يكشف تحريض عضو الكنيست عميت هاليفي ضد تدريبات الجيش المصري في سيناء أزمة أوسع من مناورة عسكرية قرب الحدود، لأن الحكومة تركت الملف الأمني رهينة للتنسيق المغلق مع الاحتلال ثم تواجه الرأي العام بالصمت.
تزيد الواقعة إحراج السلطة المصرية، لأن التصعيد الإسرائيلي جاء بعد إعلان تدريبات بين 26 و30 أبريل قرب الحدود، بينما يظل المواطن المصري خارج أي شرح رسمي واضح بشأن سيناء واتفاقية كامب ديفيد والسيادة المصرية.
تحريض من الليكود على تدريبات الجيش المصري
في البداية، شن عميت هاليفي، عضو الكنيست عن حزب الليكود الذي يقوده بنيامين نتنياهو، هجوما مباشرا على الجيش المصري بسبب تدريبات عسكرية في سيناء بين 26 و30 أبريل، وزعم هاليفي أن المناورات المصرية قرب الحدود تمثل مؤشرا على تهديد استراتيجي لإسرائيل.
وبحسب التصريحات المتلفزة، قال هاليفي إن تدريبات الرماية التي أعلن الجيش المصري تنفيذها على بعد 100 متر من البلدات الإسرائيلية الحدودية ليست حدثا منفصلا، بل صورة من مشهد أوسع، ثم زعم أن مصر تبني بنية قتالية في سيناء وتطور جيشا ضخما وحديثا.
ثم انتقل هاليفي من التحريض الإعلامي إلى المطالبة بإجراءات عسكرية وسياسية، ودعا الجيش الإسرائيلي إلى تغيير انتشاره على الجبهة الجنوبية، كما طالب حكومة الاحتلال بالرد بحزم وبكل الأدوات السياسية المتاحة على ما سماه انتهاكا مصريا لاتفاقية السلام.
وفي السياق نفسه، ربط هاليفي حديثه بهجوم 7 أكتوبر 2023، واستخدم صدمة الاحتلال من عملية حماس لتضخيم أي نشاط مصري قرب الحدود، بينما تجاهل أن التدريبات المعلنة تجري داخل الأراضي المصرية وتخضع وفق التقارير لآليات التنسيق المرتبطة باتفاقية كامب ديفيد.
لذلك، يكشف موقف هاليفي مستوى الاستباحة السياسية التي يتعامل بها اليمين الإسرائيلي مع سيناء، لأن نائباً في حزب حاكم يطالب بتغيير انتشار الجيش الإسرائيلي ردا على تدريب مصري، بينما تلتزم القاهرة صمتا يترك الرواية الإسرائيلية تتحرك وحدها أمام الجمهور.
كامب ديفيد تحضر كقيد على سيناء لا كضمان للسيادة
تاريخيا، وقعت مصر وإسرائيل معاهدة السلام في واشنطن يوم 26 مارس 1979 بعد اتفاقية كامب ديفيد عام 1978، وتضمنت المعاهدة وقف حالة الحرب وتطبيع العلاقات وانسحاب إسرائيل من سيناء، لكنها أبقت ترتيبات أمنية قيدت الوجود العسكري المصري في مناطق محددة.
بعد ذلك، ظل الملحق الأمني للمعاهدة يقسم سيناء إلى نطاقات ذات قيود مختلفة، وفرضت تلك الترتيبات واقعا حساسا على أي انتشار عسكري مصري قرب الحدود، ولذلك تتحول التدريبات الروتينية أو المكثفة إلى مادة قابلة للاستثمار السياسي داخل إسرائيل.
في هذا الإطار، يرى الباحث مجد منضور أن التعاون الأمني بين النظام المصري وإسرائيل توسع في السنوات الأخيرة، ولم يبق محصورا في ملف سيناء، وهو رأي يفسر كيف أصبح التنسيق الأمني بابا ثابتا لإدارة الحدود بدل أن يكون استثناء مرتبطا بظرف طارئ.
