في قرارا جديد مثير للجدل قرر محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم، إدخال طلاب الصف الثاني الثانوي إلى تجربة مالية مرتبطة بالبورصة، في خطوة حكومية تقدم نفسها كتعليم حديث، لكنها تنقل المراهقين من مقاعد الدراسة إلى منطق التداول.
القرار جاء داخل البورصة المصرية وبحضور وزراء ومسؤولين، لا داخل مدرسة حكومية تعاني من الكثافة ونقص الجودة، لذلك بدا الإعلان أقرب إلى تسويق حكومي لسوق المال منه إلى إصلاح تعليمي حقيقي.
قرار وزير التعليم يحول المنهج إلى بوابة للبورصة
في البداية، وقع محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم والتعليم الفني مذكرة تفاهم مع جامعة هيروشيما وشركة سبريكس اليابانية، لتنفيذ منهج الثقافة المالية داخل المدارس المصرية، واختارت الحكومة مقر البورصة المصرية مكانا للتوقيع حتى تربط القرار منذ لحظته الأولى بسوق المال لا بالفصل الدراسي.
وبعد ذلك، حضر أحمد كجوك وزير المالية، ومحمد فريد صالح وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، وأحمد رستم وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية، وإسلام عزام رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، وعمر رضوان رئيس البورصة المصرية، ورئيس جامعة هيروشيما، ورئيس شركة سبريكس، ليظهر القرار كمشروع حكومي جماعي لا كخطوة تعليمية مستقلة.
وبحسب الإعلان الرسمي، تستهدف المذكرة وضع إطار تعاون بين الوزارة والجامعة اليابانية والشركة اليابانية لتنفيذ وضمان جودة منهج الثقافة المالية، من خلال اختبار توفاس للمهارات الأكاديمية الأساسية، ومن خلال مبادرات تعليمية مرتبطة بالمنهج داخل النظام التعليمي المصري.
لكن هذا الإطار يفتح سؤالا لا تجيب عنه الحكومة بوضوح، لأن وزارة التعليم لم تقدم خطة معلنة تشرح كيف ستضمن عدالة التنفيذ بين مدارس المدن والقرى، أو كيف ستمنع تحويل الوعي المالي إلى دعاية مبكرة للبورصة وسط طلاب لم يكتمل نضجهم القانوني والاقتصادي.
وفي كلمته، قال وزير التعليم إن الدولة تتجه إلى تحول جوهري في منظومة التعليم، يقوم على نقل الطالب من التعلم النظري إلى الممارسة الفعلية، بحيث يدرس آليات الأسواق والاستثمار ثم يشارك في قرارات حقيقية داخل بيئة مالية متكاملة.
غير أن هذا الطرح يجعل الطالب طرفا في تجربة مالية قبل أن توفر له المدرسة الحكومية أساسا صلبا في الحساب والقراءة والتفكير النقدي، لأن الحكومة تقفز إلى التداول والمحافظ الاستثمارية بينما لا تزال أزمات الفصول والمعلمين والمنصات الرقمية تضغط على ملايين الأسر.
وفي هذا السياق، تقول أناماريا لوساردي مديرة مبادرة القرار المالي في جامعة ستانفورد إن الهدف من تعليم المال للشباب يجب أن يكون إتاحة تعليم مالي عالي الجودة يساعدهم على اتخاذ قرارات ذكية، وهو رأي يضع الجودة والحماية قبل أي اندفاع حكومي نحو السوق.
محفظة 500 جنيه تضع القاصر داخل سوق المخاطر
بعد توقيع المذكرة، أعلن وزير التعليم أن الوزارة قررت الانتقال من التعلم عن الاقتصاد إلى التعلم داخل الاقتصاد نفسه، وقال إن المنهج الجديد سيدمج الثقافة المالية والوعي الاستثماري وريادة الأعمال ضمن مناهج الصف الثاني الثانوي، مع تحويل الطلاب من متلقين إلى مشاركين في الواقع الاقتصادي.
