تحولت جلسة مجلس الشيوخ بحضور وزير الشباب والرياضة جوهر نبيل إلى كاشف جديد لعجز حكومي يتعامل مع الرياضة كواجهة رسمية بينما تقتحم إعلانات المراهنات الملاعب والبث والشباب.

 

وتطرح الواقعة سؤالًا يتجاوز مداخلات النواب والبيانات الرسمية لأن جوهر الأزمة يتمثل في سماح الأجهزة المعنية بظهور منصات مقامرة داخل بيئة رياضية يفترض أنها تخضع للرقابة والقانون.

 

إعلان المراهنات داخل الملاعب يفضح رقابة غائبة لا أزمة عابرة

 

في البداية جاءت مناقشة مجلس الشيوخ لملف المنظومة الرياضية ورؤية وزارة الشباب والرياضة بشأن تمكين الشباب وإعداد الأبطال الأولمبيين في سياق رسمي يرفع شعارات الرعاية والكفاءة والمنافسة الدولية بينما كشفت إعلانات المراهنات أن البيئة نفسها تسمح بتسويق نشاط يهدد الشباب داخل المجال الرياضي.

 

وبعد ذلك انتقل النقاش إلى مشاركة القطاع الخاص في رعاية الرياضيين والوصول بهم إلى أعلى مستويات الكفاءة لكن هذا العنوان فقد جزءًا من معناه عندما ظهرت شركات مراهنات في محيط المباريات لأن الرعاية الرياضية تتحول هنا من دعم مشروع إلى مدخل لتطبيع القمار أمام جمهور واسع.

 

ومع أن النائبة رانيا صدقي أثارت القلق من وجود إعلانات لمنصات مراهنات خلال مباريات داخل مصر فإن أهمية الواقعة لا تقف عند رأي نائبة أو سؤال برلماني بل تتعلق بمن سمح بتلك الإعلانات ومن راجع العقود ومن منح المساحات الدعائية ومن تجاهل أثرها على الشباب.

 

وبناء على ذلك لا يكفي أن تسأل السلطة التنفيذية عن الجهة أو الوكالة التي نشرت هذه الإعلانات لأن المسؤولية تبدأ من وزارة الشباب والرياضة واتحاد الكرة ورابطة الأندية والجهات المالكة لحقوق البث والإعلانات وكل جهة قبلت مرور إعلان يوجه الشباب إلى منصات مراهنة.

 

وفي هذا السياق يكتسب رأي أستاذ الإدارة الرياضية كمال درويش أهمية خاصة لأنه يربط نجاح المنظومة الرياضية عادة بوجود حوكمة واضحة ومحاسبة داخل الاتحادات والأندية ولذلك يكشف انتشار هذه الإعلانات خللًا في الإدارة قبل أن يكون مجرد خطأ تسويقي داخل مباراة.

 

ثم يظهر الخلل بصورة أوضح عندما تتحدث الحكومة عن إعداد أبطال أولمبيين بينما تترك الجمهور والناشئين أمام دعاية مقامرة مرتبطة بالمباريات نفسها لأن الدولة التي تريد صناعة بطل لا يجوز أن تسمح في الوقت ذاته بتسويق خسارة المال بوصفها جزءًا من مشاهدة الرياضة.

 

القانون حاضر على الورق والحكومة غائبة عند التنفيذ

 

في المقابل لا تبدو المشكلة قانونية من حيث المبدأ لأن قانون العقوبات المصري يضع ألعاب القمار ضمن الأفعال المجرمة ويعاقب من يعد مكانًا لها أو يهيئه لدخول الناس كما يجرم صورًا مرتبطة باليانصيب دون إذن حكومي وفق المواد المنظمة لهذا الباب.

 

ولذلك فإن ظهور إعلانات المراهنات في الملاعب لا يعني نقص النصوص فقط بل يعني أن أجهزة الدولة تعرف التجريم ثم تترك الإعلان يصل إلى الشاشة واللوحة والجمهور وهذا يجعل الأزمة أزمة إنفاذ للقانون وليست أزمة غموض في المعنى أو اختلاف على التعريف.

