أعلن قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي حزمة قرارات خلال احتفال عيد العمال في مقر الشركة الوطنية المصرية لصناعات السكك الحديدية شرق بورسعيد، وتضمنت منحة شهرية بقيمة 1500 جنيه للعمالة غير المنتظمة من مايو إلى يوليو 2026، وإعفاءات من رسوم شهادات المهارة وتراخيص المزاولة، ورفع تعويض الوفاة في حوادث العمل إلى 300 ألف جنيه.
كشفت هذه القرارات حدود الخطاب الرسمي الذي يحاول تقديم الدعم النقدي كاستجابة لأزمة أوسع، لأن سوق العمل المصري لا يواجه مشكلة رسوم أو منصة رقمية فقط، بل يواجه اقتصادًا يعجز عن إنتاج وظائف مستقرة تكفي الداخلين الجدد، بينما تتحمل العمالة غير المنتظمة ثمن سياسات حكومية أبقت ملايين العمال خارج التأمين والعقود والحماية.
منحة العمالة غير المنتظمة لا تعوض غياب الحماية
بداية، جاءت منحة 1500 جنيه شهريًا لمدة 3 أشهر كإجراء محدود زمنيًا، بينما يواجه العامل غير المنتظم مصروفات يومية ثابتة في الغذاء والمواصلات والسكن. وزارة العمل قالت إن منحة عيد العمال تصل إلى 1500 جنيه لكل عامل، بإجمالي 355.3 مليون جنيه يستفيد منها 236849 عاملًا في 27 محافظة.
ثم أضافت قرارات الإعفاء من رسوم شهادات قياس مستوى المهارة وتراخيص مزاولة الحرف بعدًا إداريًا للحزمة، إذ تريد الحكومة دفع بعض فئات العمالة غير المنتظمة إلى التسجيل الرسمي. لكن هذا التسجيل لا يكفي وحده، لأن العامل يحتاج عقدًا واضحًا وتأمينًا صحيًا واجتماعيًا وأجرًا لا يقل عن تكلفة المعيشة.
في المقابل، يرى الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن عمال المنصات والتوصيل يدخلون ضمن كتلة أوسع من العمالة غير المنتظمة، وأن هؤلاء محرومون من التنظيم النقابي والعقود والحماية الاجتماعية. هذا الرأي يضع قرارات عيد العمال أمام اختبار عملي، لأن الحماية تبدأ من الحقوق القانونية لا من المنح الموسمية.
لذلك، تبدو زيادة تعويضات الوفاة والعجز في حوادث العمل خطوة لازمة لكنها متأخرة، لأن الحادث لا يبدأ عند لحظة الوفاة أو الإصابة. العامل يحتاج تفتيشًا على مواقع العمل، وإلزامًا فعليًا لصاحب العمل بتدابير السلامة، وتسجيلًا إلزاميًا يمنع هروب المنشآت من المسؤولية عند وقوع الضرر.
رقم البطالة يخفي فجوة الوظائف الجديدة
بعد ذلك، استخدم السيسي رقم البطالة البالغ 6.2% للدلالة على تحسن سوق العمل، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن 60% من المصريين دون سن 40 عامًا، وأن هؤلاء يمثلون ضغطًا متواصلًا على فرص التشغيل. هذا الاعتراف يهدم الدعاية التي تتعامل مع انخفاض البطالة كدليل كاف على نجاح السياسات.
في السياق نفسه، يقدم البنك الدولي رقمًا أكثر كشفًا من معدل البطالة، إذ يدخل نحو 1.3 مليون شاب وشابة إلى سوق العمل المصري سنويًا، بينما يخلق الاقتصاد نحو نصف مليون وظيفة فقط. هذا الفارق يعني أن الأزمة تتراكم كل عام، حتى لو بدا معدل البطالة الرسمي منخفضًا على الورق.
من هنا، لا يكفي الإعلان عن منصة رقمية لسوق العمل لربط الشباب بالفرص المتاحة، لأن المنصة لا تخلق فرصة جديدة إذا كان القطاع الخاص غير قادر على التوسع. تقرير رويترز عن مؤشر مديري المشتريات أظهر انكماش القطاع الخاص غير النفطي في سبتمبر 2025 وتوقف نمو التوظيف بعد شهرين من زيادات طفيفة.
كذلك، يلفت كمال عباس، المنسق العام لدار الخدمات النقابية والعمالية، إلى أن أصحاب أعمال كثيرين في القطاع الخاص لا يلتزمون بالحد الأدنى للأجور، بل إن جهات حكومية لا تطبقه بشكل صحيح. هذا الطرح يربط أزمة التشغيل بجودة الوظيفة لا بعددها فقط.
وعليه، يصبح معدل البطالة الرسمي قاصرًا عن وصف الواقع، لأن العامل الذي يقبل وظيفة مؤقتة أو أجرًا منخفضًا أو عملًا بلا تأمين لا يختفي من الأزمة. الحكومة تحتسبه غالبًا ضمن المشتغلين، بينما يظل هو داخل دائرة الفقر الوظيفي التي لا تعالجها الاحتفالات ولا البيانات الرسمية.
التعليم وسوق العمل بين الوعود والاقتصاد العاجز
لاحقًا، تحدثت القرارات عن تشكيل لجان حكومية لمواءمة التعليم مع احتياجات سوق العمل، وهي صياغة تتكرر منذ سنوات مع كل نقاش حول البطالة. المشكلة هنا أن فجوة المهارات حقيقية، لكنها لا تفسر وحدها ضعف التشغيل، لأن الاقتصاد لا يفتح مسارات كافية أمام الخريجين حتى بعد التدريب.
في هذا الإطار، تشير الباحثة الاقتصادية سلمى حسين إلى أن 65% من المصريين يعتمدون على أجورهم فقط، وأن الحكومة يجب أن تضغط على القطاع الخاص لتطبيق الحد الأدنى للأجور وتحسين الأوضاع. هذا الرأي يحول النقاش من تدريب العمال إلى إلزام أصحاب العمل بحقوقهم الأساسية.
بالتوازي، تكشف بيانات نشرها إلهامي الميرغني أن 67% من عمال القطاع الخاص المنظم و90% من عمال القطاع الخاص غير المنظم غير مشتركين في أنظمة التأمين الاجتماعي، وأن عمال القطاع الخاص غير المنظم وصلوا إلى 7.5 مليون عامل في 2023. هذه الأرقام تشرح عمق الخلل القانوني والاجتماعي.
غير أن الحكومة تواصل تقديم الأزمة كمسألة مواءمة بين التعليم والوظائف، بينما تترك جوهر الأزمة في بنية الاقتصاد نفسه. القطاع الخاص المنكمش لا يستوعب الخريجين، والقطاع العام لم يعد بابًا واسعًا للتشغيل، والمشروعات كثيفة الإنفاق لا تضمن وظائف دائمة بعد انتهاء مراحل التنفيذ.
أخيرًا، تضع قرارات عيد العمال 2026 الحكومة أمام تناقض واضح، فهي تعلن دعم العمالة غير المنتظمة، لكنها لا تقدم خطة ملزمة لتحويل ملايين العمال إلى قطاع رسمي محمي. وتعلن انخفاض البطالة، لكنها تعترف بتدفق شبابي واسع على سوق لا ينتج وظائف كافية. لذلك، تبقى المنحة مؤقتة، ويبقى السؤال دائمًا: من يحاسب السلطة على اقتصاد يطلب من العمال الصبر، ولا يمنحهم عملًا آمنًا أو أجرًا عادلًا أو حماية حقيقية.

