يفتح انسحاب الإمارات من أوبك وأوبك بلس بابا واسعا أمام أسئلة النفط والهيمنة الخليجية، بعدما قررت أبوظبي مغادرة المنظمة بداية من 1 مايو وسط اضطرابات حادة في سوق الطاقة.

 

يكشف القرار أن الحكومة الإماراتية اختارت مصلحتها المباشرة فوق الالتزام الجماعي، بينما تضرب الحرب على إيران ومضيق هرمز قدرة الخليج على ضبط النفط والدولار والتحالفات القديمة.

 

خروج إماراتي يهز أوبك ويكسر الانضباط النفطي

 

في البداية، أعلنت الإمارات يوم الثلاثاء 28 أبريل انسحابها من منظمة الدول المصدرة للبترول أوبك ومن تحالف أوبك بلس بداية من 1 مايو، في قرار يضع أحد كبار المنتجين خارج نظام الحصص الذي حكم سوق النفط لعقود طويلة.

 

وبحسب وكالة الأنباء الإماراتية وام، قالت الحكومة الإماراتية إن القرار جاء بناء على المصلحة الوطنية والالتزام بالمساهمة الفعالة في تلبية احتياجات السوق الملحة، وهي صياغة رسمية تخفي حجم الصدام بين حرية الإنتاج وقواعد المنظمة.

 

ثم قال وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي إن مغادرة أوبك وأوبك بلس تمنح بلاده مرونة أكبر لأنها لن تبقى ملتزمة بقيود المجموعة، وأضاف أن القرار لم يجر بالتشاور المباشر مع دول أخرى، بما في ذلك السعودية.

 

وفي هذا السياق، يرى جيم كرين، الباحث في معهد بيكر بجامعة رايس، أن أبوظبي أظهرت خلال السنوات الأخيرة ضيقا متزايدا بسياسات أوبك، خاصة بعد دخول روسيا إلى قيادة أوبك بلس إلى جانب السعودية منذ 2016.

 

لذلك، لا يبدو القرار الإماراتي مجرد تعديل إداري في عضوية منظمة نفطية، لأن الإمارات ظلت عضوا في أوبك منذ 1967، وأسهمت لعقود في نظام يراقب السوق ويقرر رفع الإنتاج أو خفضه لحماية الأسعار.

 

كما يضع الخروج الإماراتي أوبك أمام خسارة سياسية واضحة، لأن المنظمة تعتمد على التزام كبار المنتجين لضبط العرض، بينما يمنح الانسحاب أبوظبي فرصة لزيادة الإنتاج لاحقا بعيدا عن الحصص التي كانت تقيد طموحها النفطي.

 

خلافات أبوظبي والرياض تنتقل من الكواليس إلى السوق

 

بعد ذلك، عاد إلى الواجهة ما نشرته وول ستريت جورنال في مارس عن نوايا إماراتية لمغادرة أوبك بسبب خلافات مع السعودية حول حرب اليمن والتنافس الاستثماري وحصص الإنتاج، رغم أن مصادر مجهلة سارعت وقتها إلى نفي الأمر.

 

وعلى هذا الأساس، يكشف إعلان أبريل أن النفي السابق لم يغلق الأزمة، لأن الخلافات حول حصص الإنتاج ظهرت علنا منذ 2021 عندما طالبت الإمارات برفع خط الأساس لإنتاجها، بينما رفضت السعودية فتح الباب أمام تعديل يهدد تماسك أوبك بلس.

 

وفي قراءة مبكرة لذلك الصدام، قالت هليما كروفت، رئيسة استراتيجية السلع في آر بي سي كابيتال ماركتس، إن احتمال خروج الإمارات من أوبك ارتفع ماديا أثناء أزمة 2021، حتى لو لم يكن سيناريو أساسيا مؤكدا آنذاك.

 

ومن ناحية أخرى، لا تنفصل أزمة النفط عن التنافس الاقتصادي بين أبوظبي والرياض، لأن السعودية تريد قيادة سوق الطاقة والمنطقة، بينما تدفع الإمارات نحو توسيع إنتاجها النفطي وجذب الاستثمارات وترسيخ دورها كمركز مالي وتجاري مستقل.

 

وبالتوازي، قالت كارين يونغ، الباحثة المتخصصة في اقتصاد الخليج، إن المشهد الخليجي صار أكثر تنافسية عبر قضايا اقتصادية متعددة، وهو توصيف يفسر انتقال الخلاف من الملفات الاستثمارية إلى قلب منظمة النفط التي تقودها السعودية.

 

لهذا السبب، يمثل الانسحاب ضربة لصورة الانضباط الخليجي التي روجتها الحكومات طويلا، لأن أبوظبي قررت الخروج من الإطار الذي تقوده الرياض، بينما تضع المنظمة أمام احتمال عدوى سياسية إذا قرر منتجون آخرون رفض قواعد الحصص.

 

حرب إيران ومضيق هرمز تضغط على النفط والدولار

 

في المقابل، جاء الإعلان وسط اضطرابات حادة بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، بعدما أثرت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة وإغلاق مضيق هرمز على قدرة الإمارات ودول الخليج على تصدير النفط بانتظام.

 

وبحسب تقديرات منشورة اليوم، تمر عبر مضيق هرمز نسبة تقارب خُمس إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال عالميا، ولذلك يؤدي إغلاقه أو تعطيله إلى رفع كلفة الشحن والتأمين وإرباك التصدير من الخليج إلى الأسواق الآسيوية والغربية.

 

ثم زادت ضغوط الحرب على حسابات أبوظبي المالية، إذ أشارت تقارير إلى طلب إماراتي بإنشاء خط تبادل عملات مع الولايات المتحدة لتأمين السيولة الدولارية، وسط مخاوف من استمرار الضغط على التجارة والطاقة والتمويل.

 

كما لوحت الإمارات بإمكانية استخدام اليوان الصيني في تسعير بعض صادراتها إذا استمر الضغط، وهو تلويح يضرب رمزية نظام البترودولار الذي ارتبط منذ السبعينيات بتسعير النفط الخليجي بالدولار وبالتفاهمات الأمريكية السعودية.

 

وبناء على ذلك، يتجاوز القرار الإماراتي حدود أوبك، لأنه يفتح ملفا أوسع عن مستقبل تسعير الطاقة، وعن قدرة واشنطن والرياض على حماية نظام البترودولار، وعن رغبة أبوظبي في استخدام النفط كأداة تفاوضية مستقلة.

 

كذلك، يضع الخروج الإماراتي الأسواق أمام مرحلة أكثر تقلبا، لأن أوبك بلس كانت تعتمد على التنسيق بين السعودية وروسيا وكبار المنتجين لضبط الأسعار، بينما يضيف الانسحاب منتجا كبيرا خارج القيود في لحظة حرب وإغلاق ممر بحري حساس.

 

وأخيرا، يكشف انسحاب الإمارات أن الحكومات النفطية لا تتحرك وفق شعارات استقرار السوق فقط، بل وفق مصالحها الضيقة حين تتزاحم الحصص والتحالفات والضغوط الأمريكية والصينية، ولذلك يدفع المستهلكون والاقتصادات الضعيفة كلفة صراع المنتجين الكبار.