نفت القيادة المركزية الأمريكية، اليوم الإثنين، صحة تقارير إيرانية تحدثت عن إطلاق صاروخين على سفينة حربية أمريكية قرب مضيق هرمز، وأكدت أن أي سفينة أمريكية لم تتعرض لأضرار، بينما واصلت واشنطن تنفيذ عملية مشروع الحرية وفرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.
وتضع هذه التطورات مصر أمام أزمة إقليمية تمس الملاحة والطاقة والتجارة، لكن بيان القاهرة اكتفى بإدانة استهداف ناقلة إماراتية وتأكيد أن أمن الإمارات جزء من الأمن القومي المصري، من دون إعلان موقف واضح يحمي المصريين من آثار ارتفاع الطاقة أو اضطراب الممرات البحرية.
نفي أمريكي ورواية إيرانية يفتحان باب التصعيد في هرمز
بدأ التصعيد الأخير عندما تداولت وسائل إعلام إيرانية تقارير عن إطلاق الحرس الثوري صاروخين على سفينة تابعة للبحرية الأمريكية قرب ميناء جاسك عند المدخل الجنوبي لمضيق هرمز، ثم قالت الرواية الإيرانية إن السفينة تراجعت وتخلت عن محاولة عبور المضيق.
في المقابل نفت القيادة المركزية الأمريكية هذه الرواية، وأكدت أن أي سفينة أمريكية لم تتعرض لهجوم أو أضرار، كما قالت إن القوات الأمريكية تواصل دعم عملية مشروع الحرية، وهي عملية أعلنتها واشنطن لمساعدة السفن العالقة وضمان مرورها عبر مضيق هرمز.
وبعد النفي الأمريكي، أفاد التلفزيون الإيراني بأن القوات البحرية منعت دخول سفن حربية أمريكية إلى المضيق بعد تحذيرات صارمة، بينما أكدت طهران أن أي محاولة عبور من دون تنسيق مع قواتها ستواجه برد حاسم، بما يضع الممر الدولي تحت تهديد مباشر.
في هذا المحور يخدم رأي دانيال بايمان، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، تفسير حدود القوة الأمريكية، إذ يرى أن إيران تستخدم مضيق هرمز لرفع الكلفة العالمية على واشنطن وحلفائها، لا لمواجهة بحرية تقليدية تحسمها السفن والمدمرات وحدها.
لذلك لا يظهر الجدل حول إصابة سفينة أمريكية كخبر عسكري منفصل، بل كجزء من حرب روايات بين واشنطن وطهران، حيث تريد إيران إثبات قدرتها على تعطيل المرور، بينما تريد الولايات المتحدة إظهار أن مشروعها الملاحي مستمر رغم تهديدات الحرس الثوري.
مشروع الحرية يحول الملاحة إلى اختبار قوة بين واشنطن وطهران
أعلنت واشنطن أن عملية مشروع الحرية تهدف إلى مساعدة السفن التجارية العالقة واستعادة حرية الملاحة، لكن العملية تتحرك في ظل حصار بحري أمريكي مفروض على الموانئ الإيرانية، وهو ما يجعل الحديث عن مهمة إنسانية منفصلا عن واقع عسكري ضاغط.
من جهتها، تعاملت إيران مع العملية الأمريكية بوصفها انتهاكا لقواعد المرور التي تفرضها في المضيق، وأعلن مقر خاتم الأنبياء أن قواته تشرف على أمن مضيق هرمز، وأن أي عبور يجب أن يتم بالتنسيق معه مهما كانت هوية السفينة أو وجهتها.
وعلى هذا الأساس حذر مقر خاتم الأنبياء السفن التجارية وناقلات النفط من العبور دون تنسيق مسبق حفاظا على سلامتها، كما هدد أي قوة أجنبية تقترب من المضيق، خصوصا الجيش الأمريكي، بالتعرض للهجوم إذا اعتبرتها طهران طرفا معتديا.
في هذا الموضع يخدم رأي علي فايز، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، محور خطر سوء الحسابات، إذ يؤكد أن الأزمة بين واشنطن وطهران تتحرك داخل وقف هش لإطلاق النار، وأن أي خطوة عسكرية أو بحرية غير منضبطة قد تنقل المواجهة إلى مستوى أوسع.
