أعلنت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تراجع معدل البطالة خلال عام 2025 إلى 6.3% مقابل 6.6% في عام 2024، في خبر قدمته الحكومة باعتباره دليلا على تحسن سوق العمل، لكن الرقم لم يغلق باب السؤال الاجتماعي، لأن ملايين الأسر تقيس التحسن من دخل ثابت ووظيفة آمنة لا من مؤشر ينخفض بثلاثة أعشار نقطة فقط.
رقم أقل وقلق أكبر
أوضح الجهاز في نشرته السنوية الصادرة يوم 29 أبريل 2026 أن بطالة الشباب بين 15 و29 عاما تراجعت إلى 13.2%، وأن البطالة في الريف هبطت إلى 3.5% بينما ارتفعت في الحضر إلى 9.8%، وهذه الفجوة تجعل قراءة الرقم العام وحده قراءة ناقصة، لأن سوق العمل لا يتحرك كتلة واحدة ولا يوزع الفرص بعدالة بين المحافظات.
ولفتت هذه التفاصيل إلى أن الحكومة نجحت في تحسين المؤشر الكلي أكثر مما نجحت في تحسين الإحساس اليومي بالعمل، إذ يظهر الريف أقل بطالة بسبب الزراعة والعمل العائلي والمهن غير المنتظمة، بينما تكشف المدن ضغطا أعلى على الخريجين والعمالة الباحثة عن أجر نقدي منتظم، ولذلك يصبح السؤال الحقيقي عن طبيعة الوظيفة لا عن وجودها فقط.
وفي ظل هذا التباين يرى الدكتور مدحت نافع أن انخفاض البطالة في مصر يظل مرتبطا بوجود قطاع غير رسمي واسع يمتص جزءا من الداخلين إلى سوق العمل، وهو ما يعني أن تراجع الرقم لا يساوي بالضرورة انتقال العامل إلى وظيفة منتجة ومؤمنة، بل قد يعني انتقاله إلى عمل هش لا يظهر كأزمة في الجداول الرسمية.
الشباب يدفعون ثمن الفجوة
يبين معدل بطالة الشباب أن الأزمة ما زالت في قلب السوق لا في هامشه، لأن نسبة 13.2% بين الفئة الأكثر بحثا عن بداية مهنية تعني أن التعليم لا يقود تلقائيا إلى فرصة مناسبة، وأن الاقتصاد يفتح أبوابا لا تتفق دائما مع سنوات الدراسة أو توقعات الأجر أو مهارات الخريجين الذين يدخلون السوق تحت ضغط الأسعار.
وأكد هذا المعنى أن كثيرا من الشباب لا ينتظر وظيفة الأحلام بقدر ما يبحث عن الحد الأدنى من الاستقرار، لكن السوق يدفعه إلى عمل مؤقت أو خارج التخصص أو بلا تأمين، وعندما يقبل الشاب هذه الشروط يخرج من خانة البطالة في الإحصاء بينما يدخل في خانة أوسع من القلق الاجتماعي والمهني طويل الأجل.
وفي موازاة ذلك قال المهندس هاني توفيق إن متوسط دخل الموظف المصري يدور حول 165 دولارا شهريا، وهي إشارة قاسية إلى أن العمل نفسه لم يعد ضمانة كافية للحياة، لأن انخفاض البطالة يفقد قيمته عندما يظل الأجر عاجزا عن ملاحقة الأسعار، وحين تتحول الوظيفة إلى وسيلة بقاء لا إلى طريق لتحسن اجتماعي حقيقي.
الوظائف موجودة والجودة غائبة
يرى الدكتور عبد المنعم السيد أن المشروعات كثيفة العمالة ساعدت خلال السنوات الماضية في خفض البطالة من مستويات مرتفعة، وأن دخول نحو مليون شاب سنويا إلى سوق العمل يجعل أي تراجع في المؤشر أمرا لافتا، غير أن هذه القراءة لا تنفي أن معيار النجاح الأهم يجب أن يكون نوع العمل واستمراره وإنتاجيته لا عدد الداخلين إلى قوائم المشتغلين.
وأشار هذا الطرح إلى خلفية أوسع تتمثل في اعتماد الدولة لسنوات على مشروعات كبيرة خلقت فرصا مباشرة وغير مباشرة، لكنها لم تعالج بما يكفي ضعف الإنتاجية وتواضع الأجور وتوسع الاقتصاد غير الرسمي، ولذلك بدا التحسن أقرب إلى تهدئة إحصائية منه إلى انتقال حقيقي في شروط العمل والمعيشة بالنسبة لشرائح واسعة من العاملين.
كما تؤكد الأرقام أن ارتفاع البطالة في الحضر لا ينفصل عن تركز التعليم والخدمات والبحث عن الوظائف الرسمية في المدن، فالعامل الحضري يريد عقدا وأجرا وتأمينا وترقيا، بينما يستطيع الريف إخفاء البطالة داخل أعمال عائلية وموسمية، ولهذا تبدو المقارنة بين الريف والحضر كاشفة لطبيعة الأزمة أكثر من كونها إنجازا صافيا للحكومة.
ويؤكد هذا المسار أن المشكلة لم تعد في قدرة الاقتصاد على تشغيل عدد إضافي من الأفراد فقط، بل في قدرته على إنتاج وظيفة محترمة تضمن دخلا قابلا للحياة وتحمي العامل من الهشاشة، لأن التشغيل منخفض الأجر قد يخفض البطالة في البيان الرسمي، لكنه لا يخفض الخوف من المرض أو الإيجار أو الغلاء.
وأخيرا اختمت هذه القراءة بنتيجة واضحة، وهي أن الحكومة تستطيع إعلان انخفاض البطالة لكنها لا تستطيع مطالبة الناس بتصديق التحسن قبل أن يجدوه في المرتب والسكن والمواصلات والأمان الوظيفي، فالمؤشر الذي لا يغير حياة العامل يبقى رقما معزولا، والاقتصاد الذي يخلق وظائف رديئة يؤجل الغضب ولا يعالج سببه.
استندت الأرقام الأساسية إلى بيانات منشورة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، كما استندت صياغة آراء الخبراء إلى تصريحات منشورة للدكتور مدحت نافع والمهندس هاني توفيق والدكتور عبد المنعم السيد.

