فضح منشور صانع المحتوى الدنماركي أوليفر بال فرانك حصيلة 10 سنوات من إدارة اقتصادية دفعت مصر إلى الديون والتضخم وتراجع الأولويات، بينما تواصل الحكومة ترويج مشروعات لم تنقذ معيشة الناس.

 

يكشف تلخيصه لأسباب الانهيار أن الأزمة لم تكن مفاجئة، بل نتيجة مسار حكم اختار الإنفاق الضخم والاستدانة وهيمنة الأجهزة على السوق، ثم ترك المواطن يواجه فاتورة الفشل وحده.

 

مشروعات ضخمة وسوء ترتيب للأولويات

 

في البداية، ركز أوليفر بال فرانك على أن مصر استثمرت مليارات في مشروعات ضخمة لكنها غير مجدية أو فارغة حاليا، وهو اتهام يطابق انتقادات واسعة لمسار توسع الحكومة في الإنشاءات والعاصمة الإدارية والطرق والمدن الجديدة قبل إصلاح الإنتاج والخدمات.

 

بعد ذلك، كشف صندوق النقد الدولي أن مصر تحتاج إلى تقليص دور الدولة في الاقتصاد، وإفساح مساحة أكبر للقطاع الخاص، وخفض الاستثمارات العامة، وهو ما يؤكد أن الأزمة لا ترتبط بنقص الدعاية الرسمية، بل بنموذج إنفاق حكومي استنزف الموارد.

 

وبناء على ذلك، يتحول الحديث عن المشروعات القومية إلى سؤال محاسبة، لأن الحكومة قدمت الإنشاءات بوصفها طريقا للنمو، ثم عادت مؤسسات التمويل الدولية لتطالبها بخفض الإنفاق العام وتمكين القطاع الخاص بعد سنوات من توسع الدولة في السوق.

 

وفي السياق نفسه، يرى الكاتب الاقتصادي ممدوح الولي أن حديث الحكومة عن المشروعات القومية كشف مأزق القطاع الخاص، لأن رئيس الوزراء نفسه أقر بأن القطاع الخاص كان يعاني ويحاول البقاء، بينما واصلت الدولة تنفيذ مشروعات ضخمة باسم غياب البديل.

 

لهذا السبب، لا تبدو المشكلة في بناء طريق أو مدينة فقط، بل في ترتيب الأولويات، لأن الحكومة وضعت الإنشاءات الثقيلة قبل الصناعة والزراعة والتعليم والصحة، ثم تعاملت مع كل انتقاد باعتباره إنكارا للإنجاز لا مطالبة بحساب العائد.

 

ومن ناحية أخرى، أشار المنشور إلى أن هناك سوء ترتيب للأولويات، واستشهد بتقديم قطارات المدن الجديدة على مترو يخدم ملايين المواطنين، وهو مثال واضح على ميل الحكومة إلى مشروعات تستعرضها السلطة أكثر مما تعالج احتياجات النقل اليومية.

 

ديون متضاعفة وجنيه يدفع ثمن الاستدانة

 

ثم انتقل المنشور إلى ملف الديون، وقال إن الديون الخارجية تضاعفت 4 مرات في عهد السيسي لتصل إلى مستوى يلتهم الإيرادات، وهي خلاصة تعكس القلق العام من توسع الحكومة في الاقتراض لتمويل مشروعات لا تنتج دولارات كافية.

 

وبحسب صندوق النقد الدولي، ما زالت مصر تواجه دينا مرتفعا واحتياجات تمويلية كبيرة ومخاطر متوسطة الأجل، كما تظل مدفوعات الفائدة عبئا واسعا على الموازنة، وهو ما يضغط على قدرة الدولة على الإنفاق الاجتماعي والخدمات الأساسية.

 

كما أكدت رويترز أن صندوق النقد طالب مصر بإصلاحات أعمق، خاصة تقليص دور الدولة في الاقتصاد والتخارج من الأصول المملوكة لها، وهي مطالب تكشف أن الحكومة لم تحل أصل الأزمة رغم القروض والتعويم وبيع الأصول.

