فتح محمود محي الدين ملفا اقتصاديا ثقيلا أمام الحكومة المصرية، بعدما ربط تراكم الديون بغياب وحدة الموازنة وتوسع الدولة في مشروعات كان القطاع الخاص قادرا على تنفيذها.
يضع حديث محي الدين أزمة النمو في موقعها المباشر، حيث لا تكفي المشروعات الممولة بالدين، ولا يمكن مضاعفة الاقتصاد من دون استثمار خاص وإيرادات عامة أقوى واستثمار جاد في البشر.
القطاع الخاص بين الفرصة المعطلة وهيمنة الدولة
في البداية، قال محمود محي الدين، المبعوث الخاص للأمم المتحدة لتمويل أجندة التنمية المستدامة، إن القطاع الخاص يمتلك قدرات واسعة في القطاعات الاستثمارية والتنموية، ولا يجب حصر دوره في العقار فقط، لأن الصناعة والزراعة تحتاجان إلى تمويل وتكنولوجيا وخبرة تشغيلية لا توفرها الحكومة بالكفاءة نفسها.
بعد ذلك، أوضح محي الدين خلال مقابلة مع برنامج الحكاية الذي يقدمه عمرو أديب عبر شاشة إم بي سي مصر مساء الأحد، أن الحكومة تستطيع المشاركة بقطع أرض في مشروعات استثمارية، بينما يقدم القطاع الخاص التمويل والتكنولوجيا والإدارة القادرة على تحويل الأصول المعطلة إلى نشاط منتج.
وعلى هذا الأساس، شدد محي الدين على أن الدولة يجب أن تتخارج من كل مجال يستطيع القطاع الخاص تنفيذه، وأن دور الحكومة يجب أن يتحول إلى الرقابة والتنظيم، لا إلى مزاحمة المستثمرين في قطاعات يفترض أنها قابلة للإدارة التجارية والتنافسية.
وفي السياق نفسه، قال الاقتصادي هاني جنينة إن مزاحمة الدولة للقطاع الخاص تمثل أحد أسباب ضعف الاستثمار الخاص، وربط تحسن النمو بإتاحة مجال أوسع للقطاع الخاص ورفع كفاءة تخصيص الموارد، وهو ما يلتقي مع تحذير محي الدين من استمرار نمط السيطرة الحكومية.
لذلك، تبدو دعوة التخارج إدانة مباشرة لمسار اقتصادي قادته الحكومة خلال سنوات، لأن الدولة توسعت في الاستثمار والتنفيذ والاقتراض، ثم طالبت القطاع الخاص بدخول السوق بعد أن ارتفعت كلفة التمويل وتراجعت قدرة المستثمرين على المنافسة داخل بيئة غير متكافئة.
الديون تكشف كلفة غياب وحدة الموازنة
ثم انتقل محي الدين إلى أصل أزمة الدين، وقال إن تراكم الديون يعود إلى عدم وحدة الموازنة، وإلى تنفيذ الحكومة استثمارات عبر الاستدانة رغم أن القطاع الخاص كان يستطيع تنفيذ هذه المشروعات، وهو اتهام واضح لمنهج إنفاق رسمي صنع أعباء مستمرة على المالية العامة.
وبحسب محي الدين، تحملت الحكومة أعباء مشروعات معينة قد لا تكون مجزية ماليا من حيث العوائد، لكنها واصلت الإنفاق عليها، بينما كان انتقال بعضها إلى القطاع الخاص قادرا على إحداث نقلة عبر الإدارة والتطوير ومواكبة التغيرات في السوق.
كما أوضح محي الدين أن الدولة اقترضت من أجل مشروعات ذات مردود اجتماعي وأخرى للتشغيل، لكنه طرح السؤال المركزي حول وجود مسار آخر غير الاستدانة، وشدد على ضرورة منع تكرار التجربة نفسها حتى لا تتحول التنمية إلى عبء دين جديد.
في المقابل، يرى وزير المالية السابق محمد معيط أن ضبط الدين العام يحتاج إلى خفض العجز وزيادة الإيرادات وتحسين إدارة المالية العامة، وتكشف هذه الرؤية أن المشكلة لا تقف عند حجم الاقتراض فقط، بل تمتد إلى طريقة إدارة الموارد داخل الموازنة.
