وبنت الأخت لأم والخالات وبنات الأخ والعمات وفق الترتيب الوارد في المادة.
وأجاز المشروع للمحكمة، وفقا لمصلحة المحضون، عدم الالتزام بهذا الترتيب، فإذا لم يوجد أحد من هؤلاء أو لم يكن أهلا للحضانة انتقل الحق إلى العصبات من الرجال بحسب ترتيب الاستحقاق في الإرث، مع تقديم الجد الصحيح على الإخوة.
وإذا لم يوجد أحد من العصبات، انتقل الحق إلى محارم الصغير من الرجال غير العصبات، بداية من الجد لأم ثم الأخ لأم ثم ابن الأخ لأم ثم العم لأم ثم الخال الشقيق فالخال لأب فالخال لأم.
أما إذا لم يوجد من يستحق الحضانة أو لم يقبلها أحد، ألزمت المادة المحكمة بوضع المحضون عند من يوثق به من الرجال أو النساء أو إيداعه لدى جهة مأمونة، مع منع استحقاق الحضانة عند اختلاف الجنس لمن ليس من محارم الطفل.
ونص المشروع على أن من فقد حقه في حضانة الطفل أو تنازل عنه لا يعود له هذا الحق ولو توافرت شروطه، إلا إذا اقتضت مصلحة الطفل الفضلى ذلك وقدرت المحكمة هذه المصلحة.
وحددت المادة 116 شروط مستحقي الحضانة، وهي العقل والبلوغ والأمانة والقدرة على تربية الصغير وصيانته ورعايته والسلامة من الأمراض المعدية، وألا يقيم مع الحاضن شخص توجد بينه وبين المحضون عداوة أو خصومة أو بغضاء.
وأضافت المادة 117 شروطا خاصة إذا كان الحاضن امرأة، فنصت على ألا تكون مختلفة مع المحضون في الدين بعد بلوغه 7 سنوات، وألا تأتي مع المحضون ما يخشى منه على دينه قبل بلوغ هذه السن.
وحددت المادة 118 انتهاء الحضانة وسقوط أجرها ببلوغ الصغير أو الصغيرة سن 15 سنة ميلادية، بينما نصت المادة 119 على أن الحق في حفظ المحضون يبدأ بعد انتهاء الحضانة، وله بعد هذه السن اختيار العيش مع من يريد ممن كان له حق حضانته.
وأجازت المادة 119 للمحضون استبدال اختياره حتى يبلغ الصغير سن الرشد وحتى تتزوج الصغيرة، بينما أبقت المادة 120 حق حضانة النساء بعد بلوغ أقصى سن للحضانة إذا كان المحضون مصابا بمرض عقلي أو جسدي يمنعه من رعاية نفسه.
ونصت المادة 121 على عدم جواز تغيير اسم الصغير أو الصغيرة محل منازعة الحضانة إلا بموافقة الوالدين، وإذا وقع نزاع عرض الأمر على رئيس محكمة الأسرة بوصفه قاضي الأمور الوقتية، وعلى صاحب الشأن إخطار قطاع الأحوال المدنية.
أما المادة 122 فنصت على أن زواج الحاضن الأب أو الأم بغير محرم للصغير يسقط حقه في الحضانة ما لم تقتض مصلحة المحضون غير ذلك، ثم استثنت حالتين لا يسقط فيهما حق الأم الحاضنة رغم زواجها.
وتتمثل الحالتان في ألا يكون سن المحضون قد جاوز 7 سنوات، أو أن يكون بالمحضون علة أو إعاقة تجعل حضانته مستعصية على غير الأم، وفي جميع الأحوال يسقط حق الأم في الإقامة بمسكن الحضانة المعد بمعرفة المطلق إذا بقي الصغير معها بعد زواجها، ويكون لها أجر مسكن حضانة.
وأخيرا يفتح مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين مواجهة واسعة داخل البرلمان والمجتمع، لأنه يعيد ترتيب ملفات شديدة الحساسية مثل الحضانة والرؤية والطلاق والخلع والنفقة ومسكن الحضانة، ويمنح محكمة الأسرة سلطة مركزية في تنظيم العلاقة بين الزوجين والأطفال قبل الانفصال وبعده.
وتكشف مواد المشروع أن الحكومة تتجه إلى ضبط النزاعات الأسرية عبر إجراءات قضائية أكثر تفصيلا، لكنها في الوقت نفسه تضع الأسرة أمام أسئلة صعبة حول سرعة التقاضي وعدالة التطبيق وقدرة المحاكم على حماية مصلحة الطفل دون تحويل الخلافات العائلية إلى مسار طويل من الإجراءات والعقوبات.