ثم أوضح الوزير أن الطلاب الذين يستكملون البرنامج لن يكتفوا بالمحاكاة أو التدريبات الصفية، لأن الوزارة ستتيح لهم الوصول إلى حسابات استثمار حقيقية ومحافظ ممولة تسمح لهم بالتداول الفعلي داخل البورصة المصرية، تحت إشراف وتوجيه متخصص، وفق ما أعلنته الوزارة ووسائل محلية. .
وبناء على التصريحات الحكومية، ستدرس المادة كنشاط على منصة البرمجة والذكاء الاصطناعي لطلاب الصف الثاني الثانوي، ولن تكون مادة نجاح ورسوب، بينما ستكود الوزارة الطالب الناجح في المادة داخل البورصة وتفتح له محفظة تضم 500 جنيه يستطيع من خلالها التداول في الأسهم.
وهنا تظهر خطورة القرار بوضوح، لأن الحكومة لا تكتفي بشرح الادخار أو الميزانية الشخصية أو مخاطر الديون، بل تربط الطالب بمحفظة تداول حقيقية في سوق يتأثر بالمضاربات والأخبار والسيولة والسياسات الحكومية، وهو مستوى من المخاطر لا يناسب تجربة مدرسية عامة.
كما قال الوزير إن محاور المنهج تشمل الشركات الناشئة وريادة الأعمال ومفهوم البورصة والقدرة على اتخاذ القرارات الاقتصادية السليمة، وأضاف أن الهدف هو تعزيز مهارات الطلاب وقدراتهم على اتخاذ قرارات اقتصادية في حياتهم، لكن الوزارة لم تعلن ضوابط تفصيلية لحماية الطلاب من الخسارة أو السلوك المضاربي.
وبالتزامن مع ذلك، ربط الوزير المبادرة بتجربة البرمجة والذكاء الاصطناعي، وقال إن قرابة مليون طالب درسوا المادة، وإن 500 ألف طالب نجحوا في اختبار الفصل الدراسي الأول، ثم استخدم هذا الرقم لتقديم التوسع المالي الجديد باعتباره امتدادا طبيعيا لتعاون سابق مع الجانب الياباني.
لكن المقارنة بين البرمجة والتداول ليست دقيقة، لأن تعلم البرمجة يضيف مهارة تقنية قابلة للقياس داخل بيئة تعليمية، بينما التداول في الأسهم يدخل الطالب إلى علاقة مباشرة مع مكسب وخسارة وسعر وسوق، وهذا فارق جوهري تجاهله الخطاب الحكومي خلال الاحتفال.
وفي هذا الإطار، يؤكد رويلاند موناش الرئيس التنفيذي المشارك لمؤسسة أفلاتون الدولية أن التعليم المالي للأطفال والشباب يحتاج مناهج عالية الجودة وسياقا محليا مناسبا، لأن البرامج الجادة تبني التمكين الاجتماعي والمالي ولا تختزل التعليم في فتح حساب أو دفع الطالب إلى منتج مالي.
الحكومة تستخدم التعليم لتوسيع قاعدة المستثمرين
في المرحلة التالية، قدم الوزراء المشاركون القرار كجزء من خطط الشمول المالي والتنمية المستدامة، حيث قال وزير المالية أحمد كجوك إن التعليم يتصدر الأولويات، وإن الشراكة المصرية اليابانية فرصة لبناء قدرات الطلاب وإعدادهم لسوق العمل وتوطين المعرفة داخل المدارس الحكومية.
ثم قال وزير الاستثمار والتجارة الخارجية محمد فريد صالح إن إدراج الثقافة المالية في المناهج جاء نتيجة جهد وتنسيق بين وزارة التربية والتعليم والهيئة العامة للرقابة المالية والبورصة المصرية، وأضاف أن وزارته ستعمل على تعزيز الثقافة الاستثمارية والتجارية لدى الشباب.
