أعلنت وزارة الصحة والسكان وقف عمليات النساء والتوليد في مستشفى دار الفؤاد بالمحور المركزي في مدينة 6 أكتوبر لمدة 1 شهر باستثناء الطوارئ، بعد رصد مخالفات تتعلق بمتابعة الولادة وسلامة المرضى، لتتحول الواقعة إلى اختبار معلن لرقابة حكومية تأخرت أمام توسع الولادات القيصرية غير المبررة.
تكشف الواقعة خللا أوسع من قرار إداري ضد مستشفى خاص، لأن المرأة المصرية تدخل غرفة الولادة وهي محاصرة بين تكلفة الخدمة الخاصة وضعف الثقة في العام وضغط الطبيب وإدارة المنشأة، بينما تتعامل الحكومة غالبا بعد وقوع المخالفة لا قبلها، فتدفع النساء والأطفال ثمن رقابة لا تتحرك إلا بعد تفاقم الخطر.
مخالفات دار الفؤاد تضع العلاج الحر أمام اختبار الرقابة
وبحسب بيان وزارة الصحة، قالت لجان التفتيش الفني التابعة لإدارة العلاج الحر في محافظة الجيزة إنها رصدت مخالفات تتعلق بسلامة المرضى داخل المستشفى، ودفع هذا الرصد الوزارة إلى إصدار قرار وقف عمليات النساء والتوليد، في خطوة تكشف أن المخالفات داخل منشآت كبرى ليست بعيدة عن عيون المرضى لكنها ظلت بعيدة عن الردع المبكر.
وفي التفاصيل، قال المتحدث باسم الوزارة حسام عبد الغفار إن قرار الوقف جاء بسبب عدم التزام المستشفى بالدلائل الإرشادية الخاصة بالولادات الطبيعية الآمنة، خاصة ما يتعلق بتطبيق تصنيف روبسون ومخطط البارتوغرام، وهما أداتان طبيتان تفرضان توثيق مسار المخاض ومبررات أي تدخل جراحي قبل تحويل الولادة إلى عملية قيصرية.
وعلى مستوى الترخيص، أكد رئيس الإدارة المركزية للعلاج الحر والتراخيص هشام زكي غلق وتشميع جناح الإقامة في الدور الثاني، وهو جناح يضم 20 غرفة، بسبب مخالفة اشتراطات الترخيص المكانية ومعايير مكافحة العدوى، وبذلك لم تعد المخالفة محصورة في قرار طبي داخل غرفة الولادة بل امتدت إلى بيئة إقامة المريضات.
وفي هذا السياق، رأى الدكتور علاء غنام مسؤول وحدة الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن قبول الولادة القيصرية لا يملك مبررا إلا عند وجود أسباب طبية، واعتبر خطاب تسويق القيصرية بوصفها خدمة اختيارية شكلا من تسليع الرعاية الصحية، وهو طرح يضع مسؤولية مباشرة على المستشفيات الخاصة التي تربط الخدمة بالربح.
لذلك، لا يكفي قرار وقف مؤقت لمدة 1 شهر كي تعلن الحكومة أنها حسمت الملف، لأن المستشفى سيعود إلى العمل بعد انتهاء العقوبة بينما تبقى الأسئلة قائمة حول عدد الحالات السابقة، وطريقة توثيق قرارات القيصرية، وآلية تعويض المتضررات، ونشر نتائج التفتيش على المنشآت الخاصة أمام الرأي العام.
روبسون والبارتوغرام يكشفان غياب التوثيق لا مجرد خطأ فني
ثم تأتي أهمية تصنيف روبسون من كونه يقسم النساء الحوامل إلى 10 مجموعات وفق خصائص طبية واضحة، بينها عدد مرات الولادة ووجود قيصرية سابقة وعمر الحمل ووضع الجنين وبداية المخاض، وتستخدم منظمة الصحة العالمية هذا التصنيف لمراقبة معدلات القيصرية داخل كل منشأة ومقارنتها بشكل قابل للتحقق.