وبالتوازي، نقلت تقارير إسرائيلية أن المعلومات المتعلقة بالتدريبات وصلت عبر آلية التنسيق الأمني بين الجانبين، وهذا التفصيل يضع الحكومة المصرية في موضع مساءلة، لأنها تنسق وتلتزم وتسمح بتداول التحذيرات، لكنها لا تقدم للمصريين بيانا واضحا يشرح حدود التدريب وأهدافه.
كما أن الصمت الرسمي المصري يمنح الخطاب الإسرائيلي مساحة أكبر، لأن المستوطنين يسمعون تحذيرات جيش الاحتلال، والقنوات الإسرائيلية تنشر تفاصيل المسافات والذخيرة الحية، بينما لا يسمع المصريون من حكومتهم سوى فراغ إعلامي يضع السيادة تحت إدارة الرواية المقابلة.
غضب المستوطنين وصمت القاهرة يضعان الحكومة في القفص
لاحقا، قالت قناة إسرائيل 24 إن ضباط الأمن والمستوطنين على الحدود مع مصر غضبوا بعد إبلاغهم بأن الجيش المصري سيجري تدريبات تشمل إطلاق نار على بعد 100 متر فقط من خط الحدود، واعتبر منتدى غلاف إسرائيل أن المشهد يكرر مقدمات خطرة سبقت 7 أكتوبر.
وبعدها، قالت القناة 7 الإسرائيلية إن المستوطنين ومسؤولي الأمن في المناطق القريبة من الحدود تلقوا رسالة غير معتادة ومثيرة للقلق من الجيش الإسرائيلي، حذرت من نشاط عسكري مكثف للقوات المسلحة المصرية قرب الحدود، وهو ما حول التدريب إلى أزمة داخلية إسرائيلية.
من جهته، سبق أن حذر العميد المتقاعد صفوت الزيات من محاولة إسرائيل استغلال حوادث الحدود لفرض مطالب أمنية قد تراها القاهرة إخلالا بحقوق السيادة، وهذا الرأي يمنح الواقعة الحالية خلفية مهمة، لأن تل أبيب تستخدم القلق الأمني لتوسيع شروطها على الطرف المصري.
في المقابل، يوضح الباحث زاك غولد أن سيناء تحولت منذ سنوات إلى مساحة تتقاطع فيها مصالح مصر وإسرائيل وحماس في مواجهة العنف المسلح، لكنه يشير أيضا إلى أن ترتيبات كامب ديفيد جعلت شبه الجزيرة منطقة عازلة تحت رقابة دولية وسياسية مستمرة.
غير أن الحكومة المصرية تتحمل مسؤولية مضاعفة في هذه اللحظة، لأنها قبلت إدارة سيناء عبر قواعد أمنية لا يطلع عليها الرأي العام، ثم تركت اليمين الإسرائيلي يهاجم الجيش المصري ويشكك في تحركاته، من دون رد سياسي معلن يحفظ حق المصريين في معرفة ما يجري.
وعلى هذا الأساس، لا تبدو الأزمة مجرد اعتراض إسرائيلي على مناورة عسكرية محدودة، بل تبدو نتيجة مباشرة لسياسة حكومية اعتادت تحويل الملفات السيادية إلى ترتيبات مغلقة، ثم فوجئت بأن الاحتلال يستخدم تلك الترتيبات نفسها للضغط والتحريض وابتزاز المجال الحدودي المصري.
وفي الخلاصة، تكشف تدريبات سيناء بين 26 و30 أبريل أن السيادة لا تحميها البيانات الغائبة ولا التنسيقات السرية، بل يحميها موقف سياسي معلن ومحاسبة داخلية واضحة، لأن الحكومة التي تصمت أمام التحريض الإسرائيلي تترك الجيش والحدود والرأي العام في مواجهة رواية الاحتلال وحدها.

