كشفت تصريحات وزير البترول في القاهرة عن خفض مديونية الشركاء الأجانب من 6.1 مليار دولار في يونيو 2024 إلى نحو 721 مليون دولار في مايو 2026، لكن هذا الرقم فتح ملفا أخطر من السداد نفسه، لأن التسوية ارتبطت باتهامات عن تنازل مصر عن جزء من حصصها بدلاً من دفع نقدي معلن.

 

طالبت دعوات سياسية بفتح استجواب برلماني حول أصل مديونية قطاع البترول وطريقة تسويتها، لأن الأزمة لا تمس بندا محاسبيا داخل الهيئة العامة للبترول فقط، بل تمس ملكية المصريين في الغاز والثروة الطبيعية، وتكشف كيف تحولت أزمة الدولار والإدارة إلى ضغط مباشر على حصص الدولة في شركات استراتيجية.

 

مديونية تراكمت في الظل وسداد غابت تفاصيله

 

في البداية، يضع رقم 6.1 مليار دولار في يونيو 2024 الحكومة أمام سؤال واضح عن كيفية تراكم مديونية الشركاء الأجانب، لأن الديون لم تظهر فجأة في دفاتر قطاع البترول، بل نتجت عن سنوات من تأخر السداد ونقص العملة الأجنبية وتراجع الإنتاج، ثم جرى تقديم انخفاضها كإنجاز منفصل عن أسبابها.

 

وبعد ذلك، يصبح إعلان الوصول إلى 721 مليون دولار في مايو 2026 غير كاف لتبرئة الإدارة الحكومية، لأن السؤال الأهم يتعلق بطريقة السداد، وما إذا كانت الهيئة العامة للبترول سجلت هذه الالتزامات في موازناتها بوضوح، وهل عالجت وزارة المالية الأثر الحقيقي على الدين والملكية العامة.

 

لذلك، لا يكفي أن تعلن الوزارة خفض المديونية بينما تبقى وثائق التسوية بعيدة عن الجمهور، لأن المال العام لا يقاس بالرصيد المتبقي فقط، بل يقاس أيضا بما قدمته الدولة مقابله، خصوصا عندما تتردد اتهامات عن تسوية عينية عبر حصص وشركات لا عبر تحويلات نقدية مباشرة.

 

في هذا السياق، يرى الباحث الاقتصادي عبد الخالق فاروق أن أزمة الديون في مصر ترتبط بتوسع السلطة في تحميل الأجيال المقبلة كلفة قرارات غير خاضعة لمساءلة حقيقية، وهذا الرأي يضع مديونية البترول ضمن نمط أوسع من إدارة الالتزامات خارج نقاش عام واضح.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح فتح ملفات التسوية السابقة مع الشركاء الأجانب ضرورة رقابية لا مطلبا سياسيا فقط، لأن الحكومة مطالبة بإعلان ما تم تنفيذه وما تعطل وأسباب إعادة التفاوض، حتى يعرف المواطن إن كان خفض الدين قد أنقذ القطاع أم نقل الخسارة إلى أصل عام.

 

الشريك الأجنبي زادت قوته ومصر دفعت من حصتها

 

لاحقا، تبرز خطورة الاتهام المتعلق برفع حصة الشريك الأجنبي إلى 65% مقابل تراجع حصة مصر إلى 35%، لأن هذا التحول يعني أن الدولة لم تدفع فقط من النقد المتاح، بل قد تكون دفعت من نصيبها المستقبلي في الإنتاج والعوائد، وهو ما يحتاج إلى مراجعة دستورية وتعاقدية معلنة.

 

ومن هنا، يجب أن يشمل أي استجواب مراجعة كافة أوجه إنفاق الشركاء الأجانب في مشروعات تطوير الاكتشافات، لأن الهيئة العامة للبترول تتحمل جانبا من المصروفات باعتبارها الشريك المصري، ولا يجوز أن تتحول تقارير النفقات الأجنبية إلى التزامات على مصر من دون تدقيق مستقل ومنشور.

