تحولت المواصلات في المدن الجديدة إلى أزمة يومية تكشف عجز حكومة الانقلاب عن إدارة خدمة أساسية تمس العمل والدراسة والمعيشة، بينما تركت السكان تحت رحمة الميكروباص والانتظار والأجرة المضاعفة.

 

تدفع مدن 6 أكتوبر والعاشر من رمضان و15 مايو ثمن توسع عمراني بلا نقل منظم، لأن الحكومة بنت تجمعات سكنية واسعة ولم توفر شبكة مواصلات مباشرة ومنتظمة تربط السكان بمناطق العمل والدراسة.

 

تقطيع الخطوط يحاصر سكان أكتوبر

 

منذ الصباح الباكر، يبدأ سكان 6 أكتوبر وأكتوبر الجديدة رحلة شاقة قبل الوصول إلى أعمالهم، لأن خطوط الميكروباص لا تعمل باعتبارها خدمة عامة، بل تعمل بمنطق استغلال الركاب وتقسيم المسار الواحد إلى مراحل مدفوعة، وهو ما يضاعف التكلفة اليومية على العمال والموظفين والطلاب.

 

وفي قلب هذه الأزمة، يؤكد مصطفى عبدالله العامل بالمنطقة الصناعية في 6 أكتوبر أن نظام تقطيع الخطوط أصبح ممارسة مستقرة في الحصري، لأنه يضطر إلى ركوب سيارتين بدلا من سيارة واحدة للوصول إلى أقرب محور رئيسي، ويدفع أجرة تزيد بنسبة 100%.

 

وبسبب غياب الرقابة، يقول عبدالله إن هذه الممارسة لم تعد تصرفا عشوائيا من سائق منفرد، لأن السائقين تعاملوا معها كصيغة ثابتة خاصة في أوقات الذروة، بينما تتحمل الأسر نتيجة مباشرة تتمثل في اقتطاع جزء كبير من الدخل الشهري لصالح المواصلات وحدها.

 

وفي المسار نفسه، يقول محمود سيد المقيم في منطقة 800 فدان بزهراء أكتوبر الجديدة إنه ينتظر يوميا ميكروباصا إلى ميدان الحصري، لكنه يجد السائقين يحملون الركاب إلى الحي السادس فقط لتحصيل أجرة إضافية، رغم ارتفاع السعر بعد زيادة البنزين الأخيرة بأكثر من جنيهين.

 

ثم تتسع الأزمة مع شهادة مصطفى سعيد الموظف المقيم في غرب المطار، لأنه ينتقل يوميا إلى حدائق الأهرام عبر الحي السادس ثم الحصري ثم البوابات، وهو مسار مرهق يكشف غياب الخطوط المباشرة بين مناطق السكن الجديدة ومناطق العمل القائمة.

 

وفي ظل هذه الشهادات، تبدو تصريحات الدكتور حسن مهدي أستاذ هندسة الطرق والنقل بجامعة عين شمس كاشفة للفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع، لأنه أكد أن النقل قطاع خدمي يمس حياة المواطن اليومية، بينما يواجه سكان أكتوبر خدمة غير منتظمة تلتهم الوقت والدخل.

 

غياب الأتوبيسات يضاعف زمن الرحلة

 

بعد أزمة تقطيع الخطوط، تظهر مشكلة أخرى في ندرة الأتوبيسات والميني باص داخل المدن الجديدة، لأن خطوط أكتوبر الجديدة قليلة بحسب شكاوى السكان، كما أن أجرتها وصلت إلى 25 جنيها في بعض المسارات من دون انتظام كاف أو قدرة على استيعاب الكثافة المتزايدة.

 

وفي هذا السياق، يقول علي يوسف الطالب البالغ 22 عاما إنه يسكن في الحي السادس بأكتوبر ويتجه إلى جامعة عين شمس عبر ميكروباص من الحصري إلى التحرير، لكنه يواجه تحكم السائقين في الوجهة عندما يعلن بعضهم أن آخر الخط ميدان لبنان فقط.

 

وبناء على ذلك، يطالب يوسف بزيادة أوتوبيسات هيئة النقل العام بشكل مكثف، لأن غياب البديل الحكومي جعل السائقين يتحكمون في الطلاب والموظفين، ويفرضون عليهم أجرة ثانية ووقت انتظار إضافيا، من دون رقابة فعلية في المواقف أو على الطريق.

 

ثم يربط محمود حسن المدرس من سكان حدائق أكتوبر الأزمة بغياب كيان منظم لإدارة النقل داخل المدن الجديدة، لأنه يطالب بتسريع إنشاء شركة لتشغيل وسائل النقل المختلفة، ويرى أن السكان يحتاجون وسائل آمنة ومنتظمة ترحمهم من فوضى الميكروباص.