 

ومن هنا يوضح الخبير القانوني أحمد مهران في طرحه العام لقضايا الجرائم الإلكترونية أن خطورة الأنشطة الرقمية لا تقف عند الفعل الأصلي بل تمتد إلى الوسائط التي تسهل الوصول إليه وتروجه وهذا المعنى ينطبق على منصات المراهنات التي تستخدم الإعلان الرياضي لجذب المستخدمين.

 

وبسبب هذا المعنى يصبح إعلان المراهنات داخل مباراة محلية أو على هامش بث رياضي فعلًا مؤثرًا في السلوك العام لأن المنصة لا تعرض منتجًا عاديًا بل تفتح بابًا لتحويل التشجيع والمتابعة إلى مخاطرة مالية مرتبطة بنتائج الفرق واللاعبين.

 

وفي الوقت نفسه سبق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أن شكل في أبريل 2019 لجنة للتحقيق في إعلانات مراهنات ظهرت في دوري القسم الثاني لكرة القدم وهذا يعني أن الدولة واجهت الظاهرة من قبل لكنها لم تبن منظومة منع مستمرة تحاسب المسؤولين قبل اتساع السوق.

 

وبناء على هذا التاريخ تصبح جلسة أبريل 2026 استمرارًا لفشل قديم لا بداية لاكتشاف جديد لأن الحكومة عرفت بوجود الظاهرة منذ سنوات ثم تركت المنصات تعود عبر الملاعب والبث وشبكات التسويق الرقمي بدل أن تغلق مسارات الإعلان والتمويل والتحويلات.

 

حماية الشباب لا تبدأ من الخطب بل من وقف الإعلان والمحاسبة

 

على الجانب الصحي والاجتماعي لا يمكن فصل إعلانات المراهنات عن أثرها على الفئات الصغيرة والباحثة عن مكسب سريع لأن منظمة الصحة العالمية تتعامل مع القمار باعتباره خطرًا صحيًا عامًا وتؤكد أن أضراره تمتد إلى غير المقامرين داخل الأسر والمجتمعات.

 

ولذلك يكتسب رأي استشاري الطب النفسي جمال فرويز أهمية في هذا الملف لأنه يحذر في أحاديثه المتكررة عن الإدمان السلوكي من أن التكرار والدعاية والوصول السهل يصنعون اعتيادًا نفسيًا ثم يفتحون الباب أمام سلوك قهري يصعب ضبطه لدى الشباب.

 

ثم تزداد الخطورة عندما تدخل المراهنات من بوابة كرة القدم لأن اللعبة تملك جمهورًا واسعًا من المراهقين والشباب ولأن الإعلان داخل المباراة يمنح المنصة غطاء اجتماعيًا زائفًا ويجعل القمار يبدو نشاطًا طبيعيًا مرتبطًا بالتشجيع وليس سلوكًا ماليًا خطرًا.

 

وبسبب ذلك لا يكفي أن تتحدث وزارة الشباب والرياضة عن تمكين الشباب وإعداد الأبطال الأولمبيين لأن التمكين الحقيقي يبدأ بحماية بيئة الرياضة من شركات تستثمر في اندفاع الجمهور وخسائره ثم تستخدم شهرة المباريات لخلق مستخدمين جدد داخل سوق غير آمن.

 

وفي هذا الإطار يجب أن تتحول القضية من سؤال برلماني إلى إجراءات محددة تشمل إعلان قائمة الجهات الإعلانية المتورطة ومراجعة عقود الرعاية والبث ومحاسبة المسؤولين عن الموافقة وحجب المنصات المخالفة ووقف أي وكالة تسويق تسهل ظهور هذه الإعلانات داخل مصر.

 

وفي النهاية تكشف مراهنات الملاعب أن الحكومة تتعامل مع الشباب كعنوان دعائي في المؤتمرات بينما تتركهم أمام منصات قمار في الاستادات والشاشات ولذلك يصبح الصمت الرسمي مشاركة في المشكلة وتصبح المحاسبة العلنية شرطًا أول لحماية الرياضة من سوق يستغل جمهورها.