 

وبالتوازي، يربط ممدوح الولي بين طرح السندات الدولارية وسد الفجوة الدولارية الناتجة عن زيادة الالتزامات بالعملات الأجنبية، ما يعني أن الحكومة دخلت في دائرة اقتراض جديدة لمواجهة التزامات قديمة لا لتمويل إنتاج حقيقي.

 

لذلك، تظهر خطورة الدين في تفاصيل الحياة اليومية، لأن المواطن لا يرى القروض في ميزانية الدولة فقط، بل يراها في ارتفاع الأسعار وتراجع الجنيه وزيادة الضرائب والرسوم وخفض الدعم وارتفاع تكلفة السلع الأساسية داخل السوق.

 

وعلى هذا الأساس، يصبح الوضع الحالي نزيفا دائما كما قال المنشور، لأن الحكومة تمول أزمتها منذ سنوات دون إصلاح حقيقي، بينما تستخدم القروض والودائع وبيع الأصول لتأجيل الانفجار لا لتغيير نموذج اقتصادي فاشل.

 

هيمنة الجيش وتراجع القطاع الخاص واستثمار البشر

 

لاحقا، أشار المنشور إلى امتلاك القوات المسلحة إمبراطورية اقتصادية غامضة تشمل قطاعات واسعة، وهو اتهام تسانده دراسات مستقلة تحدثت عن صعود دور المؤسسة العسكرية بعد 2013 وتحولها إلى فاعل اقتصادي مؤثر في الأسواق والاستثمار.

 

وفي هذا السياق، قالت دراسة مركز كارنيغي إن توسع الدور الاقتصادي للمؤسسة العسكرية منحها قدرة على إعادة تشكيل الأسواق والتأثير في سياسات الحكومة واستراتيجيات الاستثمار، حتى لو كانت حصتها الفعلية من الاقتصاد محل تقديرات متفاوتة.

 

ثم يضع الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق الأزمة في سياق أوسع، إذ تركز كتاباته على الفساد الإداري والاقتصادي وسياسات بيع الأصول وتوريط البلاد في الديون، وقد وثقت منظمات حقوقية ملاحقته بسبب آرائه الناقدة للسلطة.

 

ولهذا السبب، لا يمكن فصل هيمنة الأجهزة على الاقتصاد عن تراجع القطاع الخاص، لأن المستثمر المحلي أو الأجنبي لا ينافس في سوق طبيعية عندما تدخل جهات مرتبطة بالدولة بامتيازات ضريبية وإدارية وتمويلية لا تتاح للآخرين.

 

إضافة إلى ذلك، قال المنشور إن الوضع الحالي يمول منذ سنوات دون إصلاحه، وهذه الجملة تلخص علاقة الحكومة بالمواطن، حيث تطلب السلطة صبرا جديدا مع كل أزمة، لكنها لا تقدم كشف حساب عن تكلفة المشروعات ولا عن عوائدها الفعلية.

 

في المقابل، يركز عبد الخالق فاروق في كتاباته على أن مصر ليست دولة فقيرة بالموارد، بل دولة تعاني سوء إدارة وفسادا وهيمنة مصالح ضيقة، وهو طرح يضرب الرواية الرسمية التي تحمل السكان والفقراء مسؤولية الأزمة.

 

كذلك، يربط خبراء مستقلون بين ضعف الاستثمار في البشر وفشل النمو، لأن التعليم والصحة والتدريب لم تتحول إلى أولوية موازنة، بينما ذهبت مليارات إلى خرسانة ومدن ومقار إدارية لا تعالج إنتاجية العامل ولا دخل الأسرة.

 

ومن ثم، يصبح انهيار الاقتصاد المصري خلال 10 سنوات نتيجة مسار سياسي واضح، لا نتيجة حظ سيئ أو ظروف خارجية فقط، لأن الحكومة اختارت الدين قبل الإنتاج، والإنشاءات قبل البشر، والسيطرة قبل المنافسة، والدعاية قبل الشفافية.

 

وأخيرا، لا يحتاج الاقتصاد المصري إلى منشور أجنبي كي يكتشف أزمته، لأن الأسعار والديون وتراجع الجنيه تكشف الحقيقة يوميا، لكن أهمية منشور أوليفر بال فرانك أنه جمع الاتهامات في نقاط مباشرة تضع الحكومة أمام حصاد 10 سنوات من الاختيارات الخاطئة.