 

وفي الاتجاه ذاته، تطالب فاطمة من سكان غرب المطار بتوفير أتوبيسات وميني باص في مواعيد مختلفة لأهالي غرب المطار و800 فدان، لأنها تغادر منزلها قبل العمل بساعتين ومع ذلك تتأخر، بسبب الزحام وتقطيع الطرق وعدم كفاية السيارات.

 

وقد أقرت الحكومة نفسها بوجود خلل في أبريل 2026 عندما ناقشت وزارتا النقل والإسكان تنظيم النقل في المدن الجديدة وربطه بوسائل النقل الجماعي، كما أعلنتا بحث تأسيس شركة لإدارة وتشغيل وسائل النقل المختلفة داخل هذه المدن، وهو اعتراف متأخر بحجم الفوضى.

 

وفي هذا الإطار، تؤكد المهندسة منى كمال رئيس جهاز شؤون البيئة سابقا أن النقل الجماعي الجاذب والنظيف يمثل ضرورة لتقليل الاختناقات وتشجيع المواطنين على ترك الوسائل العشوائية، وهو ما يضع الحكومة أمام مسؤولية مباشرة عن ترك المدن الجديدة بلا بديل منتظم.

 

15 مايو والعاشر يدفعان ثمن الفوضى

 

وبينما تبدو أكتوبر نموذجا صارخا، تتكرر الأزمة في مدينة 15 مايو، حيث يقول عبدالله عثمان الموظف البالغ 52 عاما والمقيم في الإسكان الاجتماعي إنه يعمل في المهندسين، لكنه يخسر وقتا طويلا في الانتظار لأن الميكروباص لا يتحرك إلا بعد اكتمال الركاب.

 

ثم يوضح عثمان أن بعض السائقين يرفضون التوقف لأنهم ينتظرون ركابا أكثر في محطة لاحقة، وهو ما يحول وقت المواطنين إلى تكلفة غير محسوبة، خصوصا مع ارتفاع الأجرة بنسبة 70% خلال العامين الماضيين من دون تحسن مقابل في الخدمة.

 

وبسبب ذلك، يطالب عثمان بتشديد الرقابة على سائقي خطوط المدن الجديدة، لأن السكان يدفعون ثمن البنزين المرتفع وثمن الفوضى في الوقت نفسه، بينما لا تقدم الحكومة خدمة عامة تحميهم من ابتزاز الانتظار وتقطيع المسافات داخل الخط الواحد.

 

وفي شهادة أخرى من 15 مايو، تقول نهى علي الموظفة البالغة 47 عاما إن رحلتها اليومية مع الميكروباص من منزلها إلى أقرب محطة مترو تحولت إلى معاناة ثابتة، لأن السائقين يقطعون المسافات ويرفعون الأجرة، ثم تنتهي الرحلة بمشاحنات يومية.

 

ثم تنتقل الصورة إلى مدينة العاشر من رمضان، حيث يقول محمد مراد الموظف البالغ 44 عاما إنه يستيقظ في السادسة صباحا للحاق بالميكروباص الأول، لأن المسافة بين بيته ووسط البلد تتجاوز 35 كيلومترا، لكنها تستغرق ساعتين ونصف أحيانا.

 

ويشرح مراد أن المشكلة الأكبر ليست في الزحام وحده، بل في تقطيع الخط عندما يخبر السائق الركاب أن آخره عند نقطة معينة، ثم يضطر الراكب إلى النزول والبحث عن سيارة أخرى ودفع أجرة جديدة، فتتحول الرحلة من 25 جنيها إلى 50 جنيها.

 

وفي ضوء هذه الشهادات، تبدو خبرة الدكتور جلال السعيد أستاذ تخطيط النقل وهندسة الطرق بجامعة القاهرة مهمة في توصيف الخلل، لأنه عمل في دراسات تخطيط النقل لعقود، بينما يكشف الواقع الحالي أن المدن الجديدة توسعت سكانيا من دون تشغيل شبكة نقل متكاملة تسبق السكن.

 

وفي النهاية، تثبت شكاوى سكان 6 أكتوبر والعاشر من رمضان و15 مايو أن الحكومة تركت المدن الجديدة بلا خدمة مواصلات عادلة، وأن الميكروباص ملأ فراغ الدولة بسلطة يومية على جيوب المواطنين وأعصابهم ومواعيد عملهم ودراستهم.

 

لذلك لم تعد أزمة المواصلات في المدن الجديدة مجرد شكوى من زحام أو أجرة، بل أصبحت دليلا على فشل إدارة عمرانية تنقل السكان إلى أطراف بعيدة من دون شبكة نقل كافية، ثم تطلب منهم تحمل تكلفة الفوضى كأنها قدر يومي.