وبناء على ذلك، يصبح غياب وحدة الموازنة مشكلة سياسية ومالية في الوقت نفسه، لأن تعدد مسارات الإنفاق يضعف الرقابة، ويمنح الحكومة قدرة على تمرير مشروعات ضخمة من دون اختبار كاف للعائد، ثم يحمل المواطنين لاحقا فوائد الدين وكلفة التقشف.
ومن ناحية أخرى، أكد محي الدين أن أزمة مصر ليست في الإنفاق العام وحده، بل في حجم الإيرادات، لأن نموذج النمو الاقتصادي الحالي لا يحقق أرباحا عالية ولا يوفر إيرادات كافية، وهو ما يزيد أثر التحديات الخارجية والداخلية على الاقتصاد. .
لهذا السبب، لا تكفي دعوات التبرع لسداد الديون ولا تصلح المبادرات المؤقتة لعلاج أزمة بنيوية، لأن محي الدين أشار إلى أن المشكلة تتعلق بالاستدانة بدل الاستثمار وبضعف وحدة الموازنة، وهي أسباب لا تعالجها حملات رمزية أو حلول قصيرة المدى. .
النمو الحقيقي يبدأ من التصدير والاستثمار في البشر
لاحقا، شدد محي الدين على ضرورة تقييم التجربة الاقتصادية بشكل كامل، وأكد أن تحقيق معدلات نمو مضاعفة لا يمكن أن يتم إلا عبر زيادة استثمارات القطاع الخاص، لأن الحكومة لا تستطيع وحدها تمويل النمو ولا إدارة كل القطاعات بكفاءة إنتاجية مستمرة.
وعلى مستوى الصادرات، أفاد محي الدين بأن السنوات الأخيرة شهدت طفرات في قطاع التصدير بقدر من التيسيرات، وأعاد ذلك إلى القطاع الخاص، بينما اعتبر أن تحقيق هذه القفزات عبر القطاع الحكومي أمر نادر، وهو تأكيد جديد على ضعف النمو الذي تقوده الدولة وحدها.
وفي هذا الاتجاه، قالت هالة السعيد، وزيرة التخطيط السابقة وخبيرة الاقتصاد، إن زيادة مساهمة القطاع الخاص تحتاج إلى بيئة استثمار مستقرة وإصلاحات مؤسسية، وتؤكد هذه الرؤية أن التصدير لا ينمو بالشعارات، بل بسياسات تزيل القيود وتضمن منافسة عادلة.
كذلك، نبه محي الدين إلى أن عدد السكان يجب أن يعامل كقوة بشرية هائلة لا كعبء، ورفض المقارنة السهلة مع دول أقل سكانا، لأن الدول كثيفة السكان حققت تقدما عندما استثمرت في البشر عبر الصحة والتعليم والبنية الأساسية.
ومن ثم، قال محي الدين إنه لا يقلق من عدد البشر في مصر، لكنه يقلق من ضعف الاستثمار فيهم، وهي عبارة تلخص فشل الحكومة في تحويل الكثافة السكانية إلى قوة إنتاج، لأن التعليم والصحة والتدريب بقيت أقل من احتياجات اقتصاد كبير.
بالتالي، تكشف تصريحات محي الدين أن الأزمة لا تتعلق بفكرة التنمية، بل بطريقة تنفيذها، حيث فضلت الحكومة الاقتراض والتوسع المباشر على تمكين القطاع الخاص، ووسعت الإنفاق من دون إيرادات كافية، ثم تركت الاستثمار في البشر خارج مركز القرار الاقتصادي.
وأخيرا، يضع هذا الحديث الحكومة أمام مراجعة لا تحتمل التأجيل، لأن استمرار الاستدانة مع ضعف الإيرادات ومزاحمة القطاع الخاص وتراجع الاستثمار في البشر يعني إعادة إنتاج الأزمة نفسها، بينما يبدأ المسار المختلف من تخارج حقيقي ورقابة فعالة وموازنة موحدة ونمو تقوده قطاعات منتجة.