 

كذلك، يجب أن تمتد المراجعة إلى التقارير الرقابية التي اعتمدت هذه النفقات، مع تحديد القيادات التي تولت الفحص داخل الشركات والهيئة والوزارة خلال آخر 10 سنوات، لأن المسؤولية في هذا الملف لا تتعلق بوزير حالي فقط، بل بسلسلة قرارات إدارية ومالية راكمت المديونية ثم أعادت ترتيب الملكية.

 

وبالتوازي، يرى الباحث في الاقتصاد السياسي وائل جمال أن مشكلة برامج الحكومة الاقتصادية تكمن في غياب الشفافية وعدم وضوح آليات التنفيذ، وهذا التوصيف ينطبق على ملف البترول عندما تعلن الدولة رقما نهائيا عن خفض المديونية من دون نشر عقود التسوية أو أثرها على ملكية الأصول.

 

نتيجة لذلك، يصبح طلب مراجعة الثروات الشخصية لقيادات الشركات والهيئة ووزارة البترول خلال آخر 10 سنوات جزءا من فحص تضارب المصالح لا اتهاما مسبقا، لأن ملفا بهذا الحجم يحتاج إلى إقرارات ذمة مالية ومراجعة رقابية تثبت أن قرارات التسوية لم تخدم مصالح خاصة.

 

دمياط وظهر وتضارب المصالح يفتحون ملف الثروة

 

بعد هذه الأسئلة، يعود ملف معملي الإسالة في دمياط إلى الواجهة بسبب الاتفاقات التي أعادت تشغيل المصنع بعد توقف طويل، إذ تغيرت هياكل الملكية والتزامات التسوية مع الشركاء، وظهرت تساؤلات عن مصروفات فترات التوقف والصيانة ومن اعتمدها على حساب الشريك المصري.

 

وبسبب ارتباط دمياط بشركات أجنبية كبرى، لا يمكن فصل هذا الملف عن العلاقة مع شركة إيني الإيطالية وحقل ظهر، لأن حصة إيني في امتياز ظهر تبلغ 50% من حصة المقاول، بينما تمتلك روسنفت 30% وبي بي 10% ومبادلة 10%، وهو توزيع يجعل أي تعديل في مصالح الغاز ملفا سياديا حساسا.

 

ثم تأتي المطالبة بتقرير مدعم بالأدلة حول تراجع حصة مصر في ترتيبات دمياط لصالح إيني وعلاقة ذلك بحقل ظهر، لأن الحكومة قدمت الاكتشافات الكبرى كدليل نجاح، لكنها لم تنشر للرأي العام كشفا واضحا يربط بين كلفة التطوير والديون والتسويات وحصص الشركاء الأجانب.

 

وفي هذا الإطار، يلفت الخبير الاقتصادي ممدوح الولي في كتاباته إلى ضغط واردات البترول وعوائد استثمارات الأجانب على موارد النقد الأجنبي، وهذا يفسر كيف تتحول مديونية الشركاء إلى ملف يتجاوز قطاع الطاقة، لأن تراجع الإنتاج يرفع الاستيراد ثم يعمق أزمة الدولار والالتزامات الخارجية.

 

أخيرا، يفرض تضارب المصالح سؤالا ضروريا حول نظر رئيس لجنة الطاقة بالبرلمان لأي استجواب يتعلق بفترة شغل فيها مسؤولون سابقون مواقع تنفيذية داخل قطاع البترول، لأن الرقابة البرلمانية تفقد معناها عندما يفحص المسؤول السابق قرارات فترة كان جزءا من إدارتها أو قريبا من ملفاتها.

 

وفي النهاية، لا يحتاج ملف مديونية الشركاء الأجانب إلى تهنئة حكومية على خفض رقم معلن، بل يحتاج إلى نشر عقود التسوية وكشف الحصص قبل وبعد السداد ومراجعة مصروفات الشركاء وإعلان المسؤولين عن اعتمادها، لأن تنازل الدولة عن جزء من ثروتها لسداد دين غير مشروح يمثل سابقة خطيرة يجب أن تخضع لمحاسبة برلمانية ودستورية كاملة.