وبالمقابل، يعمل مخطط البارتوغرام كأداة متابعة زمنية للمخاض، لأن الطبيب يسجل عليه اتساع عنق الرحم ونبض الجنين وانقباضات الرحم وحالة الأم، وبذلك يصبح قرار التدخل الجراحي قابلا للمراجعة لا مجرد قرار شفهي يخرج من غرفة الولادة دون أثر يثبت الضرورة الطبية.
كما تعني مخالفة هاتين الأداتين أن المشكلة لا تتعلق بورقة ناقصة في ملف إداري، بل تتعلق بحق الأم في معرفة سبب فتح بطنها وحق الطفل في ولادة لا تتحول إلى جراحة بلا ضرورة، وتلك الحقوق تضع وزارة الصحة أمام واجب رقابة يومية لا حملة موسمية بعد كل فضيحة.
ومن زاوية حقوق المرأة، قالت الناشطة عزة كامل إن الولادات القيصرية في مصر أصبحت تجرى دون سبب طبي في حالات كثيرة، وربطت ذلك باستسهال بعض الأطباء للقيصرية بسبب عائدها المالي الأعلى وسرعتها مقارنة بالولادة الطبيعية، وهو رأي يفسر جانبًا من تحول المخاض الطبيعي إلى مسار مستبعد داخل عيادات خاصة كثيرة.
وبناء على ذلك، تبدو واقعة دار الفؤاد جزءا من سوق طبي توسع تحت رعاية صمت رسمي طويل، لأن الوزارة تعرف منذ سنوات أن القيصرية غير المبررة صارت نمطا واسعا، ومع ذلك احتاجت الدولة إلى قرارات متأخرة كي تذكّر المنشآت الخاصة بإرشادات يفترض أنها ملزمة لا اختيارية.
القيصرية غير المبررة أزمة حق في الصحة لا مخالفة منشأة واحدة
في المقابل، تشير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى أن معدلات الولادة القيصرية غير الضرورية بلغت 80% من إجمالي الولادات في مصر خلال 2025، بعد أن سجلت 72% في المسح الصحي لعام 2021، وهذه الأرقام تضع قرار دار الفؤاد داخل أزمة وطنية وليست داخل واقعة ترخيص عابرة.
وعلاوة على ذلك، أوضحت المبادرة أن 93% من الولادات تتم في مؤسسات القطاع الخاص وفقا لتصريحات نائبة وزير الصحة، ما يجعل العلاج الحر جهة مركزية في أي محاولة جدية للرقابة، لأن أغلب قرارات الولادة التي تتحول إلى قيصرية تمر عبر مستشفيات وعيادات خاصة لا عبر مستشفى حكومي فقط.
ومن جهة أخرى، حذرت الدكتورة منى مينا وكيلة نقابة الأطباء السابقة والناشطة في حركة أطباء بلا حقوق من سياسات خصخصة الخدمات الصحية، واعتبرت أن تسليم الرعاية الصحية لمنطق الاستثمار يزيد معاناة المرضى، وهي رؤية تفسر كيف يصبح ضعف العام واتساع الخاص بوابة ضغط على النساء في لحظة شديدة الحساسية.
وبينما تستند الوزارة إلى القانون رقم 51 لسنة 1981 المعدل بالقانون رقم 153 لسنة 2004 في ضبط المنشآت الطبية الخاصة، يبقى السؤال عن جدوى النص القانوني حين لا يسبق المخالفة تفتيش منتظم ونشر شفاف للمخالفات والعقوبات، لأن القانون الذي لا يراه المريض في الخدمة اليومية يتحول إلى مادة تظهر بعد الضرر.
وأخيرا، تؤكد وزارة الصحة أنها ستواصل حملاتها الرقابية المكثفة لضبط معدلات الولادات القيصرية غير المبررة وحماية الأمهات والأطفال، لكن الخاتمة الفعلية لن يكتبها بيان حكومي، بل ستكتبها قوائم تفتيش معلنة وعقوبات مستمرة وخدمات ولادة طبيعية كريمة تكسر احتكار القطاع الخاص لقرار جسد المرأة.