وبذلك يصبح مشروع الحرية اختبارا مزدوجا، فالولايات المتحدة تريد فرض مرور السفن تحت مظلة قوتها البحرية، وإيران تريد إثبات أن المضيق لا يفتح بقرار أمريكي منفرد، بينما تبقى شركات الشحن والبحارة وناقلات الطاقة في قلب المخاطرة اليومية.
مصر والإمارات أمام تهديد الطاقة وبيانات الإدانة لا تكفي
في موازاة الاشتباك الأمريكي الإيراني، أدانت الإمارات ما وصفته بالاعتداء الإيراني الإرهابي على ناقلة وطنية تابعة لشركة أدنوك باستخدام طائرتين مسيرتين أثناء مرورها من مضيق هرمز، وأكدت أن الحادث لم يسفر عن إصابات لكنه استهدف الملاحة التجارية.
ثم ربطت أبوظبي الهجوم بقرار مجلس الأمن رقم 2817، وقالت إن استهداف السفن التجارية وتعطيل الممرات البحرية الدولية يمثلان انتهاكا لحرية الملاحة، كما وصفت استخدام مضيق هرمز كأداة ضغط أو ابتزاز اقتصادي بأنه تهديد مباشر لأمن الطاقة العالمي.
لاحقا أدانت وزارة الخارجية المصرية الاعتداء على الناقلة الإماراتية، واعتبرت استهداف السفن التجارية وتعطيل الممرات الدولية انتهاكا للقانون الدولي، كما أعلنت تضامن القاهرة الكامل مع الإمارات في الإجراءات التي تتخذها لحماية أمنها ومصالحها الوطنية.
غير أن بيان القاهرة كشف ضيق الحركة المصرية في الأزمة، لأنه ركز على دعم أبوظبي واعتبار أمن الإمارات جزءا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، بينما غاب الحديث التفصيلي عن حماية المصريين من موجة أسعار محتملة إذا اهتزت إمدادات الطاقة والتجارة.
في هذا السياق يخدم رأي تريتا بارسي، نائب رئيس معهد كوينسي، محور الكلفة الاقتصادية، إذ حذر من أن إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز يطلق أثرا متسلسلا على أسعار النفط والغاز والاقتصاد العالمي، وهو ما يجعل الدول المستوردة للطاقة بين أول المتضررين.
ومن ثم لا تبدو إدانة القاهرة كافية إذا بقيت بلا خطة معلنة لإدارة أثر الأزمة، لأن أي ارتفاع في النفط أو كلفة الشحن يضغط على الوقود والسلع والنقل، ثم يدفع المواطن المصري الثمن في سوق داخلي يعاني أصلا من الغلاء وضعف الدخل.
وفوق ذلك، تكشف الواقعة أن مصر تتحرك في الأزمة بخطاب سياسي لصالح حليف خليجي، بينما تتراجع وظيفتها الطبيعية في حماية الملاحة عبر رؤية مستقلة ومتوازنة تخفف التصعيد، خاصة أن أي انفجار في هرمز لن يبقى داخل الخليج بل سيصل إلى قناة السويس والأسواق المصرية.
وفي النهاية يضع مضيق هرمز المنطقة أمام اختبار بالغ الخطورة، فواشنطن تنفي إصابة سفنها لكنها تمضي في عملية بحرية تحت حماية عسكرية، وطهران تنفي السماح بعبور غير منسق وتهدد بالرد، والإمارات ومصر تصعدان لغة الإدانة دون معالجة جذرية لخطر الطاقة.
وتؤكد الوقائع أن الحكومة المصرية مطالبة بما هو أكبر من بيان تضامن، لأن المواطن لا يحتاج صياغات دبلوماسية عن أمن الخليج فقط، بل يحتاج كشفا واضحا عن مخزون الطاقة وخطط الشحن وأسعار الوقود والسلع إذا تحول مضيق هرمز من ممر دولي إلى ساحة مواجهة مفتوحة.