كما قال وزير التخطيط والتنمية الاقتصادية أحمد رستم إن المذكرة خطوة استراتيجية لإعداد جيل واع اقتصاديا، وربط المبادرة برؤية مصر 2030 وبناء الإنسان والشمول المالي، ثم تحدث عن نسب شمول مالي تقترب من 80%، وعن فتح 2.6 مليون حساب وبطاقة ومحفظة إلكترونية في قرى حياة كريمة.
هذه التصريحات تكشف أن الحكومة لا تنظر إلى القرار كإصلاح مدرسي محدود، بل كأداة لدمج الطلاب مبكرا في مسار الشمول المالي والاستثمار والتجارة، وهو ما يحول المدرسة إلى قناة لتوسيع قاعدة المتعاملين مع أدوات مالية تخدم سياسات الدولة والسوق.
وفي الاتجاه نفسه، قال رئيس هيئة الرقابة المالية إسلام عزام إن نسبة المستثمرين بين 18 و40 سنة وصلت إلى نحو 79% من مستثمري البورصة، وإن نسبة المستثمرين الشباب في صناديق استثمار جديدة مثل الذهب بلغت حوالي 80%، ثم استخدم هذه الأرقام لتبرير تكثيف التوعية.
وبعد ذلك، قال رئيس البورصة المصرية عمر رضوان إن مشاركة البورصة في توقيع مذكرة منهج الثقافة المالية تأتي في إطار بناء وعي اقتصادي لدى الأجيال الجديدة، وأضاف أن البورصة جذبت أكثر من 160 ألف مستثمر جديد خلال الربع الأول من 2026 بنمو يقترب من 200%.
وهكذا، يظهر القرار كجزء من محاولة رسمية لتغذية سوق المال بأجيال أصغر، لأن المسؤولين تحدثوا عن زيادة المستثمرين والشمول المالي والدمج الاستثماري أكثر مما تحدثوا عن حماية القاصر أو معالجة ضعف المدرسة أو تدريب المعلم على محتوى شديد الحساسية.
وتحذر فلور آن ميسي المستشارة البارزة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من أن تعليم المال داخل المدارس يحتاج أطر كفاءة واضحة وأهدافا واقعية وقياسا منتظما، كما تؤكد أدبيات المنظمة أن إدخال التعليم المالي للمدارس يحمل تحديات تتطلب تخطيطا لا احتفالات بروتوكولية.
وفي المقابل، قال رئيس جامعة هيروشيما ميتسو أوتشي إن الاتفاقية تستهدف تعزيز التثقيف المالي عبر نظام توفاس كأداة دولية لقياس المهارات الأكاديمية وتحسين جودة التعليم، وأكد أن الجامعة ستدعم التنفيذ بخبراتها الأكاديمية بينما تعمل الوزارة على تعميمه في الجمهورية.
لكن الاعتماد على شريك أجنبي لا يعفي وزارة التعليم من مسؤولية القرار المحلي، لأن المشكلة ليست في وجود اختبار أو جامعة أو شركة يابانية، بل في تحويل الطلاب إلى متداولين صغار داخل سوق مالية قبل وجود نقاش مجتمعي واضح وضمانات رقابية معلنة.
وبذلك، تكشف مذكرة الثقافة المالية أن الحكومة تختار طريقا سهلا في الخطاب وصعبا في الواقع، لأنها تضع عنوان التحديث على قرار يربط المدرسة بالبورصة، بينما يظل جوهر التعليم العام محتاجا إلى معلم مؤهل وفصل منضبط ومنهج واضح لا إلى محفظة أسهم بقيمة 500 جنيه.
وفي النهاية، يتحمل محمد عبد اللطيف وزير التربية والتعليم المسؤولية السياسية المباشرة عن قرار يغير وظيفة المدرسة من بناء المعرفة إلى اختبار الطلاب داخل سوق المخاطر، وتتحمل الحكومة كلها مسؤولية تحويل التعليم إلى بوابة استثمارية بدل حماية الطالب من سياسات اقتصادية يدفع ثمنها الكبار والصغار.

